يحصدون الذهب وأرواحهم معًا.. المعدنون يواجهون مخاطر صحية
عاين- 22 أبريل 2026
يرقد الشاب العشريني سامي حامد، في مستشفى أم درمان مستشفياً من أمراض تتصل بضيق التنفس، لم يتمكن الأطباء من تحديدها بشكل قاطع حتى الآن، إلا أنهم قبل أسبوعين أبلغوه بأن أعراضه تدل على إصابته بـ”الدرن”، حيث بدأ في تناول الأدوية المخصصة لذلك.
كان سامي قد خضع من قبل لعملية جراحية في مستشفى عطبرة لإزالة ماء في الرئة، إلا أن صحته لم تتحسن، بل أصبح يعاني ضيق التنفس وهزال الجسد وعدم القدرة على الحركة كثيراً، ما استدعى تحويله إلى أم درمان، وفق شقيقه الذي تحدث لـ(عاين).
كان سامي قبل مرضه يعمل في التعدين التقليدي عن الذهب في شمال السودان لأكثر من خمس سنوات، عمل خلالها على جمع الحجارة من داخل الآبار ثم طحنها واستخلاص الذهب منها عبر مادة الزئبق، وفق شقيقه.
حالة سامي هي واحدة من عشرات الحالات لشباب في أعوام مبكرة من عمرهم أصيبوا بأمراض صدرية نتيجة عملهم الطويل في مناجم الذهب بمناطق مختلفة من السودان.
شركات عشوائية
يقول مهندس تعدين يعمل في إحدى الشركات بشمال السودان لـ(عاين): إن “العمال في مناطق التعدين يتعرضون باستمرار للغبار الكثيف داخل مواقع العمل، والذي يأتي من عمليات تكسير الصخور ونقل الخام، وأن معظم الأمراض المرتبطة بالعمل تبدأ من الجهاز التنفسي”.
وحسب المهندس الذي طلب حجب اسمه، فإن المخاطر الصحية لا تتوقف فقط على المتعاملين مباشرة مع المواد الخطرة، بل تمتد إلى مواقع السكن. ويضيف: “سوء التخطيط في إنشاء شركات التعدين، خاصة عدم مراعاة اتجاهات الرياح، يؤدي إلى انتقال الأتربة إلى مناطق الاستراحة والمكاتب، ما يجعل العمال يستنشقون الغبار حتى خارج مواقع الإنتاج المباشر”.
وتابع “ورغم محاولات تقليل الأتربة عبر ترطيب الخام، إلا أن ضخامة الكميات المستخدمة تجعل هذه الجهود محدودة، حيث يفقد جزء كبير من الخام رطوبته سريعًا، ليعود الغبار عالقًا في الهواء مع تغير حركة الرياح”.
خطر السيانيد
ولا تتوقف المخاطر عند الغبار، إذ يشير مهندس التعدين إلى أن مادة السيانيد المستخدمة في استخلاص الذهب تشكل خطرًا آخر، خاصة على العاملين في مناطق الترشيح والامتزاز.

وأكد أن التعرض المستمر للسيانيد يؤدي إلى أعراض مزمنة مثل الصداع والتقيؤ وفقدان الشهية، وفق حالات تم رصدها في الشركة التي يعمل بها.
وأشار إلى أن بعض شركات التعدين تعتمد نظام التناوب في العمل لتقليل الأثر، إلا أن الفنيين ذوي الخبرة يظلون لفترات طويلة في هذه الأقسام الحساسة، ما يؤدي إلى إصابتهم بتلك الأعراض بعد عام أو عامين.
وأضاف: “عند ظهور الأعراض يتم نقلهم إلى أقسام أخرى بعد تدريب بدلاء لهم، دون أي معالجة حقيقية، وهو سلوك غير إنساني يعكس أولوية الإنتاج على صحة العامل”.
نقص أدوات السلامة
وحسب المهندس وشهادات عاملين في مجال التعدين، فإن هناك نقصًا حادًا في أدوات السلامة وعدم مبالاة من العمال تجاه الاحترازات الصحية، حيث يعمل البعض منهم لفترات قد تصل إلى شهر كامل دون وسائل حماية.
وفي أقسام الكسارات، يكتفي العمال بكمامات بسيطة وقفازات قماشية، بينما تُستبدل الكمامات الغازية في مناطق السيانيد بأخرى أقل كفاءة بسبب تكلفتها، وفق مهندس التعدين.
الزئبق الأكثر خطورة
يؤكد مهندس التعدين في حديثه لـ(عاين) أن مادة الزئبق أخطر المواد المستخدمة في التعدين، إذ لا يستطيع الجسم التخلص منها، وتتراكم داخله مسببة أضرارًا صحية خطيرة.
ويتعرض العمال لهذه المادة في طواحين الطحن ومحال الصهر، حينما يتحول الزئبق إلى بخار سام يتم استنشاقه، ويُعتبر المعدنون التقليديون الأكثر تعاملا مع هذه المادة.

يقول الطبيب المتخصص في أمراض الصدر، البروفيسور ياسر حنفي، إنه “خلال عمله في مدينة دنقلا شمال السودان، لاحظ تزايدا مقلقا في حالات تليف الرئتين وسط شباب يعملون في مناجم الذهب”.
وأضاف البروفيسور في مقطع فيديو سجله خصيصًا للتحذير من الأمراض المرتبطة بالتعدين، أن “المرضى، رغم صغر سنهم، يصلون إلى المستشفيات في مراحل متأخرة، حيث تكون فرص العلاج محدودة للغاية، ويتدهور وضعهم الصحي بسرعة”.
ويشير إلى أن بعض الحالات تتوفى خلال فترة قصيرة من ظهور الأعراض، وضرب مثلًا بمريض في العشرينات من عمره جاءه في عيادته وقد تدهورت حالته بشكل مفاجئ خلال أقل من شهر، رغم أنه كان في وضع صحي جيد قبل ذلك.
كما نقل البروفيسور عن أسرة أحد المرضى الذين يعالجهم بأن نحو 20 شابًا من منطقتهم توفوا خلال الفترة الماضية نتيجة العمل في التعدين.
في ظل الوقائع المشار إليها، تتزايد المخاوف من كارثة صحية صامتة تهدد آلاف الشباب العاملين في قطاع أصبح ملاذا اقتصادياً في ظل استمرار الحرب وتعطل سبل الحياة والعيش الكريم.



















