(تكايا تتوقف وهدنة متعثرة).. الملف الإنساني في السودان إلى أين؟

عاين- 21 مايو 2026

في الوقت الذي كانت تُفرغ فيه شحنات إغاثية خلال شهر مايو الجاري في عدد من مناطق النزاع بالسودان لإنقاذ ملايين الجوعى، عجزت عشرات المطابخ المجانية عن تقديم خدماتها في مناطق عديدة جنوب العاصمة الخرطوم.

وقالت ثلاث وكالات أممية منتصف مايو 2026 إن نحو 19.500 مليون شخص في السودان يفتقرون للأمن الغذائي، ويقبلون على مرحلة خطيرة من مستويات الجوع، بالإضافة إلى اقتراب 850 ألف طفل من سوء التغذية الحاد، وصُنفت محليتا “أم برو” و”كرنوي” في شمال دارفور ضمن مناطق سوء التغذية الحاد في شمال دارفور، وعلى مستوى البلاد وعالمياً.

وتقول الأمم المتحدة، أن الأزمة الإنسانية في السودان تتصاعد بشكل غير مسبوق خلال 2026، حيث أصبح نحو 33.7 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، في واحدة من أسوأ الأزمات على مستوى العالم. وفي أحدث تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن الشركاء الإنسانيين يسعون للحصول على تمويل قدره 2.9 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 20.4 مليون شخص في مختلف أنحاء البلاد، وسط تحديات تشغيلية هائلة تشمل انعدام الأمن وصعوبة الوصول ونقص التمويل.

وحسب التقرير، تمكنت المنظمات الإنسانية حتى نهاية أبريل 2026 من الوصول إلى 9 ملايين شخص، إلا أن نحو 610 آلاف شخص فقط استفادوا من مساعدات متعددة القطاعات، ما يعكس حجم الاحتياجات غير الملباة، ويشير إلى فجوة كبيرة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

وأشار مكتب الأمم المتحدة إلى أن الاستجابة الإنسانية ركزت على المناطق الأكثر تضررًا، حيث تلقى 1.3 مليون شخص من أصل 1.5 مليون يعيشون في سبعة محليات صنفت ضمن المستوى الكارثي مساعدات إنسانية، فيما وصلت المساعدات إلى 5.2 مليون شخص في المناطق ذات الاحتياجات الإنسانية القصوى.

ودعا مكتب الأمم المتحدة السلطات السودانية والمجتمع الدولي إلى تكثيف الجهود وتوفير البيئة الآمنة للمنظمات الإنسانية لضمان توزيع المساعدات بشكل فعال، وتحقيق الحد الأدنى من الحماية للسكان الذين يعانون آثار النزاع وتدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي.

توقف اضطراري

في جنوب العاصمة الخرطوم، توقفت بالفعل أعداد كبيرة من المطابخ الجماعية (التكايا) ما تسبب في معاناة مضاعفة للعائلات التي كانت تعتمد بالكامل في وجباتها على هذه المطابخ.

بهاء الدين عبد الجبار، اسم مستعار لمشرف على إحدى (التكايا) جنوب الخرطوم، يشير في مقابلة مع (عاين)، إلى أن (التكية) التي يتضمن سجلها أكثر من (٢٦٠) أسرة تم إيقاف العمل فيها مع حلول شهر رمضان الماضي لأسباب تتعلق بالتمويل وأخرى ذاتية مرتبطة برغبة المتطوعين فيها “الذين لبوا النداء لفترة طويلة” في التفرغ لأعمالهم، وأشار إلى أن الدعم كان يتم من منظمات بجانب دعم خيرين موجودين خارج السودان تحملوا مسؤولية التمويل لفترات طويلة، وأوضح أن دعم المنظمات توقف، بينما قلَّ دعم الخيرين لتبدل ظروفهم؛ مما أدى إلى عدم العمل كل أيام الأسبوع ومؤخراً تم التوقف عن العمل بشكل كامل.

وذكر بهاء الدين، أن الإحصائية الخاصة بالمستفيدين كانت تتضمن عدداً من الأسر النازحة، بالإضافة إلى أسر من سكان المنطقة، وأكد حوجة السكان لعمل (التكايا) نتيجة لظروفهم المعيشية، وأضاف أنه ظل يلاحق بأسئلة تتعلق بموعد معاودة العمل في (التكية)، ونوه في الوقت ذاته إلى أنهم أعلنوا بشكل رسمي توقفهم عن العمل.

توقف (١٠) (تكايا) وهي جملة (التكايا) الموجودة في منطقة واحدة فقط من مناطق جنوب الخرطوم يستفيد منها أكثر من (١٠) آلاف فرد

ومن جانبه ذكر مصدر مطلع لـ(عاين)، أن الدعم المالي توقف عن (التكايا) في مناطق بجنوب الخرطوم حيث يرى مانحون أن الخرطوم استقرت ولا توجد حاجة طارئة لدعم (التكايا)، وأكد استمرار عمل عدد من المطابخ الجماعية بجهود شعبية. ونبه ذات المصدر وهو متطوع في عمل المطابخ الجماعية إلى توقف (١٠) (تكايا) وهي جملة (التكايا) الموجودة في منطقة واحدة فقط من مناطق جنوب الخرطوم يستفيد منها أكثر من (١٠) آلاف فرد بينهم نازحون من مناطق في ولاية الخرطوم وولايات أخرى تأثرت بالحرب.

وشدد ذات المتطوع في إفادته على وجود حاجة فعلية ومُلِحّة لعمل المطابخ الجماعية؛ بسبب الظروف الاقتصادية التي يعانيها السكان، وعلى وجه أخص النازحين من المناطق المتأثرة بالحرب، وأردف أن المنطقة التي يعنيها توقفت فيها جميع (التكايا) عن العمل بها أعداد كبيرة من الأسر النازحة من منطقة (بارا) على سبيل المثال، وأن كثيراً من الأسر تواجه ضغوطاً اقتصادية لفقدان العمل ومصادر الدخل.

مطبخ جماعي في الخرطوم

في جنوب الخرطوم أيضا، وبينما توقفت العديد من التكايا يقاوم إبراهيم الطريفي المشرف على تكية تعمل حتى الآن جنوبي الخرطوم، الظروف أدت إلى توقف العديد من التكايا. ويقول لـ(عاين):” أصبحنا نواجه عبئا مضاعفا بسبب توقف بعض التكايا، وصرنا نستهلك (٣) جوالات من الفول في اليوم يزن الجوال الواحد (٢٥) كيلو جراماً، حتى يتمكنوا من تغطية عدد المستفيدين، وأبان أنهم في السابق كانوا يعدون جوالاً واحداً من الفول يكفي جميع المرتادين أما في الوقت الراهن، فقد تبدل الحال”.

تفاهمات محدودة

يكشف العامل في مجال الإغاثة محمد عبد المنعم لـ(عاين)، بأن الأمم المتحدة توصلت إلى تفاهمات محدودة مع كل من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بخصوص العبور الآمن بين خطوط النار. ويوضح عبد المنعم، أن هذه الخطوة لا تعني بالضرورة أن الأزمة الإنسانية في طريقها إلى الحل الشامل، بقدر ما تعكس محاولات الوكالات الأممية الحثيثة لتفادي كارثة إنسانية وشيكة قد تؤدي إلى وفاة آلاف الأطفال والمسنين جوعاً.

التدخلات الأخيرة أسهمت في إنقاذ قرابة 60 ألف شخص في مدينتي الدلنج وكادوقلي، وحوالي 20 ألف شخص في محلية أمبرو بولاية شمال دارفور، ونحو 45 ألف شخص في محلية طويلة

عامل إنساني

وأضاف عبد المنعم قائلاً: “إن التفاهمات التي مكنت الأمم المتحدة من الوصول إلى المتأثرين في المناطق الساخنة، أسهمت في إنقاذ قرابة 60 ألف شخص في مدينتي الدلنج وكادوقلي، وحوالي 20 ألف شخص في محلية أمبرو بولاية شمال دارفور، ونحو 45 ألف شخص في محلية طويلة”.

ويقول موظف يعمل في محيط برنامج الأغذية العالمي لـ(عاين): إن “نحو 560 طناً من المساعدات وصلت من الولاية الشمالية من مستودعات الأمم المتحدة إلى محلية طويلة خلال أبريل 2026، وتتطلع الوكالات الأممية إلى إحراز تقدم بتحويل المسارات الآمنة التي حصلت عليها من الأطراف العسكرية إلى عملية مستدامة وأكثر مرونة”.

مطبخ جماعي في مدينة الفاشر يقدم وجبات مجانية- ارشيف

ويشير مسؤول بوزارة تنمية الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية وهي الجهة الحكومية المسؤولة عن المساعدات الإنسانية إدارياً في السلطة المرتبطة بالجيش السوداني، إلى أن حكومته سهلت وصول الإغاثة إلى إقليم دارفور خلال أبريل ومايو الجاري في اختراق للملف الإنساني على الأرض.

وأضاف لـ(عاين): “المساعدات وصلت عن طريق وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية إلى نحو 120 ألف شخص يعيشون على أقل من وجبة يومياً، نحن تابعنا هذه الإجراءات بدقة شديدة، ونعلم أن المدنيين استفادوا منها”.

ويقول العامل الإنساني الذي عمل مع وكالات الأمم المتحدة قرابة العامين خلال الحرب محمد عبد الرحمن، لـ(عاين): إن “الملف الإنساني لم يعد مساراً منفصلاً عن الأجندة السياسية لكلا الطرفين”.

ويشير إلى إن المرونة التي سادت خلال الأشهر الماضية اصطدمت بالعرقلة عقب إعلان الدعم السريع عن توجهه لتسجيل المنظمات والوكالات رسمياً وفتح مكاتب لها، بينما تعارض الحكومة المرتبطة بالجيش هذا الأمر، ولوحت باتخاذ إجراءات بحق وكالات الأمم المتحدة والمنظمات إذا أقدمت على ذلك، باعتبارها اعترافاً رسمياً بسلطة هذه القوات.

ويضيف عبد الرحمن: “من المتوقع استمرار الوضع الإنساني في التفاقم حتى نهاية العام الجاري، لأن انشقاق القادة من الدعم السريع وانضمامهم إلى الجيش نفسه يزيد من توتر العلاقة بين الطرفين، وينهي التفاهمات الصغيرة والمكاسب الميدانية لفتح الممرات”.

احتماء بحلفاء إقليميين

بالمقابل، يعتقد، الخبير في الملف الإنساني، ماجد صلاح الدين،  أن الأمم المتحدة والمنظمات الدولية تعمل على ضمان عدم موت آلاف المدنيين جوعاً أو بسبب نقص الرعاية، ولكن عندما يتعلق الأمر بإنشاء حلول جذرية، فمن الصعب تحقيق ذلك دون موافقة الجيش السوداني والدعم السريع على هدنة إنسانية ووقف إطلاق النار.

ويقول صلاح الدين لـ(عاين)، إن حوالي 1.2 مليون شخص يتعايشون يومياً مع الجوع في إقليم كردفان، ويواجهون أيضاً خارج مدينة الأبيض، لا سيما في مناطق تقع تحت سيطرة الدعم السريع في النهود والدبيبات والخوي في غرب كردفان خطر الاختطاف للحصول على الفدية المالية، موضحاً أن الأولوية يجب أن تكون لضمان حماية المدنيين.

ويرى صلاح الدين، أن الحكومة المرتبطة بالجيش السوداني تحاول التأثير في المنخرطين الدوليين بملف الهدنة الإنسانية؛ تارة بإظهار الجدية أمام واشنطن، وتارة بالبحث عن تقارب مع الإمارات والتفاوض مباشرة مع أبوظبي أولاً.

وتابع قائلاً: “الخبر الجيد أن الملف السوداني صعد قليلاً من ناحية الأهمية على طاولة وزارة الخارجية الأميركية، والخبر السيئ أن كلا الطرفين يحتميان بالحلفاء الإقليميين، حيث تلعب السعودية ومصر دوراً دبلوماسياً ولوجستياً مسانداً للجيش، والإمارات دوراً أعمق تجاه حميدتي وقواته”.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *