الطينة.. “جغرافيا النار” على حدود السودان وتشاد

عاين 30 مارس 2026

يحتدم الصراع في مدينة الطينة أقصى غرب السودان، كآخر محطات القتال في إقليم دارفور بين الجيش السوداني وحلفائه من جهة، وقوات الدعم السريع من الجهة الأخرى، وسط مخاوف من انتقال الصراع إلى الجارة تشاد، نظرًا لطبيعة التداخل الأهلي والحدود المفتوحة بين البلدين.

وتغذي هذه المخاوف اتهامات متبادلة باشتراك أطراف تشادية في الصراع السوداني، سيما مشاركة أفراد من الجيش التشادي والمعارضة التشادية إلى جانب القوة المشتركة المتحالفة مع الجيش السوداني، بدءاً من محطات الفاشر والمالحة، ثم الطينة هذه المرة، مقابل الاتهامات التي تلاحق الحكومة التشادية بالتحالف مع قوات الدعم السريع.

وسبق أن ظهر المعارض التشادي عثمان ديلو، في مقاطع فيديو من داخل مدينة الفاشر قبل سيطرة قوات الدعم السريع عليها أواخر أكتوبر العام الماضي، حيث كان يقاتل وقتها إلى جانب القوة المشتركة المتحالفة مع الجيش السوداني.

وفي مارس من العام الماضي قُتل ضابطان بالجيش التشادي هما العقيد مودا علي إبراهيم ماجوين والعقيد نادر صابون دوكي دندي، وثمانية من أعضاء فريقهما، في منطقة المالحة بشمال دارفور أثناء مشاركتهم في القتال إلى جانب القوة المشتركة ضد قوات الدعم السريع، وفق ما نشره وقتها موقع “الوحدة إنفو” التشادي نقلًا عن أقاربهم.

حدود إدارية غير معترف بها

وبحسب ثلاثة مصادر مطلعة تحدثت لـ(عاين)، فإن مجموعة من الضباط والجنود التشاديين يقاتلون الآن إلى جانب القوة المشتركة في منطقة الطينة بدافع الانتماء الأهلي والدفاع عن الأرض.

ونوهت المصادر إلى أن المجموعة التي تقطن هناك لا تعترف بالحدود الإدارية بين البلدين، وظلت طوال الفترات الماضية تمارس نشاطها الزراعي والرعوي في المنطقة من الطينة التشادية إلى السودانية، كحاكورة تخصها بغض النظر عن وجودها داخل أي من البلدين.

وقال مصدر قريب من قوات الدعم السريع، لـ(عاين)، إن قوات المشتركة المتمركزة في الطينة ظلت تنسحب إلى داخل الأراضي التشادية عقب ثلاث هجمات شنتها قوات الدعم السريع على المنطقة خلال فبراير الماضي ومارس الجاري.

وأشار إلى أن قوات الدعم السريع ظلت في كل هجوم تقتحم المدينة دون مقاومة تُذكر، ثم تتفاجأ بهجوم مضاد من داخل الأراضي التشادية يجبرها على التراجع بعد تكبيدها خسائر في الأرواح والعتاد، مبيناً أن هنالك عشرات المفقودين من الدعم السريع لا يُعرف مصيرهم حتى الآن بعد دخولهم الطينة.

مقاتلو القوة المشتركة هم شباب ينحدرون من تلك المناطق، استنفروا بشكل عشائري للقتال إلى جانب الجيش السوداني، وأغلبهم جاء منسحباً من مدينة الفاشر عقب سيطرة قوات الدعم السريع عليها في 26 أكتوبر 2025.

ولم يستبعد المصدر وقوف قوات الدعم السريع وراء هجوم الطائرة المسيرة الذي استهدف منطقة حدودية داخل الأراضي التشادية الأسبوع الماضي، وأسفر عن مقتل مدنيين، وذلك في محاولة لدفع السلطات التشادية لاتخاذ قرارات حاسمة حيال الأمر، وفق وجهة نظره.

وكانت السلطات التشادية أعلنت يوم 19 مارس الجاري عن مقتل 17 شخصًا في هجوم بطائرة مسيرة انطلقت من داخل السودان، واستهدفت تجمعًا لمواطنين في منطقة “طينة جقرباء” على الحدود، دون أن تسمي جهة بعينها بالوقوف وراء الحادثة، لكنها اتهمت الطرفين في السودان بمحاولة جر الصراع إلى أراضيها.

وعقب ذلك أرسلت الحكومة التشادية تعزيزات عسكرية كبيرة إلى الحدود مع السودان، وأمر الرئيس التشادي بملاحقة كل من يدخل إلى الأراضي التشادية.

وضع حرج

“قرار الجيش التشادي بإغلاق الحدود سيجعل وضع القوات المشتركة في الطينة حرجاً للغاية، وقد يضطرها للانسحاب ما لم تأتِ تعزيزات من الجيش السوداني”، يقول المحلل العسكري الفاتح عثمان محجوب، لـ(عاين). ويضيف محجوب: “آخر معركة دارت في الطينة منتصف مارس الجاري، تمكنت فيها القوات المشتركة من إلحاق هزيمة قاسية بقوات الدعم السريع، مستفيدة من عمقها التشادي”.

وتابع: “لهذا قامت قوات الدعم السريع بقصف الطينة التشادية بالمسيرات، ولاحقاً تحركت جيوش دولة تشاد لنزع السلاح من مواطنيها في الطينة التشادية، وأغلقت الحدود مع السودان لقفل المعبر الذي يزود الطينة السودانية بالغذاء، ويسمح للقوات المشتركة بالمرونة”، وفق قوله.

وحسب المعلومات التي حصلت عليها (عاين)، فإن الرئيس التشادي محمد كاكا استبعد أبناء أهلية الزغاوة من القوة التي نشرها على الحدود مع السودان، إلا ممن يدينون له بالولاء الخاص. “هذه القوة سيكون من مهامها الأساسية منع مجموعة المشتركة من التسلل إلى الأراضي التشادية حينما يندلع القتال في الطينة”، يقول المصدر القريب من قوات الدعم السريع.

واقع معقد

التطورات في منطقة الطينة رسمت واقعاً أمنياً وعسكرياً معقداً، وأصبح من المحتمل أن ينتقل الصراع إلى داخل الحدود التشادية، نظراً للتعبئة والتحشيد على أساس أهلي، وفق الصحفي علاء الدين بابكر المقيم في مدينة الجنينة بغرب دارفور.

وقال بابكر لـ(عاين): إن “الطينة بمثابة برميل بارود قابل للانفجار داخل العمق التشادي حال استمرت القوة المشتركة في التعبئة”، مبيناً أن ذات المجموعات المتقاتلة في السودان لها امتدادات داخل تشاد، ومن السهولة بمكان أن ينفجر صراعها هناك.

واعتبر بابكر قرار الحكومة التشادية الخاص بإغلاق الحدود ونشر التعزيزات العسكرية تداركاً منها لخطورة الأمر، متوقعاً أن تفتح القوة المنتشرة النار على أي مجموعة تتجاوز الحدود من داخل السودان.

وكانت الحكومة التشادية أعلنت في 23 فبراير الماضي إغلاق الحدود مع السودان حتى إشعار آخر، وذلك على خلفية “التوغلات المتكررة والانتهاكات التي ارتكبتها القوات المتنازعة في السودان داخل الأراضي التشادية”، وفق بيان لوزير الإعلام، المتحدث باسم الحكومة، قاسم شريف.

ويهدف القرار، بحسب الوزير التشادي، إلى “منع أي خطر لامتداد النزاع السوداني إلى الأراضي الوطنية، وحماية المواطنين التشاديين والسكان واللاجئين، وضمان الاستقرار وسلامة ووحدة أراضي الوطن”.

أجواء متوترة في الداخل التشادي

الصراع المعقد في “الطينة” جعل الجيش التشادي مهدداً بالانقسام على نفسه، فبعضه يساند القوة المشتركة بدافع أهلي، وآخر ملتزم بالتوجه الرسمي لحكومة تشاد التي يعتبرها البعض حليفة ضمنياً لقوات الدعم السريع.

وحسب قيادي بالقوة المشتركة، تحدث لـ(عاين)، فإن التململ داخل الجيش التشادي في منطقة الطينة التشادية اقترب من حد التمرد رفضاً لقرارات إغلاق الحدود بالمنطقة، ما دفع القوة التي ذهبت إلى الحدود للتراجع مؤقتاً عن تنفيذ القرارات، وشروعها في ما يشبه التوعية للسكان بعدم الانخراط في الصراع السوداني.

وقال القيادي الذي طلب حجب اسمه: إن “الأجواء لا تزال مشحونة بالتوتر، خصوصاً عقب حادثة قصف المسيرة لمنطقة طينة جقرباء التشادية ومقتل عدد من المواطنين”، واصفاً الرئيس التشادي بـ”العنيد”، وقد يتسبب في انفجار الأوضاع بسبب إصراره على تنفيذ قرار إغلاق الحدود ومنع تسلل الأطراف السودانية إلى الأراضي التشادية.

وتُعد مدينة الطينة آخر بؤر الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في غرب البلاد، وهي بمثابة “الفرصة الأخيرة” للقوة المشتركة بعد فقدان مدينة الفاشر، مما دفعها للاستماتة في القتال فيها.

حشود حول الطينة

ووفق متابعات (عاين)، فقد حشدت قوات الدعم السريع قوة ضخمة حول مدينة الطينة استعداداً لهجوم محتمل على المنطقة، بينما أصدرت قيادتها تعليمات صارمة للجنود بعدم تجاوز الحدود السودانية.

ورغم أن القوة المشتركة المتمركزة في الطينة أكملت استعداداتها لصد هجوم الدعم السريع المحتمل، إلا أنه من المرجح أن تنسحب إلى مدينة الدبة في شمال السودان عبر وادي هور، بمساعدة مجموعات داخل الدعم السريع، وفق مصدر آخر.

وأضاف: أن “انسحاب القوة المشتركة من الطينة إلى الولاية الشمالية من شأنه تجنيب المنطقة مخاطر تفجير الصراع على الحدود، أما بقاؤها فقد ينقل الصراع إلى تشاد في ظل الشحن وتأهب القوات التشادية لمنع التسلل إلى أراضيها”، وفق قوله.

صفقة إقليمية

إزاء هذا الوضع المعقد في منطقة الطينة، يرى القيادي السابق بحركة العدل والمساواة، ومدير مركز السودان للدراسات المدنية والديمقراطية، نهار عثمان نهار، أن السيناريو الأرجح هو “صفقة إقليمية صامتة تُرتب بعيداً عن الأضواء تفضي إلى سيطرة قوات الدعم السريع على المنطقة، بينما تُبدي تشاد شكاوى دبلوماسية للاستهلاك الخارجي، ليصبح الخاسر في هذه المعادلة الجيش السوداني والمدنيين في المنطقة”.

ويقول نهار لـ(عاين): إن “الطينة ليست مجرد نقطة حدودية، بل هي قلب جغرافي لتداخل مجتمعي عميق يجعل أي حديث عن حدود دولة فيها مجرد كلام نظري، لجهة أن المكونات الاجتماعية فيها تتوزع على جانبي الخط الفاصل بين السودان وتشاد، دون أن تعترف بهذه الحدود”.

ويضيف: أن “التداخل الاجتماعي حوّل الانتماءات العرقية إلى رافعة سياسية وعسكرية تستخدمها الدولتان، وأن ما يجري اليوم هو تحويل هذا التداخل من مورد مشترك إلى ساحة اختبار للسيادة”.

وحول الانتشار العسكري التشادي على الحدود، يقول نهار إنه “لا يبدو ردعاً لقوات الدعم السريع بقدر ما هو رسالة للجيش السوداني مفادها أن إنجمينا لن تسمح باستخدام المنطقة ورقة ضدها”.

“في ضوء ذلك، يغدو سيناريو التمدد العسكري المباشر لقوات الدعم السريع إلى الأراضي التشادية شبه مستبعد، لأن حميدتي لن يضرب حليفاً خلفياً”، يقول نهار. وحسب نهار، فإن الطينة تمثل ممر إمداد استراتيجي نحو الفاشر، ومحافظة الجيش السوداني عليها تعني قطع خط التمدد الغربي للدعم السريع.

وبالنسبة لقوات الدعم السريع، تعني الطينة – حال سيطرتها عليها – إغلاق الحدود أمام خطوط إمداد الجيش من الغرب، والسيطرة على ممرات التجارة غير الرسمية التي تُعد شريانًا مالياً حقيقياً؛ إلى جانب توسيع قاعدتها في شمال دارفور عبر الاستفادة من التداخل المجتمعي.

“والأهم من ذلك أن قوات الدعم السريع تُرسل رسالة لإنجمينا مفادها أنها باتت محتاجة للتعامل معها بوصفها قوة شرعية على الحدود”، وفق نهار الذي اعتبر سيطرة الدعم السريع على الطينة تمثل تهديداً مركباً بالنسبة لتشاد، وقد تتحول المنطقة إلى ملاذ آمن لفصائل المعارضة التشادية المسلحة تحت غطاء الدعم السريع.

ومع ذلك، يرى أن ما أسماه بـ”التعاون الخلفي القائم بين الطرفين” يجعل إنجمينا تُفضل إدارة هذا الملف بالتفاوض لا بالمواجهة.

الأهمية الاقتصادية

وتقع مدينة الطينة على معبر حدودي مهم يربط دولتي السودان وتشاد، سبق أن اقترحه الجيش السوداني لدخول المساعدات الإنسانية إلى إقليم دارفور.

كان معبر الطينة في الماضي أكثر أهمية من معبر أدري، إلا أنه ظل معطلاً خلال الفترة الماضية بسبب الصراع في المنطقة. وتبعد الطينة عن مدينة الفاشر حوالي 350 كيلومتراً في الاتجاه الشمالي الغربي.

وفي حال فتح المعبر أمام شاحنات التجارة والإغاثة، من المتوقع أن تصل السلع إلى مناطق شمال وشرق دارفور، إضافة إلى كردفان، بطريقة أسرع وأسعار أقل من التي تصل عبر معبر أدري، وذلك لقرب الطينة ووجود شارع أسفلت يربط الفاشر وكردفان.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *