سوق النعام بأبيي.. أعمال عنف تهدد التجارة الحدودية
عاين- 21 سبتمبر 2026
أوشك سوق النعام، المعروف أيضاً باسم “أميت”، في منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان، على التحول من مركز للتجارة والتعايش بين مجتمعي المسيرية ودينكا نقوك إلى بؤرة للتوتر الأمني، بعد سلسلة من الحوادث خلال العامين الماضيين، كان أحدثها اشتباكات دامية اندلعت في 15 سبتمبر الجاري، وأدت إلى مقتل 28 شخصاً على الأقل، وفق مصادر محلية تحدثت لـ(عاين).
وأعلنت قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي “يونيسفا” لاحقاً أن أعمال العنف التي اندلعت في سوق النعام/أميت أسفرت عن مقتل 26 شخصاً وإصابة 82 آخرين حتى 16 سبتمبر، مشيرة إلى أن التصعيد جاء عقب مقتل رجل من دينكا نقوك في 14 سبتمبر ورجل من المسيرية في اليوم التالي، ما زاد التوتر بين المجتمعين.
ويعد النعام سوقاً مشتركاً بين المسيرية ودينكا نقوك، وتعود آلية السوق المشتركة إلى اتفاق بين قيادات المجتمعين في 2016، عندما أعيد افتتاحه بدعم من يونيسفا بوصفه مساحة للتجارة والتعايش بين الطرفين. وتقول البعثة إن السوق أصبح مركزاً تجارياً رئيسياً في أبيي، لكنه يواجه في الوقت نفسه تهديدات أمنية متزايدة وضعفاً في آليات سيادة القانون ومكافحة الجريمة والعنف.
وبحسب مصادر متطابقة تحدثت لـ(عاين)، بدأت الأحداث الأخيرة إثر مشادة داخل السوق، الواقع على بعد نحو 15 كيلومتراً شمال أبيي، بين تاجر من المسيرية وآخر من دينكا نقوك على خلفية معاملة تجارية، قبل أن تتطور إلى عراك استخدمت فيه السكاكين.
وقالت المصادر: إن “شخصين قتلا طعناً، فيما قتل ثالث بإطلاق النار، قبل أن يرد ذوو القتلى بإطلاق النار، لتتوسع المواجهات وتستخدم فيها أسلحة رشاشة بينها الدوشكا، وتمددت إلى محيط السوق”. وقال مصدر محلي لـ(عاين): إن” الهدوء عاد إلى المنطقة بعد تدخل قوات الدعم السريع التي تسيطر على ولاية غرب كردفان بإرسالها تعزيزات عسكرية في اليوم التالي، إلى جانب قوة من الجيش الشعبي التابع لجنوب السودان، حيث تمكنت القوات من السيطرة على المسلحين، بينما ظل السوق مغلقاً، وتوقفت حركة التجارة”.

وأضاف المصدر: أن قوة “يونيسفا” لم تتدخل في اليوم الأول من الأحداث، لكنها تواصلت لاحقاً مع اللجنة المشتركة المشكلة من مجتمعي المسيرية ودينكا نقوك، والتي عملت على إجلاء الجرحى وحصر القتلى وعقد اجتماع لمتابعة تداعيات الأحداث. وفي بيانها الصادر في اليوم الثالث للأحداث، قالت يونيسفا إنها عززت وجودها الأمني داخل السوق ومحيطه ونشرت قوات إضافية لتهدئة الوضع، كما بدأت العمل مع السلطات المحلية وقادة المجتمع لاستعادة الهدوء ومنع أعمال الانتقام.
شريان تجاري تحت التهديد
ولا تقتصر تداعيات إغلاق السوق على المنطقة المحيطة بأبيي، إذ يعتمد عليه تجار في دارفور وكردفان للحصول على الوقود والسلع القادمة من جنوب السودان. وقال تاجر يعمل في تجارة البصل والذرة من نيالا إلى سوق النعام، ويعود بالوقود: إن “نشاطه التجاري انتعش بعد اندلاع الحرب في السودان وتوقف أجزاء واسعة من التبادل التجاري بين شرق وغرب البلاد”.
وأوضح التاجر، الذي طلب حجب اسمه، لـ(عاين): أنه “ينقل البصل والذرة من نيالا إلى سوق النعام، قبل أن تنتقل كميات منها إلى جنوب السودان، بينما يأتي الوقود، خصوصاً البنزين، إلى السوق عبر تجار من دول أخرى، قبل أن يعاد توزيعه على مناطق دارفور وكردفان”.
وأشار إلى إن أي اضطراب في السوق ينعكس مباشرة على حركة التجارة في البلدين، مشيراً إلى أن إغلاقه بعد الأحداث الأخيرة تسبب في ارتفاع أسعار الوقود، وندرته إلى جانب بعض السلع الاستهلاكية الأخرى. وأضاف أن عشرات الشاحنات المحملة بالبصل والدخن تكدست في مدينة المجلد، بعدما كانت في طريقها إلى سوق النعام قبل إغلاقه.
ويستخدم السوق، وفق إفادات التجار، لنقل السلع والوقود والأدوية القادمة من جنوب السودان إلى مناطق في غرب السودان، بدارفور وكردفان، كما أصبح منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 ممراً لعبور المدنيين من السودان إلى جنوب السودان.
بين التجارة والتوتر المجتمعي
ويرى الناشط السياسي المهتم بأوضاع إقليم كردفان، صلاح حسن جمعة، أن سوق النعام تحول خلال الحرب إلى شريان اقتصادي وتجاري يربط كردفان ودارفور بجنوب السودان، مع تدفق الوقود والأدوية والسلع عبره، واستفادة تجار سودانيين وجنوب سودانيين وآخرين من دول المنطقة من الحركة التجارية.
ويقول جمعة لـ(عاين): إن “نمو السوق وكثافة السكان حوله حدثا بوتيرة أسرع من قدرة السلطات في البلدين على وضع ترتيبات أمنية وإدارية تواكب هذا التوسع، محذراً من أن استمرار التوترات قد يهدد هذا المسار التجاري في ظل حالة السيولة الأمنية التي تعانيها البدلين”.

ويربط جمعة استقرار أبيي خلال الحرب بالسياق السياسي والاجتماعي الأوسع، قائلاً إن الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، وما رافقها من اصطفافات وخطابات المظلومية الصادرة من الدعم السريع ضد المركز والجيش السوداني، ساهمت في تجميد بعض جوانب الصراع التاريخي بين المسيرية ودينكا نقوك، لكنه يحذر من أن هذا الاستقرار قد لا يستمر من دون تنسيق أقوى بين الجهات الموجودة على الأرض في السودان وجنوب السودان.
وفي يونيو 2025، أكدت قيادات من المسيرية ودينكا نقوك، إلى جانب لجنة السلام المجتمعية المشتركة، التزامها بالتعايش السلمي وحماية ممرات الهجرة وتعزيز الأمن على طولها، بما في ذلك منطقة سوق النعام، ومكافحة الجريمة ودعم آليات حفظ الأمن والنظام المحلية.
وتشير تقارير أممية إلى تكرار الحوادث الأمنية والجنائية في أبيي، بالتزامن مع توسع سوق النعام ومحيطه من نحو 10 آلاف نسمة قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023 إلى نحو 50 ألفاً في 2025، وزيادة النشاط التجاري وتدفق السلع والأموال وانتشار الأسلحة ووجود عناصر من قوات الدعم السريع.
وحسب “يونسفا” ارتفعت الحوادث الجنائية في المنطقة من 1,712 حادثة في 2023 إلى 2,373 في 2024، فيما تراجعت في 2025 إلى 1,627 حادثة، بينما واجهت آليات الحماية والسلام المشتركة بين دينكا نقوك والمسيرية ضغوطاً متزايدة في التعامل مع الجرائم والتوترات.






















