حرب تيغراي.. خطوط النار الممتدة إلى حدود السودان

عاين- 13 أغسطس 2026

في شمال غرب إثيوبيا، لا تحتاج الحرب إلى عبور الحدود كي تصل إلى السودان. وبقرب مدفعيتها من نهر “تكزي- ستيت”، ستسمع القرى الواقعة على الجانب السوداني أصوات الانفجارات، ويبدأ المدنيون في البحث عن طرق الهرب نحو الحدود. هناك، وفي الجغرافيا الممتدة بين مناطق” شيرارو، وحُمرا، ونهر تكزي، تبدو الحدود الإثيوبية السودانية خطاً رفيعاً على الخريطة، لكنها في الواقع واحدة من أكثر النقاط حساسية في القرن الأفريقي.

في الأول من أغسطس الجاري، اندلعت اشتباكات في منطقة شيريرينا بغرب تيغراي، قرب الحدود السودانية، بين قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي والقوات الفيدرالية الإثيوبية. واستخدمت في المواجهات المدفعية الثقيلة والطائرات المسيّرة. وبعد يوم من القتال، هدأت الاشتباكات، لكن مئات المدنيين والمقاتلين الجرحى من جبهة تيغراي فروا باتجاه السودان ويتلقون العلاج في مشافي شرقي السودان- بحسب مراسل لـ(عاين) في المنطقة.

لم تكن تلك المعارك مجرد حادث حدودي عابر. فهي جاءت بعد أشهر من حشد عسكري متبادل، وتصاعد الخلاف بين أديس أبابا وقيادة تيغراي، وتدهور العلاقة بين إثيوبيا وإرتريا، وتزايد ارتباط أزمة شمال إثيوبيا بالحرب السودانية. والأهم أن القتال اندلع في منطقة لا تفصلها عن السودان جغرافياً سوى مسافة قصيرة، وتجاور إرتريا في الوقت نفسه. هنا تتقاطع ثلاث حروب هي حرب تيغراي، والحرب السودانية، والصراع الإثيوبي- الإرتري. وما يبدو اليوم كاشتباك في طرف إقليم إثيوبي قد يتحول، إذا اتسع، إلى أزمة تتجاوز الحدود.

حرب تيغراي خطوط النار الممتدة إلى حدود السودان

السودان.. الحليف غير المعلن لتيغراي

العلاقة بين الجيش السوداني والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي ليست جديدة بالكامل فالحدود السودانية كانت تاريخياً عمقاً استراتيجياً مهماً للقوى الإثيوبية المعارضة، كما كانت منطقة شرق السودان ساحة لحركة اللاجئين والمقاتلين والسلاح خلال مراحل مختلفة من تاريخ القرن الأفريقي. وفي سياق الحرب الحالية، لاحظت مصادر متطابقة لـ(عاين) تحركات لقوات تيغراي – الجيش 70- في شرق السودان على المناطق الحدودية مع إثيوبيا.

وفيما يتبادل السودان وإثيوبيا الاتهامات في دعم معارضي سلطتهما في البلدين، تعتبر الحكومة الإثيوبية مخيمات اللاجئين في السودان، التي تأوي لاجئي تيغراي الذين فروا خلال حرب 2020-2022، مراكز تجنيد للمقاتلين تابعة لسلطات تيغراي.

ونقلت (عاين) في وقت سابق عن مصدر في مخيم أم راكوبة الرئيسي في ولاية القضارف، عن عمليات تجنيد عسكري واعتقالات وسط الشبان اللاجئين من الجنسين، في المخيم الذي يضم آلاف اللاجئين من قومية تيغراي الإثيوبية داخل الأراضي السودانية للقتال ضد الجيش الإثيوبي، وقال المصدر: إن “مسؤولي جبهة تحرير شعب تيجراي نظموا خلال الفترة الماضية عمليات تحشيد واسعة ومخاطبات تعبئة للقتال عبر مكبرات الصوت في المخيم المكتظ باللاجئين من منطقة تيغراي”. وأفاد المصدر، بأن مسؤولي الجبهة انخرطوا خلال الفترة الماضية في عمليات تنظيم واجتماعات تستمر لأوقات طويلة داخل المخيم الأمر الذي أحدث توترا كبيراً لا سيما وسط الشبان من الجنسين، والذين اقتيد بعضهم بالقوة للانخراط في القتال.

اليوم الثاني لاندلاع القتال في المناطق الحدودية بالداخل الإثيوبي عبرت المعركة إلى الأراضي السودانية في أعقاب إعلان معتدية اللاجئين في وزارة الداخلية السودانية عن سقوط قذائف على مخيمات اللاجئين الإثيوبيين داخل الأراضي السودانية، ما أدى إلى عدد من الوفيات والإصابات.

حرب تيغراي خطوط النار الممتدة إلى حدود السودان

تماثل المهددات ومعادلة حرب الوكالة

يقدم الخبير الأمني اللواء شرطة (م) جعفر حسن محمد أحمد، تحليلاً لطبيعة التهديدات الأمنية للسودان، موضحاً أنها متماثلة ومطابقة على طول الشريط الحدودي. ويرى جعفر حسن في حديثه لـ(عاين)، أن الأزمة الحقيقية تكمن في معادلة المتمردين وتبادل الاتهامات الثنائية بين الخرطوم وأديس أبابا؛ فبينما يمثل إقليم تيغراي فصيلاً متمرداً على الحكومة الفيدرالية الإثيوبية، تمثل قوات الدعم السريع فصيلاً متمرداً على الدولة بالسودان. وهذا الواقع الميداني يدفع أديس أبابا للتعامل بأسلوب المقابلة وتسهيل أو دعم الدعم السريع لتشكيل ضغط أمني وسياسي على الخرطوم رداً على الاتهامات الموجهة للطرف السوداني بمساعدة عناصر تيغراي.

وفي مقارنته العملياتية بين الجيشين الإثيوبي والسوداني، ينبه جعفر حسن، إلى أن الجيش السوداني يواجه إجهاداً أمنياً وعملياتياً جراء انتشاره على رقعة جغرافية واسعة وجبهات متعددة في دارفور وكردفان والوسط، ما يجعل جبهته الشرقية أكثر عرضة للضغط واستغلال تضاريسها المفتوحة كخطوط إمداد وتسليح لصالح التمرد، إلى جانب ما يواجهه السودان من قيود وتضييق في استيراد السلاح والإمداد اللوجستي.

فيما ينوه الباحث المتخصص في شؤون القرن الأفريقي خالد طه إلى أن أي اضطراب جديد في غرب تيغراي يمكن أن يؤدي إلى ثلاث نتائج مباشرة هي نزوح جديد وضغط أمني على الحدود وتحول شرق السودان إلى مساحة تنافس بين أطراف الحرب، والسودان اليوم أقل قدرة على استيعاب موجة نزوح جديدة مما كان عليه في السابق، فعندما اندلعت حرب تيغراي الأولى في 2020، استقبل السودان أعداداً ضخمة من اللاجئين الإثيوبيين. أما الآن، فإن السودان نفسه يعيش واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم. ولهذا فإن أي موجة جديدة من تيغراي قد تصطدم بأزمة إنسانية سودانية قائمة بالفعل”.

حرب تيغراي خطوط النار الممتدة إلى حدود السودان

هل تتحول حرب تيغراي إلى حرب إقليمية؟

هذا هو السؤال الذي يثير القلق الآن، فالحرب السابقة في إقليم 2020 كانت في الأساس صراعاً إثيوبياً داخلياً، رغم التدخل الإرتري. أما اليوم، فقد تغيرت البيئة المحيطة، إثيوبيا على خلاف مع إرتريا الأقرب إلى الجيش السوداني الذي يخوض حرباً ضد الدعم السريع. والدعم السريع متهم بالحصول على دعم إقليمي، فيما تتهم الخرطوم إثيوبيا بتوفير تسهيلات لقواته.

وفي فبراير 2026، كشفت وكالة رويترز، استناداً إلى مصادر وصور أقمار صناعية، عن معسكر سري في إقليم بني شنقول- قمز الإثيوبي قالت إنه يستخدم لتدريب آلاف من مقاتلي الدعم السريع، وقدرت مصادرها عدد المتدربين بنحو 4300 مقاتل. ونقلت الوكالة عن مصادر أن الإمارات مولت إنشاء المعسكر، بينما نفت أبوظبي بشكل قاطع تقديم أسلحة أو تمويل أو تدريب للدعم السريع. وفي المقابل، تتهم الحكومة الإثيوبية الجيش السوداني بدعم عناصر من الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وتقول إن مقاتلين من الجبهة شاركوا في الحرب السودانية.

المفارقة الكبرى في الحرب الجديدة أن إرتريا التي قاتلت إلى جانب الحكومة الإثيوبية ضد الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في حرب 2020–2022، بدلت موقفها وأصبحت اليوم متهمة من أديس أبابا بدعم خصومها. وخلال الحرب السابقة، لعب الجيش الإرتري دوراً رئيسياً إلى جانب القوات الإثيوبية وقوات أمهرا ضد الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي.

البرهان- آبي أحمد- الصورة وكالات

التحالف الذي جمع أديس أبابا وأسمرا لم يصمد بعد انتهاء الحرب، فالاتفاق الذي أنهى حرب تيغراي لم يحل القضايا الأمنية العالقة بين البلدين، كما ظلت قضية وجود القوات الإرترية داخل أجزاء من تيغراي موضع خلاف. وفي فبراير 2026، طالبت الحكومة الإثيوبية إرتريا بسحب قواتها من الأراضي الإثيوبية، بينما رفضت أسمرا الاتهامات، ووصفتها بأنها ملفقة.

ثم دخل البحر الأحمر كعامل مهم آخر على الخط، فإثيوبيا الدولة الحبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، تسعى إلى استعادة منفذ بحري مباشر أو طويل الأمد. وإرتريا، التي تملك مينائي عصب ومصوع وموقعاً استراتيجياً على البحر الأحمر، ترى أي محاولة إثيوبية للحصول على منفذ بحري بالقوة تهديداً مباشراً لأمنها، لذلك لم تعد أزمة تيغراي منفصلة عن الصراع على البحر الأحمر.

الباحث المتخصص في شؤون القرن الأفريقي خالد محمد طه يستبعد وصف الاشتباكات التي اندلعت في الأول من أغسطس الجاري بأنها بداية حرب شاملة، حتى الآن، ويقول في مقابلة مع (عاين): “الخطر لا يكمن فقط في حجم الاشتباك الحالي، بل في البيئة التي سبقته، التي تمظهرت في الحشود العسكرية وانهيار الثقة والاتهامات المتبادلة وأزمة غرب تيغراي والصراع داخل أجنحة تيغراي، التوتر الإثيوبي – الإرتري، والحرب السودانية التي تملك بالفعل امتدادات إقليمية، ولهذا فإن أي حادث جديد قد يتحول إلى شرارة أكبر”.

السيناريو الأسوأ في حرب تيغراي هو الانفجار الإقليمي عندما تدخل إرتريا بصورة مباشرة، وتتوسع المواجهات بين القوات الإثيوبية الفيدرالية وقوات تيغراي، ويتحرك السودان عسكرياً لحماية حدوده أو لدعم حلفائه، وحين تنشط شبكات الدعم الخارجي لكل طرف. عندها لا تعود الحرب حرب تيغراي، بل تصبح حرب شمال إثيوبيا وشرق السودان والبحر الأحمر

باحث متخصص في شؤون القرن الأفريقي

ويشير طه، إلى ثلاثة سيناريوهات ممكنة تتفاوت معدلات الخطر فيها: “السيناريو الأول هو احتواء النار بتوقف الاشتباكات، وعودة الوساطات، وبداية مفاوضات حول تطبيق اتفاق بريتوريا، في هذه الحالة يبقى السودان متأثراً فقط بالنزوح والقلق الأمني، لكن الحرب لا تتحول إلى جبهة إقليمية. والسيناريو الثاني حدوث حرب محدودة في غرب تيغراي تتكرر فيها الاشتباكات حول بلدات “شيرارو” و”شيريرينا” والمناطق الغربية، وتدخل الطائرات المسيّرة والمدفعية على نحو أوسع، في هذه الحالة تصبح الحدود السودانية منطقة ضغط مستمر، ويزداد النزوح. أما السيناريو الثالث والأكثر خطورة هو الانفجار الإقليمي عندما تدخل إرتريا بصورة مباشرة، وتتوسع المواجهات بين القوات الإثيوبية الفيدرالية وقوات تيغراي، ويتحرك السودان عسكرياً لحماية حدوده أو لدعم حلفائه، وحين تنشط شبكات الدعم الخارجي لكل طرف. عندها لا تعود الحرب حرب تيغراي، بل تصبح حرب شمال إثيوبيا وشرق السودان والبحر الأحمر”.

وحول مصر والسعودية والإمارات يقول طه: “من الصعب اختزال هذه القوى في محورين ثابتين. فمصر لديها حساباتها الخاصة مع إثيوبيا، وعلى رأسها سد النهضة ومياه النيل، إضافة إلى أمن البحر الأحمر. والسعودية تنظر إلى المنطقة من زاوية أمن البحر الأحمر، واستقرار السودان، وموازين القوى الخليجية والإقليمية. أما الإمارات فقد بنت خلال السنوات الأخيرة علاقات اقتصادية واستراتيجية واسعة مع إثيوبيا، بينما تواجه في السودان اتهامات متكررة بدعم الدعم السريع، المهم والأكيد أن التنافس الخليجي جزء من البيئة الإقليمية التي تتحرك داخلها الأزمة الإثيوبية- السودانية، والمنطقة تتحرك وفق تقاطعات مصالح وتحالفات ظرفية وخصومات متغيرة وحسابات مستقلة لكل دولة. وهذا بالضبط ما يجعل المشهد أخطر”.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *