الشرب من الآبار المهجورة: أزمة الكوليرا في “فوجا”

عاين- 28 يونيو 2026

تشهد بلدة “فوجا”، وهي منطقة ريفية لتعدين الذهب تخضع لسيطرة قوات الدعم السريع في ولاية غرب كردفان، تفشياً لمرض الكوليرا. ويؤكد السكان أن هذا التفشي يرتبط بأزمة مياه متفاقمة، وتدفق موجات النازحين بسبب الصراع من مناطق مثل “النهود” وبلدات أخرى في أنحاء غرب كردفان.

وقد ظهر الوباء بعد أسابيع من لجوء السكان إلى الشرب من آبار مهجورة، قاموا بتنظيفها يدوياً من النفايات المتراكمة طوال سنوات، والتي شملت جلود الحيوانات، والملابس، والطحالب.

وفي حديثه لـ(عاين)، قال الدكتور أحمد*، وهو أحد الأطباء القلائل الذين ما زالوا يعملون في مستشفى فوجا: “هذه هي السنة الثالثة التي تضرب فيها الكوليرا المنطقة، وتحدث دائماً في نفس الشهر – مايو – وذلك بسبب الوضع المائي. ففي هذا الشهر، تشح المياه نتيجة نقص الأمطار، مما يدفع السكان لاستخدام مياه الآبار. لكن التفشي هذه المرة يبدو أكثر خطورة من المرات السابقة”.

وكانت الأمم المتحدة قد حذرت في الأول من يونيو من استمرار انتشار وباء الكوليرا المشتبه به في غرب كردفان، حيث تم تسجيل أكثر من 300 حالة اشتباه و77 حالة وفاة بين شهري مايو ويونيو. إلا أن السجلات الطبية المحلية ترجح أن تكون الأعداد أعلى من ذلك بكثير، إذ رصدت ما بين 80 إلى 150 حالة وفاة منذ منتصف مايو في ولاية غرب كردفان. ومع تحديد 800 حالة اشتباه بالكوليرا في “فوجا” هذا العام، يدرك السكان المحليون تماماً السبب وراء هذا الارتفاع الكبير في معدل الوفيات، لكنهم يفتقرون إلى أي بدائل؛ فإما أن يتوقف المجتمع المحلي عن الشرب، أو يخاطرون يومياً بالإصابة بوباء الكوليرا القاتل.

الوباء يطال عائلات بأكملها

يروي سمير*، الذي تعيش عائلته الممتدة معاً في منزل واحد، أنه حاول حماية أسرته من الكوليرا عبر اتباع تدابير النظافة القياسية. ومع ذلك، بعد أسبوعين من بدء التفشي، أصيب ابنه البالغ من العمر عاماً ونصف بالمرض، ثم تلتْه ابنة أخيه، فـأخوه، ثم ابنة أخ أخرى، وأخيراً زوجته. ولحسن الحظ، تمكن أفراد العائلة الخمسة من تلقي العلاج – الذي شمل الحقن والأدوية وقضاء فترات داخل المستشفى المحلي.

البئر المهجورة التي يستخدمها سكان “فوجا” للحصول على مياه الشرب (عاين)

وقال سمير لـ(عاين): “مركز العزل لا يسمح للمصابين بالعودة إلى منازلهم حتى يأخذ المرض مجراه وينتهي”. لكنه أضاف أن العديد من العائلات تتجنب الذهاب إلى المستشفى بسبب الاكتظاظ، “والذي كان عاملاً آخر في انتشار المرض”.

حين ضربت الكوليرا المنطقة، كان المستشفى الحكومي لا يزال قيد الإنشاء، مما جعل ثلاث عيادات خاصة تتحمل مسؤولية الاستجابة لحالة الطوارئ، على الرغم من افتقارها للقدرة الاستيعابية للتعامل مع تفشٍ واسع النطاق. وقدمت منظمات مثل الهلال الأحمر السوداني المحاليل الوريدية والمستلزمات الطبية الأساسية. وفي وقت لاحق، أنشأت منظمتا “كافا” (CAFA) و”الخدمات المتحالفة” (Allied Services) موقعاً مركزياً للحجر الصحي في المستشفى الحكومي ونقلت المرضى إلى هناك لتلقي العلاج، ليصبح منذ ذلك الحين مركز العلاج الرئيسي لحالات الكوليرا.

ورغم المساعدات المقدمة، لا تزال المنطقة تفتقر إلى العديد من المستلزمات والأجهزة الطبية الضرورية لعلاج المرضى بفعالية. وأوضح الدكتور أحمد أن هناك عنصرين رئيسيين – هما الأملاح والبوتاسيوم – يتطلبان مراقبة مستمرة لعلاج الكوليرا، قائلاً: “يجب علينا مراقبة مستويات البوتاسيوم والصوديوم في جسم المريض باستمرار، لا سيما بين كبار السن الذين توفي العديد منهم بسبب الارتفاع أو الانخفاض الخطير في هذه المستويات”.

بالإضافة إلى ذلك، يرى السكان أنه إذا لم تهطل الأمطار قريباً، فإن التفشي سيستمر؛ حيث يأمل الكثيرون أن تؤدي الأمطار إلى جرف المياه الراكدة والملوثة، واستبدالها بمياه أكثر أماناً للاستخدام.

أبعد من حدود “فوجا”

امتد التفشي أيضاً إلى القرى المجاورة لـ “فوجا”، حيث أبلغت السلطات الصحية عن حالات إصابة ووفيات إضافية. وقبل يومين من عيد الأضحى (قرابة 25 مايو)، انتشر المرض إلى منطقة تُدعى “ضاحية جوال”، وهي قرية تقع شمال مدينة “النهود” على بُعد نحو ساعة بالسيارة.

وقال محمود*، وهو من سكان النهود: “عدد المصابين غير معروف بدقة، ولكن حدثت بالفعل عشر وفيات، من بينهم أفراد من عائلتي سافروا إلى النهود لتلقي العلاج”.

ووفقاً لمحمود، أظهرت السلطات الطبية استجابة ضعيفة للغاية تجاه الوضع في النهود، ولم تُقدَّم أي مساعدات طبية لهؤلاء الأشخاص؛ إذ اكتفى مستشفى النهود بتقديم أدوية تؤخذ عن طريق الفم، وكان على المرضى شراؤها بأنفسهم. وفي إحدى الحالات، تلقت امرأة كانت حالتها أكثر خطورة حقنتين، لكن لم تُوفَّر لها أي مرافق عزل، وبدلاً من ذلك، طُلب من المرضى أخذ ما يحتاجونه من معدات وقائية والعودة إلى قريتهم.

وأضاف محمود لـ(عاين): “تُعد الجوال بلدة كبيرة تضم سوقاً أسبوعياً يجتذب عدداً كبيراً من الناس، وهذا هو مصدر قلقنا الأكبر بشأن انتشار المرض. منذ بدء الحرب، انهار النظام الصحي في المناطق الواقعة شمال النهود. وتاريخياً، عانت هذه المناطق أيضاً من غياب العيادات الريفية، ومستوصفات القرى، والمراكز الصحية”.

إن أزمة الكوليرا التي تتكشف فصولها في فوجا والمناطق المحيطة بها ليست مجرد حالة طوارئ صحية معزولة، بل هي نتاج هيكلي لكل من الصراع والإهمال الذي سبق الحرب. وبالنسبة للعديد من السكان، فإن الكوليرا ليست سوى أحدث الأزمات التي تصيب مجتمعات تعاني بالفعل من الصراع، والنزوح، والافتقار إلى الخدمات الأساسية.

كما تسلط هذه الأزمة الضوء على التقاطع بين الحرب والصحة العامة؛ وبما أن “فوجا” تخضع لسيطرة قوات الدعم السريع، فإن الرعاية الصحية والخدمات الأساسية الأخرى تعتمد بشكل كبير على السلطات التي تدير المنطقة، وهو وضع ترك السكان بقدرة محدودة على الوصول إلى المساعدات، وبخيارات قليلة عندما تعجز الأنظمة المحلية عن الاستيعاب.

*تم تغيير الأسماء أو اختصارها لحماية أمن المصادر.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *