كرة قدم في الخرطوم.. حدث رياضي أم دعاية سياسية؟

عاين- 17 مايو 2026

بعد غياب دام أكثر من ثلاث سنوات، انطلقت الجمعة الماضية منافسات دوري النخبة لكرة القدم لأندية الدوري السوداني الممتاز، في خطوة انقسم كثيرون حولها ما بين تصنيفها كحدث رياضي مهم، أم دعاية سياسية.

جاء انطلاق أكبر منافسات كرة القدم السودانية، بقرار من الاتحاد العام لكرة القدم السوداني الذي أعلن عن جاهزية إدارية وفنية لانطلاق المنافسة لأول مرة في الخرطوم بعد اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023، وذكر رئيس لجنة المنافسات بالاتحاد محمد سليمان حلفا، في تصريحات صحفية، إن تنظيم المنافسة جاء عطفا على الجهود التي بذلت لتحقيق الأمن والاستقرار في الخرطوم وتهيئة العودة إلى المواطنين من قبل الجهات المختصة، فيما ذكر أحمد آدم، وزير الشباب والرياضة السوداني، إن استئناف النشاط الكروي وبداية دوري النخبة، يمثل رسالة تؤشر على عودة الحياة عبر بوابة الرياضة.

وتشارك في منافسة دوري النخبة، ثمانية أندية هي الأهلي ودمدني، وحي الوادي نيالا، وام غد الكاملين، وهلال الفاشر، وهلال الساحل، والفلاح عطبرة، إضافة إلى الهلال والمريخ اللذان بدت عودتها لافتة إلى البلاد بعد غياب طويل ومعسكرات خارجية، ومشاركة تارة في الدوري الموريتاني وأخرى في الدوري الرواندي والمنافسات الأفريقية. وحظيت بعثتا الفريقين باستقبالات حافلة بمطار الخرطوم.

قرار الاتحاد العام بتنظيم دوري النخبة في الخرطوم، قوبل بانقسام وسط المجتمع الرياضي، من زوايا الفكرة والنجاح والجدوى والمخاطر، فيما نظر البعض إليه من زاوية سياسية وضعوا في حسابتهم نقاط الربح والخسارة.

 وبينما لا تسع الفرحة أمجد الصديق وهو أحد أنصار فريق الهلال برؤية فريقه بالخرطوم مجددا، يقول مشجع فريق المريخ هجو عبد السيد إن “الحرب قتلت  في داخله حب كرة القدم وتشجيعها”.

ويشير المشجع الهلالي الصديق في مقابلة مع (عاين) إلى أن كرة القدم ظلت ولعقود جزء من الحراك المجتمعي في العاصمة وجزء من عوالم الترابط والتسلية والمنافسة الشريفة والتشجيع النظيف، وهو يمني نفسه بمشاهدة ممتعة لمباريات المنافسة العائدة إلى الخرطوم. لكن المشجع المريخي عبد السيد، توقع في مقابلة مع (عاين) بأن لا تحظى المباريات بإقبال جماهيري كبير؛ لأن سكان العاصمة تفرقوا بين اللجوء والنزوح، ومن عاد أو ظل داخل العاصمة، لن يستطيع دفع مبالغ التنقل بين الملاعب، ودفع تذاكر الدخول كما يخشى أيضا من الظروف الأمنية المحتملة”.

 مدن أخرى أكثر جاهزية من الخرطوم

من جهته يرى العضو السابق بالاتحاد العام لكرة القدم السوداني، رمزي يحي، أن عودة النشاط الرياضي، تسعد وتفرح الرياضيين، لكنه يؤكد في ذات الوقت أن الخرطوم غير مهيأة بعد لاستقبال منافسات دوري النخبة، بينما كان من الواجب إقامة المباريات في مدن أكثر جاهزية مثل كسلا أو القضارف أو بورتسودان أو الدامر، مشيرا إلى أن جاهزية تلك المدن ليس من جانب المسائل الأمنية وحدها، بل هناك مسائل أخرى مثل الملاعب وقدرتها على استقبال المنافسة، وتوفر الفنادق، وتوفر الكهرباء والمياه ووسائل النقل، فكل تلك المطلوبات غير مهيأة الآن في الخرطوم.

قائد الجيش السوداني في حضور مباراة افتتاح دوري النخبة

ويقول يحي لـ(عاين): أن “إقامة دوري النخبة قرار اتخذ دون مراعاة للمخاطر، حيث شهدت الخرطوم حرب واسعة ومعظم منازل المواطنين احتلت ونهبت بالتالي لا يوجد استقرار نفسي وسط السكان”، مرجحا أن القرار اتخذ بحثا عن رسالة طمأنة للعالم من قبل الحكومة والاتحاد العام مفادها أن الخرطوم أصبحت آمنة وهو أمر يتمناه كل الرياضيين، لكن هناك هواجس قد تدفع باللاعبين الأجانب إلى المغادرة خوفا على سلامتهم، ولا تستطيع الأندية إلزامهم، بل سيحميهم الاتحاد الدولي “فيفا”.. بجانب الهواجس الأمنية الأخرى المتمثلة في التشكيلات العسكرية المنتشرة بالخرطوم”.

ويتابع يحي، أن دوري النخبة قد يشهد حضور جمهور كبير متشوق لمشاهدة اللعبة بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب المفروضة على الشعب السوداني، لكن ذلك لا يعني الزج باللاعبين والجمهور في الخطر.

هجمات الطيران المسير

يتفق القانوني والمهتم بالرياضة وقوانينها المنظمة، كمال محمد الأمين، مع ما ذهب إليه رمزي يحي، ويقول في مقابلة مع (عاين): “مشهد الأوضاع الأمنية في أحياء الخرطوم لا يزال هشاً من عدة اعتبارات منها أن هجمات المسيرات، والتي هي ليست ظاهرة عابرة، بل باتت أداة استراتيجية في يد قوات الدعم السريع، وهي غير مرتبطة بخط المواجهة الجغرافي ما يجعل أي منشأة رياضية مكشوفة نظرياً عرضة للتهديد”. مبينا أن تجمع الجماهير في فضاء مفتوح وبأعداد كبيرة يمثل بحد ذاته هدفاً محتملاً في سياق الحرب.

ويشير الأمين، إلى أن البنية التحتية للملاعب كذلك تضررت خلال الحرب بشكل يتفاوت من ملعب لآخر، وإعادة التأهيل الكاملة تحتاج تقييماً تقنياً موضوعياً لا قراراً سياسياً،

“المعادلة السياسية للقرار الخاص بانطلاق الدوري في الخرطوم له بُعد رمزي سياسي واضح، فالدولة تريد أن تقول، إن الخرطوم عادت، والحياة تعود، لكن الفارق جوهري بين الخطاب الرمزي وبين المسؤولية عن أرواح المتفرجين”، يقول محمد الأمين. ويشدد: على “عدم التضحية بالمتفرجين”،

يشير الأمين إلى أن انطلاق دوري النخبة في الخرطوم رسالة رمزية مهمة، لكن استضافة المباريات الأفريقية، كما يتمنى البعض، تبقى رهينة بإثبات الاستقرار الأمني أمام الاتحاد الأفريقي لكرة القدم “الكاف” بوثائق لا بتصريحات، وإعادة تأهيل الملاعب تأهيلاً موثقاً “وأظن أن موسماً أفريقياً على أرض الخرطوم يحتاج على أقل تقدير عام إضافي من العمل المنظم إن سارت الأمور في مسارها الصحيح”.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *