أي مستقبل ينتظر طلاب الشهادة الثانوية بدارفور وكردفان؟

حكومة تحالف تأسيس تكشف عن تنسيق للاتفاق مع ست دول لإيجاد صيغة معادلة أمتحانات الشهادة الثانوية والاعتراف بمخرجاتها الأكاديمية

عاين- 2 أغسطس 2026

لم تكن رحلة (أم مريم) وابنتها من قلب مدينة رئيسية في إقليم دارفور الخاضع لسيطرة قوات الدعم السريع نحو شمال السودان مجرد بحث عن ورقة إثبات أكاديمية، بل كانت محاولة مستميتة للفرار بمستقبل ابنتها المتفوقة من بين فكي كابوس مزدوج يصادر حق التعليم، وينقله إلى ساحة الحرب.

فعلى أحد الجانبين، استمسكت السلطات التعليمية في الحكومة الخاضعة لسيطرة الجيش بتعنت صارم، رافضة إقامة أي مراكز لامتحانات الشهادة السودانية داخل المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، ليتحول حق التعليم الدستوري والأساسي إلى خيار مشروط بالجغرافيا والولاء السياسي ومجال السيطرة العسكرية.

وعلى الجانب الآخر، فرضت قوات الدعم السريع حظراً أمنياً صارماً وملاحقات مكثفة، شنت على إثرها حملات اعتقال واسعة طالت عشرات الطلاب والأسر الذين حاولوا التسلل نحو مناطق سيطرة الجيش للجلوس للامتحانات الحكومية هناك..

في هذه البيئة القاسية، اتخذت (أم مريم) قرارها المر، وألقت بجسدها وجسد ابنتها في غياهب المخاطرة، وذلك حين استأجرت عبر وسائط سرية، رحلة تهريب شائكة ممتدة لأكثر من 1500 كيلومتر. كانت تتفادى الطرق الرئيسية، وتخترق المسارات الصحراوية الترابية الواصلة بين دارفور، كردفان، وشمال السودان، ومع كل نقطة تفتيش. حيث كان مجرد وجود أوراق ثبوتية، كتب دراسية، أو مذكرات مراجعة داخل الحقائب، كفيلاً باقتيادهما فوراً إلى مراكز الاحتجاز.

وبعد أيام طويلة من الرعب والإرهاق البدني، وصلت (مريم) إلى أحد مدينة عطبرة بولاية نهر النيل، هناك، جلست للامتحانات الرسمية التي نظمتها الحكومة الاتحادية في أبريل من مطلع العام الحالي..

ومع إعلان حكومة تأسيس عن إقامة امتحانات موازية في مناطق سيطرة الدعم السريع، انطلقت حملة تعبئة أمنية واجتماعية، حيث لم تكتفي السلطات بالدعوة، بل مارست ضغوطاً مباشرة على العائلات، وتحديداً أسر الطلاب والطالبات المتفوقين، لإجبارهم على التواجد في المراكز وإضفاء شرعية شعبية وإعلامية على امتحانات الشهادة الموازية.

وجدت (أم مريم) نفسها محاصرة داخل بيتها، فإفشاء سر أن ابنتها قد أدت الامتحان بالفعل يعني التعرض للملاحقة والاعتقال الفوري بتهمة التسلل.

وتحت وطأة هذا الخوف، خضعت الأم للواقع، وأرسلت ابنتها لتجلس لذات الامتحان للمرة الثانية، متظاهرة أمام الجيران والسلطات بأنها تخوض التجربة للمرة الأولى.

تختصر قصة (مريم) التكلفة الإنسانية الباهظة لصراع السيطرة في السودان، حيث لم يعد الطالب مجرد ضحية لغياب المدارس، بل أداة في معركة شرعيات متنازعة تجبره على المخاطرة بحياته أولاً في رحلة فرار، ثم التجرد من حقيقته ثانياً، ليخوض ذات المعقد الأكاديمي مرتين، حماية لروحه وركضاً خلف مستقبل ضبابي.

التمييز الطبقي يلتهم طلاب دارفور

يفتح كابوس التكرار الذي عاشته مريم الباب أمام سؤال جوهري، عن المستقبل الأكاديمي لحوالي 9500 طالب وطالبة جلسوا لامتحانات موازية غير معترف بها حتى الآن..

تؤكد خبيرة تربوية في إقليم دارفور، وهي معلمة بمدينة نيالا تجاوزت خبرتها 40 عاماً، أن الأزمة تتجاوز السياسة إلى القيمة العلمية نفسها، قائلة لـ(عاين): “هذه الامتحانات بلا قيمة حقيقية، فقد جلبت من امتحانات قديمة، وأُجريت عليها تعديلات طفيفة وضعيفة”. لم تشر صراحة إلى امتحانات أبريل التي انعقدت في مناطق سيطرة الجيش السوداني.

طالبات في مدرسة بمدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور -أرشيفية

وتساءلت المعلمة التي فضلت أن يحجب اسمها حفاظاً على أمنها: “أين سيتجه هؤلاء الطلاب بوثيقة لا تفتح باباً في أي جامعة داخل أو خارج السودان؟!”..

وتكشف المعلمة، التي قضت جل خدمتها متجولة بين مناطق متفرقة داخل دارفور رافضة للخروج منها، عن فرز طبقي صارخ أفرزته الحرب، فـ”الأسر المقتدرة والمقربة من قيادات الدعم السريع أخرجت أبناءها وبناتها خارج البلاد للامتحان في المراكز المعتمدة بالمهجر، أما الفقراء فتم تركهم لشهادات صورية ومؤسسات تعليمية خاوية” على حد تعبيرها.

تختم الخبيرة التربوية، بأن الرهان على هذه الامتحانات مجرد “بيع للأوهام”، بعدما تحول التعليم من حق مكفول إلى أداة فرز اجتماعي وسياسي تترك الغالبية أمام مستقبل يكتنفه الغموض.

وعود المعادلة وواقع الرفض

أمام انسداد أفق الاعتراف بالشهادات الموازية، يكشف مصدر من قيادات حكومة تأسيس لـ(عاين)، عن تحركات جارية لتدارك الأزمة، حيث أفاد بتشكيل لجنة متخصصة تعكف حالياً على التنسيق والاتفاق مع ست دول (لم يسمها) لإيجاد صيغة لمعادلة هذه الشهادة والاعتراف بمخرجاتها الأكاديمية. موضحاً في ذات السياق أن هنالك اتجاهات جادة لتكفل الحكومة بعدد كبير من المتفوقين والمتفوقات، وإرسالهم لتلك الدول للدراسة بها في حال تم الاتفاق على معادلة الشهادة في تلك الدول.

فصل دراسي في أحد مدارس مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور

غير أن هذه الوعود تصطدم برفض دولي مبكر وقاطع، إذ سبق لبعثة الاتحاد الأوروبي في السودان أن حسمت موقفها ببيان رسمي صريح صدر في 17 فبراير 2026، حذر فيه رئيس البعثة، فولفرام فيتر، من أن إقامة امتحانات موازية في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع يعد “دعوة ضمنية للانفصال” وتقويضاً لوحدة النظام التعليمي، مؤكداً رفض المجتمع الدولي لإيجاد أنظمة تعليمية موازية.

وفي قراءة ميدانية لهذا التخبط، ترى الناشطة في المجتمع المدني بإقليم دارفور، فاطمة الهويرة، أن الواقع السياسي والاقتصادي الحاضر يجعل وضع الطلاب وأسرهم في غاية الصعوبة. وتقول لـ(عاين): “الموضوع صعب جداً للطلاب وأسرهم، دارفور حالياً لم تنفصل ولم يعترف بها كدولة،. فبالتالي، هؤلاء الطلاب الذين جلسوا للامتحانات، لا توجد أي جهة معترفة بهم أو بنتيجة امتحاناتهم. قد نرى مستقبلاً بعض الدول التي قد تعتمد هذه الشهادات، ولكن هذا أمل ضعيف جداً”.

وتسلط الهويرة، الضوء على استحالة استيعاب هؤلاء الطلاب داخل الإقليم، مشيرة إلى أن بنية التعليم العالي في دارفور شهدت دماراً كاملاً، حيث تم نهب وسرقة المعامل، المكتبات، وأثاث القاعات الدراسية، ذلك رغم محاولات بعض الشباب في دارفور لتنظيم “نفير شعبي” من أجل صيانة مباني تلك المؤسسات التعليمية، إلا أنهم لم يستطيعوا إكمال المبادرة أمام حجم الخراب، وتكلفة التعمير.

وتضيف حول مصير المؤسسات وكوادر الجامعات: “جامعات الإقليم هاجرت عملياً، فجامعتا نيالا والفاشر فتحتا بعض كلياتهما في كوستي منذ العام الماضي، وحالياً بدأت جامعة نيالا العمل من الخرطوم داخل مقر الجامعة الأهلية، وصدرت توجيهات للأساتذة والإداريين بمباشرة العمل”.

وتضيف الهويرة أنه رغم وجود إضراب حالي للأكاديميين المطالبين باستحقاقاتهم المالية، إلا أنه بمجرد تسويتها ستستأنف تلك الجامعات نشاطها خارج الإقليم. أما أبناء دارفور الباقون في الداخل، فلا أحد يعرف ماذا سيكون مصيرهم”.

التعليم في مصيدة الحرب

في نهاية المطاف، لا تبتعد أزمة الامتحانات الموازية عن كونها فصلاً جديداً من فصول استخدام التعليم كأداة لإدارة الصراع وتثبيت الواقع السياسي والعسكري على الأرض.

وفي هذا السياق، يرى الناطق الرسمي باسم لجنة المعلمين السودانيين، سامي الباقر، أن طرفي النزاع وقعا في خطأ فادح. فحكومة بورتسودان حرمت طلاب دارفور من حقهم تحت ذريعة عدم السيطرة الأمنية، بينما قدمت حكومة نيالا تعليماً مشوهاً وشهادة تواجه معضلات قانونية تجعل الاعتراف بها مجرد مناورة سياسية. على حد وصفه.

ويقول الباقر لـ(عاين): “ما حدث هو استخدام صريح للتعليم كواحدة من أدوات الحرب، فالاعتراف بالشهادة يتجاوز مجرد إجراء الامتحان، ليرتبط بوجود جهة قانونية ومناهج موحدة وضوابط نزاهة مستقلة. ولا يمكن الاعتراف بهذه الشهادة الموازية إلا إذا حدث -لا قدر الله- اعتراف بالأمر الواقع وبالتالي تقسيم السودان”.

ويؤكد الباقر، أن الطلاب في كافة أنحاء السودان هم ضحايا لهذه الحرب، ولا يجوز معاقبتهم أو رهن مستقبلهم بصراعات الشرعية، مضيفاً: “المطلوب حسمه هو إبعاد التعليم عن الصراع تماماً. لقد طرحنا في لجنة المعلمين مقترحاً لتشكيل لجنة وطنية مستقلة تتولى تنسيق التعليم وإدارته مهنياً بعيداً عن الاستقطاب السياسي والعسكري، وضمان عقد امتحان موحد يحفظ المستقبل ويمنع الانقسام”.

ويختم الباقر حديثه بتأكيد أن الطالب سوداني أينما وجد داخل السودان، يجب أن يكون حقه في التعليم أصيلاً ولا يتجزأ، مشدداً على أن: “التعليم يجب أن يظل جسراً لوحدة البلاد لا أداة لتكريس انقسامها”.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *