الجيش السوداني ضمن قطاعات عديدة أحبطها الهيكل الراتبي الجديد

عاين- 19 مارس 2026 

أحبط الهيكل الراتبي الجديد في السودان، آمال مئات الآلاف من العاملين بالدولة نتيجة عدم إقراره زيادات واضحة في الرواتب، خصوصا مع التدهور المعيشي وارتفاع كلفة الحياة. وشمل الهيكل الراتبي الجديد زيادة رواتب أفراد الجيش السوداني الذي يخوض حربا ضد قوات الدعم السريع، بنسبة 118 بالمائة و15 بالمائة لقوات الشرطة و113 بالمائة لقوات الأمن والمخابرات، و 71 بالمائة لقوات الجمارك.

وطبقا لوزارة المالية في منشور  الأسبوع الماضي، شمل المنشور الخاص بالهيكل الراتبي الصادر من وزارة المالية على استخدام علاوة المفارقات بمبلغ 120 ألف جنيه لكل العاملين في الحكومة الاتحادية، على أن لا تحتسب من إجمالي المرتب، وأمر المنشور بتعديل المخصصات السنوية لكل العاملين بالحكومة الاتحادية لتحسب بالأجر الإجمالي بدلا عن الأساسي. واستحدث المنشور، فوق ذلك، علاوة منحة تضاف لكل العاملين بالدولة ومعاشي القوات النظامية والأجهزة العدلية.

رواتب القوات النظامية

لم تجد الزيادات في التعديلات الأخيرة تلك، أي صدى إيجابي، وشكلت حالة من عدم الرضا والاحتجاج وسط العاملين من الدولة على مستوياتها الاتحادية والولائية.

وبحسب ما تحصلت عليه (عاين)، فإن راتب رتبة المساعد في الجيش زادت من 354 ألف جنيه إلى 724 ألف جنيه، حوالي (200) دولار أمريكي- تخصم منها الرسوم الضريبية، فيما يصل راتب رتبة الرقيب والرقيب أول حسب التعديلات الأخيرة، ما بين 630 إلى 680 ألف جنيه، في حين تتفاوت رواتب الرتب الأقل ما بين 496 الف للجندي و541 لوكيل العريف، و585 للعريف، ولم يعرف بعد نسب الزيادات وسط الضباط من ملازم إلى أعلى.

ويبدي ضابط بالجيش السوداني، دون أن يذكر اسمه، استغرابه الشديد من احتجاج القطاعات الأخرى على زيادة رواتب القوات التي تقاتل حاليا لثلاث سنوات في محاور مفتوحة.

 ويقول في لـ(عاين): “النسبة المنشورة على وسائل الإعلام لا وجود لها على أرض الواقع تماما، ولم تطبق بالصورة التي يتصورها الآخرون، كما أن الزيادات نفسها لا تقابل حجم الارتفاع الكبير في تكلفة المعيشة والارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات وآخر تلك الزيادات الزيادة في الغاز والوقود”، وتابع:” من حق كل العاملين في الدولة الحصول على أجر مجز وعادل، خصوصا القطاعات الأمنية التي تخوض غمار أكبر معركة وجودية”.

انتظار طويل

الموظف الحكومي بولاية الجزيرة أواسط السودان “بلال” يحتج هو الآخر الزيادات الزهيدة لرواتب العاملين في الدولة، يقول إنه “انتظر لثلاث سنوات بعد الحرب العبثية، تعديلا في راتبه ومخصصاته الشهرية والسنوية، لكن لم يقبض إلا السراب من وزارة المالية التي اتهمها بالتركيز فقط في زياداتها على القوات النظامية، وعلى الوحدات الحكومية الاتحادية، حيث لم يحصل العاملون في الوحدات الولائية على أي تعديلات تذكر، إلا على علاوة إزالة المفارقات التي جاءت فقط 120 الف ولم تُطَبَّق حتى الآن، وربما تتأخر لأشهر”.

ويشير بلال في مقابلة مع (عاين) إلى أن الدولة تصر كما هو الحال دوما وأبدا على الصرف على القطاعات الأمنية دون القطاعات التنموية والخدمية وتجاهل زيادة رواتب العاملين في الدولة الذي أصبح عملهم أقرب للعمل المجاني، لأن ما يدفع لهم لا يسد حاجة التنقل من مكان العمل وتناول وجبة أثناء ساعات العمل.

وينوه بلال، إلى أن ترك أمر الزيادات للحكومات الولائية يعني تهرب وزارة المالية من مسؤوليتها، وإلقاء المسؤولية للولايات التي لا تملك ما يكفي من إيرادات سوى تلك التي تنتزعها من المواطن المغلوب على أمره، بصور وأدوات قهر مختلفة، علما بأن الولايات تضررت مواردها بعد الحرب بصورة كبيرة وبنسب متفاوتة من ولاية إلى أخرى، مشيرا إلى أن على العاملين في الولايات وهم الأغلبية، عليهم الانتظار طويلا إلى حين أن تقرر الولايات، وأكد أن ما حدث سينعكس على حياة العاملين في الدولة على أكلهم وشربهم وعلاجهم وتعليم أبنائهم، وكثير منهم سيدخلون عاجلا أو آجلا في دوائر الفقر والمسغبة، ولم يستبعد ترك الكثير من العاملين للوظيفة والبحث عن بدائل داخل أو خارج السودان وبدائل قد تكون مخاطرها كبيرة جدا.

ومن جهته، قرر الموظف الحكومي بولاية الخرطوم “سليمان” تجاهل الوظيفة تماما بعد إحباطه من التعديلات الجديدة، ويقول لـ(عاين):  أنا منذ العام الماضي طلبت إجازة بدون مرتب لمدة عام، وكنت أفكر في استئناف العمل بعد انتهاء الإجازة، لكن وبعد اطلاعي على منشور وزارة المالية الخاص بالهيكل الراتبي قررت تمديد الإجازة مرة أخرى، مع مواصلتي العمل في مهنتي البديلة كبائع خضروات على هوامش شوارع السوق المركزي بالخرطوم”.

ويضيف سليمان: “في مهنتي الجديدة جدوى تفوق انتظار راتب لا يتجاوز 70 الف جنيه وهو مبلغ لا يساوي سعر ثلاثة كيلوجرامات من اللحم”.

المعلمون.. الأكثر احتجاجا

تلقى المعلمون، المنشور الجديد بغضب شديد، لجهة أنهم يعتبرون أنفسهم الأكثر تضررا، ويقول المعلم بولاية الخرطوم، علي مدني: إن “المعلم في الدرجة الأولى يصل راتبه إلى 210 الف جنيه، وإذا أضيف له مبلغ 120 ألف الواردة في المنشور الجديد، تصبح 330 ألف، أي ما يعادل 100 دولار فقط، وإذا تم توزيع المبلغ على 30 يوما، فيعني صرف 11 ألف جنيه في اليوم، وهو مبلغ بعيد كليا عن واقع السوق والخدمات.

يضيف مدني في مقابلة مع (عاين): أن “المثال الآخر فهو معلم الدرجة التاسعة الذي يصرف 75 الف فقط، فمعناته بالتأكيد أكبر أما عن العمال فحدث، حيث راتب الوظيفة العمالية لا يزيد عن 24 الف شهريا، وعلى الجميع أن يحكموا على الزيادات الجديدة، وبعدها أو قربها من الواقع”.، وأشار مدني إلى أن بدائل المعلمين تؤثر في العملية التعليمية ككل، حيث تجد المعلم يعمل في مدرسته يومين فقط في الأسبوع، لأنه يكمل بقية الأيام في التدريس بالمدارس الخاصة، أو في أعمال تجارية هامشية في الأسواق، مشيرا إلى أن بعض المعلمين باتوا يفرضون على الطلاب حصصا إضافية نهاية اليوم الدراسي، مقابل دفع مبلغ، كما يتعرض المعلمون بسبب ضعف رواتبهم إلى مزلة أكبر تتعلق بالدروس الخصوصية.

من جهتها، صدّرت لجنة المعلمين السودانيين بيانها حول التطورات الأخيرة الخاصة بالهيكل الراتبي بعبارة “تمخض جبل وعود جبريل فولد فارا” وجبريل المشار إليه هنا هو جبريل إبراهيم وزير المالية، وذكرت اللجنة في بيانها أن الزيادة الواردة في الأجور هزيلة ولا علاقة لها بواقع الانهيار الاقتصادي ولا بكرامة العاملين، “وجاءت كمحاولة مكشوفة لامتصاص الغضب وتمرير الأمر الواقع” واتهمت اللجنة وزارة المالية بالتمييز الفاضح، حيث جرى مضاعفة مرتبات النظاميين بنسب مئوية، بينما تُركت الخدمة المدنية لتتلقى ما يشبه الصدقة خارج هيكل المرتب فيما سُمي تجاوزاً ب”علاوة إزالة مفارقات” وهي لا تعادل إلا ثلاثين دولاراً تقريبا، وأبان اللجنة أن في ذلك رسائل خطيرة، مفادها أن الدولة تكافئ من يحمل السلاح، وتهمّش من يحمل القلم والكتاب، وهي رسالة تدفع المجتمع دفعاً نحو عسكرة الحياة وتدمير ما تبقى من الفضاء المدني.

ويقول القيادي في لجنة المعلمين السودانيين، سامي الباقر  في مقابلة مع (عاين): أن “الهيكل الراتبي ليس به جديد من حيث الحد الأدنى والمرتب الأساسي، فما زال الحد الأدنى للأجور هو 12 ألف جنيه، لم يُعَدَّل فقط وتمت إجازة مبلغ 120 الف كعلاوة لكل العاملين في كل الدرجات، ما يؤكد عدم وجود نية لتحسين الأجور ووزارة المالية تريد أن يحمل العاملين في الدولة تكلفة وتبعات الحرب.

وأشار الباقر إلى أنهم دفعوا بمطالبهم، بزيادة الحد الأدنى للأجور من 12 ألف جنيه إلى 216 ألف جنيه سوداني لمقابلة الانهيار َوالتدهور الناتج عن الحرب، وتعديل العلاوات ذات القيمة الثابتة، مثل بدل الوجبة والعلاوة الاجتماعية، وعلاوة الأطفال والمؤهل وغيرها، إضافة إلى مطلبهم بتسديد كافة المتأخرات لكل الولايات دون تجزئة.

زيادة الأجور ليست حلا

“منشور وزارة المالية الأخير، لا يوصف بكونه هيكلا راتبيا جديدا، أو حتى معدل، إذ لا يعدو كونه علاوة أضيفت للمرتبات بقيمة 120 الف جنيه، وأضيفت خارج الراتب الإجمالي”، يقول الاقتصادي كمال كرار لـ(عاين)، ويشير إلى ذلك المبلغ مقارنة بحجم التضخم التراكمي، وغلاء الأسعار، منذ بداية الحرب، لا يعتبر تحسينا جوهريا في الأجور، ولن يغطي الفجوة بين الأجر ومتطلبات المعيشة، لافتا إلى أن آخر دراسة حديثة لتكاليف المعيشة، أوضحت أن تكاليف المعيشة في حدها الأدنى شهريا تبلغ 1.65 مليون جنيه بينما الزيادة الحالية تساوي ستة بالمائة من تلك الاحتياجات.

وينوه كرار إلى أن الزيادة المقترحة على المعاشات أيضا جاءت هزيلة، وحتى التركيز علي زيادة أجور القوات النظامية حدث كنسبة مئوية. ويعتبر الاقتصادي كمال كرار زيادة الأجور لمقابلة التضخم لا تعتبر حلا اقتصاديا؛ لأنها تزيد معدل التضخم وارتفاع الأسعار، والحل في تركيز أسعار السلع وتثبيت قيمة الجنيه، ولكن في ظل هذه الحرب يبقى الموظفون والعمال هم ضحايا التضخم وفوضى السوق- على حد قوله.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *