الفاشر.. الناجون من المجزرة يتذكّرون
عاين-25 أكتوبر 2026
تحتفظ ذكرى اجتياح قوات الدعم السريع لمدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور في 26 أكتوبر 2025 بمرارة استثنائية، ليس فقط لما شهدته المدينة من أحداث دامية وانتهاكات واسعة، بل لكونها مثلت نقطة الانفجار الكبرى لمئات الأرواح التي وجدت نفسها مطاردة بين جحيم القصف والمطاردات والنهاية في أحضان معسكرات النزوح واللجوء.
ومع مرور هذه الذكريات المؤلمة، تتكشف يوماً بعد يوم الفصول الحقيقية لتلك المأساة عبر قصص من نجوا من تلك الأهوال، وموجات الترحال قبيل، وأثناء، وبعد سقوط المدينة، بالإضافة إلى المعاناة الآنية في ظل ظروف إنسانية بالغة التعقيد في تلك معسكرات التي استنجدوا بها.
الخروج الكبير.. حين تحولت الطرقات إلى مصائد
تظل تفاصيل الهروب من الفاشر محفورة في ذاكرة الناجين والناجيات، حيث شق كل من هربوا طرقهم وسط أهوال النزوح وملاحقة الموت.
تحكي حكمة الحافظ، العاملة السابقة في منظمات العون الإنساني بمخيم زمزم، لـ(عاين) عن محطتها الأولى مع الفقد حينما قتل زوجها بقصف مسيرة فاضطرت لدفنه بنفسها بمساعدة خاطفة من عابرين، وذلك خلال مرحلة نزوحها الأولى من زمزم إلى الفاشر قبيل اجتياح الدعم السريع للمدينة.

وتضيف حكمة، أنها وجدت الأوضاع بالفاشر غير صالحة للعيش، فقررت مع أهلها ومئات العائلات الفرار في رحلة شاقة وسيراً على الأقدام إلى (حلة الشيخ) وبعدها إلى منطقة (قرني) وصولاً إلى (مليط)، التي تبعد حوالي 70 كيلو متر فقط من مدينة الفاشر، بيد أن حكمة ومن معها وصلوا إليها خلال يومين نسبة لسلوكهم طرق وعرة وبعيدة عن نقاط تفتيش قوات الدعم السريع التي كانت منتشرة في كل الأنحاء حول مدينة الفاشر في ذلك الوقت. ومنها بشاحنات عبر الصحراء القاحلة لأكثر من شهر، حتى وصلت إلى مدينة (الدبة) بشمال السودان.
في مدينة الدبة تكتشف حكمة قصص مريرة عن فقدان أعداد كبيرة من الأقرباء والأهل، وتوضح أنه فقط من أسرة زوجها على سبيل المثال لم يتبق أحد، حيث علموا بمقتل اثنين من الأسرة وفقدان أربعة آخرين لا يعلم عنهم أحد شيئاً حتى اليوم.
وعلى ذات صفحات المعاناة، وفي طرق أخرى، تروي الشابة ريم سبيل (28 عاماً)، المتطوعة السابقة في تكايا إطعام المحاصرين بالفاشر، كيف حُشرت مع نحو 300 امرأة وطفل ومسن داخل شاحنة نقل واحدة، وذلك بعد سقوط المدينة، في ظل غياب كامل لكل شباب المدينة الذين كان يتم اعتقالهم أو تصفيتهم.
وتسرد ريم لـ(عاين) كيف قطعوا المسافة بين الفاشر وكبكابية (نحو 150 كيلومتراً) في أسبوع كامل بسبب التوقف الاضطراري المتكرر إما في نقاط تفتيش قوات الدعم السريع أو للاحتماء في الخلاء من قصف الطيران، لينتهي بهم المطاف سيراً على الأقدام حتى الحدود التشادية في (الطينة).

وفي مشهد آخر يكمل مأساة الهروب، يروي المهندس محمد آدم أحمد حسن، مدير عام مياه الريف بشمال دارفور السابق، لـ(عاين)، كيف فقد ثمانية من أشقائه وأبناء أشقائه في قصف استهدف موكبهم الفار نحو (جبل وانا)، وذلك في أثناء عمليات الهجوم على المدينة في يوم سيطرة قوات الدعم السريع عليها، ليكون الناجي الوحيد من بيته بعد نقله مصاباً في عربة للجيش ضمن موكب كان منسحباً من المدينة في تلك الأثناء، تعرض هو كذلك لهجوم حصد أرواح جميع من فيه ولم ينج منه سوى ثلاثة أشخاص، هو وفردين من الجيش ليواصل طريقه سيراً وعلى ظهر الدواب نحو مناطق (دار زغاوة).
محمد آدم، أوضح أنه فضل البقاء في الفاشر المحاصرة إلى يوم سقوطها للقيام بواجباته المهنية تجاه المجتمعات المحلية في المدينة التي ولد وترعرع فيها ودرس حتى المرحلة الجامعية، وتدرج بالخدمة المدنية موظفاً حتى وصل إلى منصبه الذي كان يزاوله من قلب المدينة طوال فترة حصارها، كاشفاً عن أنه أثناء فترة الحصار والعمليات العسكرية، فقدت المدينة مئات الموظفين والموظفات الذين بقوا كذلك، ورفضوا الخروج للقيام بواجباتهم المهنية.
معركة بقاء أخرى
لم تكن النجاة من محارق الفاشر سوى بداية لمأساة أخرى أشد قسوة داخل المخيمات ومناطق النزوح واللجوء، فبعد الوصول إلى الشريط الحدودي، اضطرت، ريم سبيل، ومن معها للمكوث أسبوعان في العراء الصحراوي بمنطقة (الطينة) وشرب المياه الراكدة للتغلب على العطش القاتل، قبل أن تنقلهم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) إلى معسكر (تلوم) بشرق تشاد. هناك، حيث بدأ فصل جديد من فصول معاناتهم، حين تجددت الصراعات على البقاء بين اللاجئين الجدد وسكان المعسكر القدامى منذ حرب 2003، بسبب الشح الحاد في الإغاثة ورفض اقتسام المساعدات الضئيلة، والتي لا تتعدى مبلغاً مالياً يعادل 30 ألف جنيه سوداني للفرد لا يصرف شهرياً بل يتأخر لشهور جراء عمليات النهب والسرقة في الطريق، فضلاً عن حصة إغاثية زاهدة تشمل جوال عدس، وجوال مرق، وأربع باقات زيت يتشاركها كل ستة أفراد شهرياً.

هذا الواقع فرض على معظمهم الاعتماد كلياً على تحويلات مالية شحيحة من أقاربهم وأصدقائهم بالخارج لتوفير الحد الأدنى من البقاء، وهي تحويلات تخضع بدورها لعمليات ابتزاز وفساد مالي شديد يحرمهم في كثير من الأحيان من نصف المبالغ المحولة.
أرقام المأساة.. أكبر موجة نزوح جماعي
لم تكن هذه الشهادات مجرد روايات فردية للنجاة، بل جاءت لتتطابق مع تقارير دولية وأممية، وثقت إحدى أشد موجات التهجير قسوة في تاريخ دارفور الحديث، وتعد أكبر موجة نزوح جماعي، حيث إنه ووفقاً لبيانات منظمة الهجرة الدولية (IOM)، فإن التصعيد العسكري حول الفاشر أدى إلى فرار أكثر من 62% من سكان المدينة، حيث اضطر أكثر من 107 ألف مواطن للمغادرة تحت وابل القصف والحصار في الأسابيع الأولى، لتتفرق بهم السبل بين مناطق (طويلة) و(الطينة) والقرى الحدودية، وصولاً إلى مدينة (الدبة) بالشمالية وولاية نهر النيل عبر رحلات صحراوية مهلكة.
بينما عبر أكثر من 1.19 مليون شخص الحدود الغربية باتجاه الأراضي التشادية. من جانبها، حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF) من أن أكثر من 130 ألف طفل تعرضوا للمخاطر الجسيمة والعنف المباشر خلال عمليات الفرار، مشيرة إلى أن غالبية العائلات وصلت إلى المعسكرات الحدودية في حالة من الإنهاك والجفاف وسوء التغذية الحاد جراء السير لمسافات طويلة دون ماء أو غذاء.
في نهاية الرحلة.. اتساع الكارثة وتفاقم خطر المجاعة
في سياق متصل، كشف الناطق الرسمي باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين، آدم رجال، لـ(عاين) عن أن معاناة المدنيين لم تتوقف عند لحظة الخروج الأولى من الفاشر، بل تحولت إلى نزوح متكرر ومستمر حتى يومنا هذا، حيث تواصل آلاف الأسر تنقلها الشاق بين عدة مناطق ومخيمات بحثاً عن الأمان والحد الأدنى من مقومات الحياة. وأوضح رجال أن المنسقية رصدت خلال الفترة من مطلع سبتمبر وحتى منتصف أكتوبر الجاري، أكثر من 9 آلاف نازح جديد، جرى إضافتهم إلى أعداد هائلة من النازحين السابقين في ظل محدودية شديدة في الوصول إلى الخدمات الأساسية وشح المعينات الإغاثية التي لا تكفي ربع احتياجاتهم.

وشدد رجال، على أن فشل الموسم الزراعي لهذا العام يهدد بوقوع مجاعة وشيكة، مطالباً أطراف النزاع بتيسير دخول المساعدات، معتبراً أن “قصص الناجين والناجيات من الفاشر ستظل شاهداً دائماً على الثمن الباهظ الذي يدفعه المدنيون في هذه الحرب، وتذكيراً بالمسؤولية الجماعية عن ما يتعرضون له”.
ويأتي هذا الواقع المأساوي مطابقاً لما حذر منه البيان الصحفي للمنسقية العامة للنازحين واللاجئين، أطلعت (عاين) على نسخة منه، والذي استند إلى بيان مشترك لـ 32 جهة دولية (تقدمتها بريطانيا، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وكندا، والنرويج) كشف عن وجود نحو 19.5 مليون سوداني يعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي، بينهم 5 ملايين شخص في مرحلة الطوارئ القصوى.
كما لفت البيان، إلى تقارير المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، التي وثقت مقتل 306 مدنيين وإصابة المئات خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من شهر أكتوبر هذا فقط، جراء القصف الجوي والهجمات بالطائرات المسيرة التي استهدفت أسواقاً ومرافق صحية ومراكز نزوح ومصادر مياه. وأمام هذا التدهور المريع، جددت المنسقية مطالباتها بوقف فوري للقتال، وإقرار هدنة إنسانية لا تقل عن 90 يوماً، وفتح جميع المسارات والمنافذ لإيصال الإغاثة دون عوائق، وحماية ما تبقى من مقومات حياة المدنيين.






















