«عدالة نسوية».. حملة لمواجهة الانتهاكات واستعادة العدالة لنساء السودان

عاين- 7 أبريل 2026

في ظل حربٍ أنهكت السودان وعمّقت هشاشة مؤسسات العدالة، تتصاعد الانتهاكات بحق النساء والفتيات في بيئة تتسع فيها فجوة الحماية، ويغيب فيها الإنصاف والمساءلة. ومن هذا الواقع، تبرز حملة «عدالة نسوية» كمبادرة مدنية ونسوية جامعة، تسعى إلى إعادة طرح قضية العدالة للنساء بوصفها أولوية إنسانية وحقوقية، عبر توحيد الجهود بين القوى النسوية والحقوقية والمدنية داخل السودان وخارجه.

وتقدّم الحملة التي انطلقت أمس الاثنين، نفسها كمنصة عمل جماعي مفتوحة، تجمع بين التوثيق والمناصرة وبناء الوعي والضغط على صناع القرار، في محاولة لانتقال خطاب العدالة من الإدانة إلى الفعل، ومن التشتت إلى التكامل، بما يرسّخ الرؤية لعدالة قائمة على الشراكة والمساءلة والإنصاف، ويعيد الاعتبار لصوت النساء ودورهن في مسار التغيير وبناء مجتمع أكثر توازناً واستقراراً.

وانبثقت فكرة الحملة من مبادرة «لا لقهر النساء»، قبل أن تتوسع لتشمل طيفاً واسعاً من التشكيلات النسوية والمجتمعية والمهنية والسياسية والحقوقية داخل السودان وخارجه، في تعبير عن الحاجة إلى عمل جماعي منظم يعيد وضع قضايا النساء في صدارة المشهد.

يُذكر أن الحملة تضم حتى الآن مجموعة من الكيانات الحقوقية والمدنية والمهنية، من بينها: هيئة محامي دارفور، ومجموعة الدفاع عن الحقوق والحريات، والجبهة الديمقراطية للمحامين السودانيين، وصحفيون لحقوق الإنسان (جهر)، وتحالف المدافعين والمدافعات، إلى جانب جمعية التشكيليات السودانيات، والورشة الجوالة المسرحية، ونساء لوقف الحرب، وجمعية نساء النوبة للتعليم والتنمية (نويدا)، وكتلة كنداكات أم درمان، تجمع الأجسام المطلبية (تام)، إلى جانب المجموعات النسوية السياسية والمدنية (منسم).

منصة مفتوحة

وتطرح «عدالة نسوية» نفسها كمنصة مفتوحة لتوحيد الجهود بين المجموعات النسوية والحقوقية والقوى المدنية، بهدف بناء جبهة ضغط واسعة تدافع عن حقوق النساء وتكسر حالة الصمت المفروضة على الضحايا.

وتركز الحملة على محاور تشمل توثيق الانتهاكات، ورفع الوعي بالحقوق، وتعزيز الوصول إلى العدالة، إلى جانب بناء شبكات تضامن على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، والضغط على صناع القرار لاتخاذ إجراءات عاجلة تضمن الحماية والمساءلة.

كما تسعى الحملة إلى طرح قضية العدالة من منظور نسوي شامل، يربط بين إنصاف النساء وإعادة بناء المجتمع، ويؤكد أن تحقيق العدالة يمثل شرطاً أساسياً للاستقرار وإنهاء دوائر العنف والإفلات من العقاب.

يبرز شعار الحملة دور النساء كفاعلات رئيسيات في تحقيق التوازن وصناعة مسار العدالة

وأكدت الحملة في بيانها أن العدالة للنساء ليست مطلباً فئوياً، بل حق أصيل وشرط أساسي لاستعادة تماسك المجتمع، مشددة على أن «عدالة نسوية» تمثل مساراً نضالياً يستهدف معالجة جذور العنف والإفلات من العقاب، وإعادة بناء مفهوم العدالة على أسس قائمة على الكرامة والمساواة.

