“استار لينك” بجنوب كردفان.. شبكات تواصل تحت الرقابة المشددة
عاين- 16 أبريل 2026
مع اتساع رقعة الحرب في ولاية جنوب كردفان، والتي انهارت معها خدمات الاتصالات، صعدت شبكات الإنترنيت الفضائي “الأستار لينك” ليس كبديل مهم في التعاملات الحياتية اليومية، بل تحولت من خدمة تقنية إلى مساحة تتقاطع فيها التجارة مع الأمن، والاتصالات مع الرقابة وسلطة السلاح.
وفي مدن مثل الدلنج وكادوقلي، كما في مناطق سيطرة الحركة الشعبية قيادة “عبد العزيز الحلو”، وفي بعض مدن الجبال الشرقية، صارت ستارلنك جزءًا من مشهد الحرب نفسه، فالناس يذهبون إليها لاستقبال الأموال وللشراء، وللتواصل مع ذويهم، وللحصول على الأخبار، لكن في المقابل، تذهب إليها أيضًا عيون السلطات، لأنها تنظر إلى الإنترنت في زمن الحرب باعتباره مرفقًا حساسًا، يمكن أن يخدم الناس، ويمكن أيضًا أن يُستخدم في نقل المعلومات والتحرك داخل بيئة عسكرية شديدة الاضطراب.
في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش بولاية جنوب كردفان تخضع عملية الترخيص لاستخدام شبكة الإنترنت الفضائي لإجراءات أمنية معقدة، ويقول صاحب جهاز “استار لينك” للاستخدام التجاري في مدينة الدلنج: إن “كل الإجراءات والسياسات الخاصة بتشغيل وتسجيل جهاز الانترنيت مرتبطة بجهاز الأمن”.
ويشير صاحب جهاز الإنترنت الذي حجبت (عاين) اسمه لدواع أمنية، إلى أنه عند شراء استار لينك للاستخدام التجاري تبدأ إجراءات الترخيص من جهاز المخابرات وهناك تتم عمليات تحر طويلة، وبعدها يتم الحصول على الترخيص، وبعد ذلك يمكنه أن يذهب إلى المحلية لتسجيل الجهاز؛ ومن ثم دفع مبلغ 500 الف جنيه سوداني- نحو 132. ويضيف: “في مكتب جهاز الأمن يخبرونك بكل ما يجب فعله أثناء العمل وما لا يجب فعله، مثل مواعيد فتح المكان وموعد إغلاقه، وأيضًا سياسات حالات الطوارئ وغيرها”.
في مناطق سيطرة الجيش والحركة الشعبية يشرف أفراد الاستخبارات العسكرية يوميًا على أماكن عمل شبكة الإنترنت الفضائي
وينوه إلى إشراف أفرد من الاستخبارات العسكرية على رقابة كل شبكات الإنترنيت الفضائي، ويشير إلى أنهم لا يتواجدون بشكل واضح حتى لا يتعرف عليهم مرتادو أماكن الانترنيت.
مكان مرعب
في مدينة كادوقلي، الصورة قريبة من الدلنج من حيث الحاجة، لكنها أكثر تشددا من حيث الرقابة الأمنية في المدينة التي عاشت حصارا خانقا، وكانت تتعرض للقصف والتدوين باستمرار، ومع هذا السياق صار الإنترنت مسألة أمنية حساسة للغاية بحسب وصف السلطات المحلية التي اعتقلت في مايو الماضي حوالي 5 أشخاص من أماكن أجهزة استار لينك.

ويقول أحد سكان مدينة كادوقلي، طلب حجب اسمه لدواع أمنية، إن محلات الأستار لنك خلال العام الماضي وطوال فترة الحصار “كانت مكانًا مرعبًا”. وأضاف في مقابلة مع (عاين): “حالات الاعتقالات غالبًا ما تكون لأفراد جرى رصدهم لأيام من قبل الأجهزة الأمنية”.
وتلزم الأجهزة الأمنية أصحاب أجهزة الاستارلينك بإبلاغها حال ملاحظتهم أي تحركات مريبة في المكان-وفقا للمواطن الذي تحدث لـ(عاين) من كادوقلي، والذي يشير إلى ما يصفه بـ”استسلام” المواطنين لهذا الوضع حينها وحرصهم على استمرار خدمة الإنترنيت الفضائي التي تساعدهم على تدبر شؤونهم اليومية.
ماذا عن مناطق سيطرة الحركة الشعبية؟
في مناطق سيطرة الحركة الشعبية، لا يختلف الأمر عن مناطق سيطرة الجيش، حتى لو اختلفت الجهة التي تدير عملية الرقابة، والسكان هناك يعتمدون على ستار لينك بصورة أوسع، ويستخدمونه من سنين طويلة ما قبل الحرب،
لكن أجزاء واسعة من تلك المناطق لم تكن تتمتع قبل الحرب بشبكات أرضية مستقرة، باستثناء بعض المناطق الحدودية للحركة التي تقع بالقرب من مناطق سيطرة القوات المسلحة، فهي كانت تستفيد جزئيا من تغطية شبكات الاتصالات منها منطقة الرجول غرب الكرقل وأم حيطان التي كان يتوفر بهما برج اتصالات لشبكة زين، لكن اتساع الحرب وتبدل السيطرة العسكرية قطع حتى هذا الاتصال الجزئي.
ويقول مواطن تحدث مع (عاين) من سوق منطقة أم دولو الخاضعة لسيطرة الحركة الشعبية، طلب حجب اسمه لدواعٍ أمنية: “مؤخرًا أصبح الدخول إلى الشبكة يخضع لقيود شديدة، وبين كل فترة وأخرى تصدر السلطات أوامر بإغلاق الشبكات، باستثناء شبكات مؤسسات السلطة المدنية والمستشفيات”.
ويضيف: “في الوقت الحالي، لتسجيل شبكة جديدة يجب أن تذهب إلى كاودا العاصمة، وتتحصل على التصديق.. الدخول للشبكة يكون بنظام الساعة وسعرها خمسة آلاف، وفي كل شبكة يتواجد شخص من الاستخبارات العسكرية التابعة للحركة الشعبية”.
الجبال الشرقية
ظلت مدن المنطقة الشرقية بجنوب كردفان بعيدة عن مرمى نيران الحرب والعمليات البرية طوال هذه الفترة، ولم تصلها المواجهات إلا في مطلع ديسمبر 2025، ولذا بدأ الوضع مختلفا نسبيا، إذ ساعد الهدوء في وجود بعض البدائل، مثل الشبكات الأرضية (زين وسوداني)، رغم أنها تعاني انقطاعات متكررة وضعفاً في الإنترنت، وتقلص في التغطية، خاصة خارج المراكز الحضرية. وهذا ما أدى إلى تمدد ستارلنك تدريجيًا داخل المدن والقرى والأطراف التي لا تصلها الشبكات، أو تصلها بشكل ضعيف ومتقطع.
وتبدو استار لينك في المنطقة الشرقية أقل توترًا مقارنة بمدينتي الدلنج وكادوقلي ومناطق سيطرة الحركة من حيث طريقة البيع، بسبب توفرها نسبيًا ووجود بدائل أرضية، رغم أن الرقابة لا تزال حاضرة.
ويقول التاجر بالمنطقة الشرقية- كلوقي، زين محمد لـ(عاين): إن “الشبكات الأرضية لشركات الاتصالات السودانية توقفت وانقطعت خدماتها بعد الحرب، ثم عادت لاحقًا للعمل، مثل شبكتي سوداني وزين، بينما توقف برج اتصالات أم تي أن”.

وبحسب زين، يستورد التجار المحليون أجهزة ستار لينك من سوق إيدا، الذي يقع على الحدود بين مناطق سيطرة الحركة الشعبية وجنوب السودان، حيث يجلبها التجار من هناك، ثم تدخل عبر الليري، وبعد ذلك تتوزع على أسواق الشرقية، فهناك من يشتريها من التقولا، وآخرون من سوق دلاس، وغيرهم من كلوقي.
ويشير زين إلى أن نظام استخدام الإنترنت هنا يختلف عن الدلنج وكادوقلي ومناطق سيطرة الحركة الشعبية، إذ لا يعتمد على الساعة، بل على نظام (القيقا)، موضحًا أن توفرها وكثرتها يجعلها أرخص، لذلك يُباع الإنترنت بالقيقا وليس بالساعة. ويمكن شراء قيقا لمدة 24 ساعة بحوالي 500 جنيه أو أقل من ألف، أو 2 قيقا بألف جنيه، كما توجد باقات أسبوعية مثل 10 قيقا، أو اشتراك أسبوعي كامل بحوالي خمسة آلاف جنيه، مع تفاوت بسيط من صاحب جهاز إلى آخر.
وأشار إلى أن الشبكات تعمل طوال الوقت، إلا في حالات التوتر الأمني، مثل ورود معلومات عن تحركات أو استهداف بالمسيّرات أو التدوين، حيث تأمر السلطات بإغلاقها.
ويشير زين إلى السلطات تمنع تشغيل شبكة الإنترنت الفضائي في الليل بمناطق مناجم الذهب، وكذلك في القرى خارج كلوقي، بينما داخل المدينة لا توجد قيود إلا في حالات التوتر الأمني، التي تحددها السلطات بناءً على معلوماتها الاستخباراتية.
من فجوة الاتصالات إلى اقتصاد يومي جديد
دخلت خدمة الإنترنيت الفضائي إلى جنوب كردفان كخدمة تكميلية ضرورية، لأن دخولها ارتبط بالحاجة المباشرة بعد انهيار أو ضعف الشبكات التقليدية، واتساع الحصار وانقطاع الطرق.
ففي مدينتي كادوقلي والدلنج مثلًا، حينما أغلقتا طويلًا، واشتد الحصار عليهما، اكتسب الأستار لينك قيمة مضاعفة، وصارت الحاجة إليه، مرتبطة بأشياء يومية كشراء السلع عبر التحويلات المصرفية (بنكك)، في الوقت الذي انعدم فيه الكاش (السيولة النقدية) إلى حد كبير، لكن في نفس الوقت كانت هناك فرق بين الدفع نقدا والدفع عبر بنكك، فتقل سعر السلعة إذا كان الدفع نقدا، وترتفع إذا كانت عبر بنكك.



















