كيف أفرغت الحرب حقول مشروع الجزيرة من العمال الزراعيين؟
عاين- 3 أغسطس 2026
في أحد حقول مشروع الجزيرة وسط السودان، تنحني نساء فوق خطوط الزراعة، بينما يغيب كثير من الرجال الذين كانوا يشكلون العمود الفقري للعمل الزراعي. بعضهم غادر إلى مناطق تعدين الذهب، وآخرون حملتهم الحرب المستمرة في البلاد إلى جبهات القتال، فيما اضطر آخرون إلى هجر الأرض بعدما أصبحت تكاليف الزراعة تفوق عائدها.
من قلب مشروع الجزيرة، تتبدى الكيفية التي أعادت بها الحرب رسم خريطة العمل الزراعي، وغيّرت العلاقة بين الأرض ومن يزرعونها، في وقت تتزايد فيه المخاوف على مستقبل الأمن الغذائي في السودان.
تقول فاطمة عبد الله، التي تعمل مع بناتها بنظام الشراكة في الزراعة، إن الحرب غيّرت شكل الحياة في الحقول، إذ انتقلت النساء من دور المساندة إلى تحمل معظم الأعمال الزراعية بعد نزوح كثير من الرجال وتراجع العمالة الموسمية.
وتوضح لـ(عاين): أن “نظام الشراكة يقوم على تقاسم المحصول مع صاحب الأرض بعد إنجاز أعمال الزراعة والعزق والحصاد، لكن ارتفاع تكاليف الإنتاج جعل العائد ضعيفاً”، وتضيف: “بعد خصم تكاليف البذور والري والمصروفات، لا يتبقى ما يكفي لإعالة الأسرة.”
وتشير إلى أن الأسرة غيّرت نمط زراعتها بعد الحرب، فتراجعت زراعة المحاصيل النقدية لصالح الذرة وبعض الخضروات لتأمين الغذاء اليومي، كما أصبحت تبيع الخضار في السوق يومين أسبوعياً للحصول على سيولة نقدية لشراء الاحتياجات الأساسية، رغم ضعف الإقبال وتراجع القوة الشرائية.
وتلفت فاطمة، إلى أن ابنها ترك العمل في الحواشة، واتجه إلى التعدين الأهلي عن الذهب بحثاً عن دخل أفضل، بعدما لم تعد الزراعة توفر مورداً يكفي للمعيشة. وتقول إن غيابه زاد الأعباء على النساء داخل الأسرة، ما اضطرهن إلى تقليص المساحة المزروعة.
وتؤكد أن كثيراً من النساء أصبحن يحملن العبء الأكبر في الزراعة، لكنهن لا ينظرن إلى ذلك كمستقبل دائم، موضحة أن بناتها سيتركن الحقول إذا أتيحت لهن فرصة عمل أو تعليم أفضل.
مغادرة الشباب للحقول
يقول أحد شباب ولاية الجزيرة، الذي كان يعمل في الزراعة قبل انضمامه إلى قوات درع السودان: أن “الحواشات كانت تمثل مصدر رزقه الوحيد، حيث شارك في مختلف العمليات الزراعية، من تحضير الأرض والعزق والري إلى الحصاد ونقل المحاصيل”. ويشير في مقابلة مع (عاين)، إلى إن دخله لم يعد قادراً على تلبية الحد الأدنى من احتياجاته المعيشية، موضحاً أنه كان يستأجر أرضاً ويزرعها، لكن ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع العائد، إلى جانب التضخم، جعل الاستمرار في الزراعة أكثر صعوبة. ويضيف: “أصبح التعب أكبر من العائد، وما عاد العمل في الحواشة يضمن حتى احتياجات الأسرة الأساسية.”
ويشير إلى أن الحرب فاقمت الأزمة، بعد تضرر البنية الزراعية، وتعطل الري، وتراجع النشاط الاقتصادي في القرى، فضلاً عن تدهور الوضع الأمني، وهو ما دفعه إلى البحث عن بديل يوفر له ولأسرته مورداً مستقراً.

ويؤكد، أن قراره بالانضمام إلى قوات درع السودان لم يكن مدفوعاً بسبب واحد، بل جاء نتيجة تداخل عوامل اقتصادية وأمنية، إذ رأى في ذلك وسيلة لتأمين مصدر دخل، وفي الوقت نفسه لحماية أسرته وقريته في ظل ظروف الحرب. ويقول: إن “غياب الشباب ترك أثراً واضحاً على الحياة الريفية، إذ تحملت النساء وكبار السن الجزء الأكبر من العمل الزراعي، بينما تقلصت المساحات المزروعة، وغابت روح (النفير) التي كانت تميز مواسم الزراعة والحصاد”.
ورغم ذلك، يؤكد أن الزراعة تظل خياره الأول إذا تحسنت الظروف، مضيفاً: “إذا عاد الأمن، واستقر الري، وتوفرت المدخلات وأصبح للعمل الزراعي عائد يحفظ كرامة الإنسان، فأنا مستعد للعودة إلى الحواشة، لأنها مهنتنا وأصل حياتنا.”
يقدم المزارع محمد أحمد النور رواية مختلفة من داخل الحواشات. فهو لا ينفي التغيرات التي أصابت سوق العمل، لكنه يرى أن التحدي الأكثر إلحاحاً لا يتمثل في نقص العمالة، بل في ارتفاع تكاليف الإنتاج وتعثر الري، وهما عاملان دفعا كثيراً من المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو تغيير أساليب إدارتها.
يرى المزارع وصاحب الحواشة محمد أحمد النور في حديثه لـ(عاين) أن الصورة الشائعة عن وجود أزمة حادة في العمالة الزراعية بمشروع الجزيرة ليست دقيقة، مؤكداً أن التحدي الأكبر الذي يواجه المزارعين يتمثل في ارتفاع تكاليف الإنتاج وتدهور خدمات الري أكثر من نقص العمالة.
ويشرح أن العمل الزراعي الموسمي يعتمد على فترات قصيرة تُعرف محلياً بـ”الضحوية” و”الضُهرية”، وتستغرق كل منها نحو ثلاث ساعات. وتتراوح أجرة العامل الذي يتولى نثر البذور، ويُعرف بـ”المتيربي”، بين 7 و10 آلاف جنيه، بينما يحصل العامل الذي يحفر خطوط الزراعة بـ”الجراية” على ما بين 15 و20 ألف جنيه.
ويقول: إن “نظام الشراكة لا يزال واسع الانتشار في الجزيرة، حيث يتحمل صاحب الحواشة تكاليف التحضير، بدءاً من أعمال الدسك وإنشاء المصاطب وتوفير التقاوي، بينما يتولى الشريك أعمال الزراعة والنظافة والري وتصريف المياه، ثم تُقسم الأرباح مناصفة بعد خصم تكاليف التحضير. أما إذا كان صاحب الأرض غير قادر على تمويل الموسم، فإن الشريك يتحمل المصروفات، ويستردها عند توزيع العائد”.
يقع على النساء العاملات العبء الأكبر في الزراعة
صاحب حواشة
ويشير المزارع محمد أحمد، إلى أن المساحات المزروعة تراجعت، وأن النساء أصبحن يشكلن النسبة الأكبر من العمالة الزراعية، خاصة في أعمال الزراعة والعزق وإزالة الحشائش، ويضرب مثالاً بآخر فدانين زرعهما، حيث عمل فيهما رجلان في الحفر بالجراية، مقابل ست نساء في نثر البذور.
ويختتم محمد أحمد حديثه بالتأكيد على أن مستقبل الزراعة في الجزيرة لن يتحسن بزيادة عدد العمال، بل بمعالجة جذور الأزمة المتمثلة في استقرار الري، وخفض تكاليف الإنتاج، وتوفير التمويل والمدخلات الزراعية الجيدة في الوقت المناسب.
أزمة مشروع الجزيرة
“الأزمة التي يعيشها مشروع الجزيرة بعد الحرب لا يمكن اختزالها في نقص العمالة وحده، بل هي أزمة هيكلية طالت منظومة الإنتاج الزراعي بأكملها، بدءاً من الري والتمويل، مروراً بالمدخلات، وانتهاءً بالتسويق وربحية النشاط الزراعي”. يقول خبير الاقتصاد الزراعي والتنمية الريفية والسياسات النقدية، الفاتح عبد الله الرفاعي في مقابلة مع (عاين).
ويوضح الرفاعي، أن مشروع الجزيرة اعتمد تاريخياً على العمالة الموسمية القادمة من غرب السودان ودول الجوار، والتي استقرت أعداد كبيرة منها في الكنابي، بينما شكّل نظام الشراكة لسنوات طويلة آلية لتنظيم العلاقة بين أصحاب الأراضي والعمال عبر تقاسم المحصول بعد خصم التكاليف. إلا أن الحرب، بحسب قوله، أضعفت هذا النظام، حتى تحول في كثير من الحالات من شراكة لتحقيق الأرباح إلى وسيلة لتقاسم الخسائر.

ويشير الرفاعي، إلى أن الحرب أدت إلى نزوح أعداد كبيرة من سكان الكنابي والعمالة الوافدة، بالتزامن مع توجه كثير من الشباب إلى التعدين أو الانخراط في التشكيلات المسلحة، الأمر الذي زاد اعتماد القطاع الزراعي على النساء. ويصف هذا التحول بأنه “تأنيث للعمالة الزراعية”، حيث أصبحت النساء يقمن بمعظم العمليات الزراعية، من الزراعة والعزق وحتى الحصاد والتسويق.
ويرى الرفاعي، أن الأزمة الاقتصادية لا تتعلق بارتفاع أجور العمال بقدر ما ترتبط بانهيار قيمتها الشرائية. فبينما ارتفعت اليومية اسماً إلى ما بين 10 و15 ألف جنيه، فإن التضخم وتدهور قيمة الجنيه جعلا هذا الأجر غير قادر على تغطية الاحتياجات الأساسية، ما دفع كثيراً من العمال إلى البحث عن بدائل توفر دخلاً أعلى، مثل التعدين الأهلي أو التجنيد.
ويضيف: أن “ارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة والتقاوي، إلى جانب تدهور شبكات الري، دفع كثيراً من المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو ترك أجزاء من أراضيهم بوراً، والتحول من المحاصيل النقدية إلى محاصيل الكفاف، وفي مقدمتها الذرة وبعض الخضروات، لضمان الحد الأدنى من الأمن الغذائي للأسر”.
ويؤكد أن تراجع خدمات الري كان من أبرز أسباب انخفاض المساحات المزروعة والإنتاجية، موضحاً أن تعطل وصول المياه في التوقيت المناسب أخرج مساحات واسعة من الدورة الزراعية، بينما أدى ضعف التمويل ورداءة التقاوي إلى زيادة خسائر المنتجين وتراجع إنتاجية الفدان.
إذا كانت الزراعة تحقق عائداً مجزياً، لتمكن المزارعين من دفع أجور تجذب العمالة، لكن عندما تصبح ربحية الفدان بالسالب، يغادر المزارع والعامل معاً
خبير اقتصاد زراعي
وبحسب الرفاعي، فإن ما يحدث في مشروع الجزيرة هو في جوهره “أزمة ربحية” أكثر من كونه أزمة عمالة. ويقول: “إذا كانت الزراعة تحقق عائداً مجزياً، لتمكن المزارعين من دفع أجور جاذبة واستقطاب العمالة، لكن عندما ترتفع التكاليف وتتراجع الأرباح يصبح خروج العمال والمزارعين من النشاط نتيجة طبيعية.”
ويحذر من أن استمرار الأوضاع الحالية سيؤدي إلى مزيد من الانكماش في الإنتاج الزراعي، واتساع الفجوة الغذائية، وارتفاع الاعتماد على الواردات، فضلاً عن تعميق الفقر والبطالة في الريف.
ويشدد الرفاعي على أن استعادة مشروع الجزيرة تتطلب ترتيباً واضحاً للأولويات يبدأ بإعادة الأمن وإصلاح شبكة الري، ثم توفير التمويل والمدخلات الزراعية الموثوقة، وإعادة تأهيل الآليات الزراعية، قبل الانتقال إلى سياسات دعم الأسعار وتحسين التسويق، معتبراً أن هذه الخطوات تمثل المدخل الأساسي لإعادة المزارعين والعمال إلى الحقول واستعادة دور المشروع في تحقيق الأمن الغذائي للسودان.





