العدالة للنساء ليست مطلباً فئوياً.. إنه حقٌ أصيل

في سياق إطلاق حملة «عدالة نسوية»، قدّمت رئيسة «مبادرة لا لقهر النساء»، أميرة عثمان، تصوراً عملياً لتحويل خطاب المناصرة إلى خطوات قابلة للتحقق، في ظل بيئة تتسم بضعف المؤسسات واستمرار الإفلات من العقاب، مؤكدة أن الحملة تستند إلى العمل الجماعي كمدخل أساسي لإحداث أثر واقعي.

وأوضحت لـ(عاين) أن المبادرة عملت على مخاطبة شركاء للانضمام إلى الحملة، ولا تزال الدعوة مفتوحة، مشيرة إلى استجابة عدد من الكيانات والمجموعات النسوية السياسية والمدنية وتحالفات حقوقية ومهنية وإعلامية. واعتبرت أن هذا التوسع في الشراكات يمثل الخطوة الأولى نحو تحويل الخطاب إلى فعل، عبر بناء جبهة عمل مشتركة.

اللجنة القانونية للحملة شرعت في إعداد مذكرة ستُسَلَّم لرئيس القضاء

رئيسة مبادرة لا لقهر النساء”

وفي ما يتعلق بالخطوات العملية، كشفت أميرة عن شروع اللجنة القانونية للحملة في إعداد مذكرة ستُسَلَّم لرئيس القضاء، تتناول واقع العدالة في السودان وما وصفته بـ«عطب المؤسسات العدلية» وغياب شروط المحاكمة العادلة، لا سيما في ما يتعلق بقضايا النساء. وأضافت أن المذكرة ستتضمن طلباً بإيقاف العمل ببعض نصوص القانون الجنائي لسنة 1991، لاحتوائها على مواد تقيّد النساء وتُجرّمهن، مع الدعوة إلى إصدار منشور قضائي لتعليق العمل بهذه المواد إلى حين انتهاء الحرب وبدء مسار الإصلاح القانوني.

كما أشارت إلى أن الحملة ستعمل بالتوازي على رفع الوعي عبر أنشطة جماهيرية، تشمل المسرح والفنون البصرية وفتح النقاشات العامة، بهدف إيصال المعرفة القانونية وتعزيز وعي النساء بحقوقهن وسبل الوصول إلى العدالة، في ظل ما وصفته بحالة «الفوضى» التي تطال مؤسسات العدالة من شرطة ونيابات ومحاكم.

وفي ما يتعلق بمسار العدالة، أكدت أميرة أن الحملة ستبدأ بالعمل عبر آليات محلية وبالتعاون مع الأجسام الثورية، لكنها شددت في الوقت نفسه على أهمية الانفتاح على الدعم الإقليمي والدولي، معتبرة أن تضامن الشعوب يمكن أن يشكل قوة ضغط مؤثرة، على غرار ما حدث في قضايا دولية أخرى.

متظاهرون في العاصمة الخرطوم يحملون لافتة تطالب بعدم عسكرة القضاء 13 أكتوبر 2022

وعن التوثيق، أوضحت أن الحملة لا تعمل بمعزل عن الجهود القائمة، بل تتعاون مع منظمات متخصصة في رصد الانتهاكات، مثل المبادرة الاستراتيجية لنساء القرن الأفريقي «صيحة»، إلى جانب الاستفادة من تقارير دورية وتقارير دولية، من بينها تقرير صادر عن منظمة «أطباء بلا حدود» في 31 مارس، والذي أشار إلى غياب أي مكان آمن للنساء في دارفور، في دلالة على حجم الانتهاكات المرتكبة.

ويعكس هذا التوجه، بحسب أميرة، محاولة لربط العمل القانوني بالتحرك المجتمعي والتضامن الدولي، بما يفتح مسارات متعددة للضغط من أجل تحقيق العدالة، رغم التعقيدات التي يفرضها الواقع الحالي.

ومن المتوقع أن تستمر الحملة لمدة ستة أشهر مقسّمة إلى مرحلتين، تتخللهما عمليات تقييم دورية لتطوير الأداء وتعزيز فعالية التدخلات.

من جهته قدم «تحالف المدافعين والمدافعات» في حملة «عدالة نسوية»، رئيس مجلس أمناء تحالف المدافعين السودانيين، شوقي يعقوب، قراءة لطبيعة الانتهاكات وأدوار التحالف في بيئة تتسم بتصاعد المخاطر واتساع فجوة العدالة، مؤكداً أن ما تتعرض له النساء خلال الحرب يتجاوز كونه انتهاكات متفرقة إلى أنماط أقرب إلى الاستخدام المنهجي للعنف.

وأشار يعقوب في حديث لـ(عاين) إلى أن التحالف يعمل ضمن خطته الاستراتيجية على تحويل القضايا المرتبطة بحقوق النساء إلى أجندة قابلة للتحقق، عبر الربط بين التوثيق والمناصرة، والسعي إلى تحويل البيانات حول الانتهاكات إلى أدوات ضغط حقيقية، وليس مجرد تقارير، بما يعزز فرص المساءلة.

وعلى مستوى التأثير، أشار يعقوب إلى أن التحالف يركّز على تجميع الجهود الحقوقية وبناء شبكات تضامن، بما يدعم الضغط على صناع القرار، داخلياً وخارجياً، ويعزز حضور قضايا النساء في الفضاءين الحقوقي والسياسي.

وفي ما يتعلق بعمليات السلام، شدد على ضرورة أن تكون قضايا النساء في صدارة أي مفاوضات أو تسويات سياسية، محذراً من الاكتفاء بمشاركة شكلية، ومؤكداً أن الأجندة النسائية يجب أن تكون جزءاً أصيلاً في المؤسسات والهياكل المدنية، لا مجرد تمثيل رمزي.

وأكد أن حماية المدافعات عن حقوق الإنسان تمثل أولوية لدى التحالف، إلى جانب العمل على إزالة المخاطر، والتصدي للانتهاكات التي تُستخدم كأدوات ابتزاز ضد النساء، بما يضمن عدم تحولهن إلى وقود للحرب، وتعزيز فرص حمايتهن وإنصافهن.

تغطية مسؤولة لقضايا النساء

وفي ظل تصاعد الانتهاكات المرتبطة بالحرب في السودان، وما يرافقها من صعوبات في الوصول إلى المعلومات وحماية الضحايا، يبرز دور الصحافة كعنصر أساسي لا يقتصر على نقل الوقائع، بل يمتد إلى توثيقها بمهنية تضمن عدم الإضرار بالناجيات. وفي هذا السياق يرى المنسق العام لـ«صحفيون لحقوق الإنسان (جهر)» فيصل الباقر، أن دور الصحافة في لحظة الحرب لا يمكن أن يظل محصوراً في النشر والتوثيق، بل يتطلب انتقالاً واعياً نحو تحويل الشهادات والانتهاكات إلى قضايا رأي عام، تُحرّك النقاش العام وتفرض أسئلة العدالة والمساءلة وعدم الإفلات من العقاب.

وولفت الباقر إلى أن تغطية قضايا العنف ضد النساء تصطدم بتحديات معقّدة، في مقدمتها القيود الاجتماعية المرتبطة بالوصمة، وصعوبة الوصول إلى الضحايا والتحقق من المعلومات، ما يفرض اعتماد مقاربة صحفية حساسة تجاه قضايا النوع الاجتماعي. وأكد ضرورة تجنب الخطاب الذي يحمّل الضحية مسؤولية الانتهاك، والتركيز بدلاً من ذلك على الجاني، مع الالتزام الصارم بحماية هوية الناجيات وضمان سلامتهن الجسدية والنفسية، والحصول على موافقة مستنيرة قبل النشر، محذراً من أن أي معالجة غير مهنية قد تتحول إلى شكل آخر من أشكال الإيذاء أو الوصم.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *