“الأزرق لم يعد دفاقًا”.. سد النهضة يفرض واقعًا مائيًا جديدًا على السودان

عاين- 26 أغسطس 2026

بين سدين مائيين متقاربين على مجرى النيل الأزرق في السودان وإثيوبيا، وتفصل بينهما مسافة نحو 115 كيلومترا، وفي مفارقة بائنة جرت مياه كثيرة عبر بوابات السدين، وجفت في أحيان أخرى. ولم يعد تدفق المياه على الجانب السوداني متحكماً به كما في السابق قبل إنشاء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي الذي فرض واقعًا مائيًا جديدًا على السودان.

وشكا مزارعون في السودان من تراجع مناسيب نهر النيل خلال شهري يوليو وأغسطس الجاري، والانحسار غير المألوف في مثل هذا التوقيت الذي يمثل ذروة فصل الفيضان، مما أثار قلقاً واسعاً وخروج بعض محطات الشرب عن الخدمة مؤقتا. وأوضحت بيانات رسمية صادرة عن وزارة الري السودانية أن الانخفاض المؤقت يعود إلى تراجع واردات النيل الأزرق نتيجة تقليل إثيوبيا لتصريفات المياه من سد النهضة لضبط التخزين التشغيلي دون تبادل معلومات مسبق.

مفارقة الفيضان والانحسار

خلال عامي 2025، و26، تجلّت المفارقة، وشهد السودان في سبتمبر من العام الماضي، تصريفات مياه مرتفعة وفيضانات ألحقت أضراراً بالغة بزراعة الجروف والمساكن على ضفاف النهر. وفي يوليو 2026 جاء الوجه الآخر: انخفاض مفاجئ في التصريفات أدى إلى تراجع مناسيب النهر وتأثر بعض محطات مياه الشرب والري الزراعية.

جانب من انحسار النيل في الخرطوم

هذه المفارقة وضعت السودانيين أمام أسئلة عديدة فيما يتعلق بالمياه، لم يعد السودانيون على دراية بمواقيت فيضان النيل وانحساره وهما موسمان كيَف عليهما السودانيون الذين على ضفاف النهر نمط حياتهما الزراعي منذ زمن بعيد بجانب مزارعو المشاريع المروية. لكنهم يسألون الآن متى تُفتح البوابات؟ كم ستكون كمية المياه؟ ومتى تنخفض؟ وما الذي سيصل إلى السودان؟، بيد أن الإجابة تأتي عملية من أعالي النهر في الجانب الأثيوبي، إما فيضان وإما انحسار في وقت الفيضان.

“بالتأكيد أصبح السودان أكثر اعتماداً على قرارات التشغيل الإثيوبية، خصوصاً في ظل غياب تبادل منتظم وملزم للمعلومات”. يقول وزير الري والموارد المائية الأسبق، د. ياسر عباس لـ(عاين). ويشدد في محاولة للإجابة على عديد من الأسئلة حول مياه النيل الأزرق بعد سد النهضة الإثيوبي:” تبادل البيانات هو الإجابة الأساسية”.

أنظمة الرصد تساعد السودان على مراقبة النهر، لكنها لا تعوض البيانات التشغيلية التي يفترض أن تأتي مسبقاً من الدولة الواقعة أعلى النهر

مصادر بوزارة الري والموارد المائية

فيما تؤكد مصادر في وزارة الري والموارد المائية في السودان لـ(عاين)، إن الأقمار الصناعية والنماذج الرياضية وأنظمة الرصد الهيدرولوجي تساعد السودان على مراقبة النهر، لكنها لا تعوض البيانات التشغيلية التي يفترض أن تأتي مسبقاً من الدولة الواقعة أعلى النهر. فالقمر الصناعي يستطيع أن يقول لك ماذا حدث، أما الإخطار المسبق، فيمنحك فرصة للاستعداد لما سيحدث.

وتضيف مصادر وزارة الري: إن “جوهر المشكلة لا يكمن في وجود السد الإثيوبي وحده، وإنما في طريقة تشغيله، وفي غياب آلية واضحة لمعرفة توقيت فتح البوابات وحجم المياه التي سيتم تمريرها.

النهر الذي لم يعد يصل بالطريقة نفسها

كان النيل الأزرق يتحرك وفق إيقاع موسمي واضح. ففي أشهر الأمطار، تتدفق المياه من الهضبة الإثيوبية بكميات كبيرة، ثم تنخفض التدفقات مع انتهاء موسم الأمطار. وتشير مصادر وزارة الري السودانية، إلى أن الهضبة الإثيوبية تستقبل خلال موسم الأمطار كميات كبيرة من المياه كانت تصل إلى مجرى النهر خلال فترة زمنية محدودة.

انحسار النيل عن مضخة مياه شرب غربي ام درمان بالعاصمة السودانية- الصورة: وكالات

وتقدّر مصادر في وزارة الري السودانية، كمية الأمطار المرتبطة بالنظام المائي للنيل الأزرق بنحو 32 إلى 37 مليار متر مكعب خلال موسم الأمطار. لكن ما كان يصل مباشرة إلى النهر أصبح جزء منه يدخل الآن في منظومة التخزين. ومن هنا تغير توقيت الماء.

وتشير المصادر لـ(عاين)، إلى إن هذا التغير يمكن أن يكون مفيداً إذا أدى إلى انتظام أكبر للتدفقات في أشهر الجفاف، لكنه يصبح خطراً إذا حدث بصورة مفاجئة، ومن دون معلومات مسبقة”. وتتابع: “إذا كانت المياه المخزنة خلال موسم الوفرة تطلق لاحقاً للحفاظ على تدفقات أكثر استقراراً، فإن النهر يمكن أن يصبح أكثر قابلية للإدارة على مدار العام. وهذه تحديداً إحدى الفوائد التي كان السودان يأمل الحصول عليها”.

تغير نمط التدفقات يمكن أن ينعكس على مشارع الجزيرة والرهد وحلفا الجديدة ومناطق أخرى، وفق مستويات التصريف والمناسيب وتوقيت وصول المياه

مصادر بوزارة الري والموارد المائية

وفيما بدا سد النهضة بعيداً عن الحقول السودانية. لكن المياه لا تعرف الحدود الإدارية. وتقول مصادر وزارة الري لـ(عاين): إن “تغير نمط التدفقات يمكن أن ينعكس على مشارع الجزيرة والرهد وحلفا الجديدة ومناطق أخرى، وفق مستويات التصريف والمناسيب وتوقيت وصول المياه. وهنا يدخل الاقتصاد على مجرى النهر. ويرى الباحث الاقتصادي، هيثم محمد فتحي، أن انتظام المياه يمكن أن يمنح السودان قدرة أكبر على التخطيط للمحاصيل وتنويع الإنتاج الزراعي، كما يمكن أن يدعم التوسع الصناعي والزراعي. ويقول في مقابلة مع (عاين): “يُمكن أن يمنح السد الإثيوبي السودان مورداً أكثر انتظاماً، لكن تحويل هذا المورد إلى إنتاج يبقى اختباراً سودانياً داخلياً”.

الطمي.. ما يخرج من إثيوبيا ليس مجرد رواسب

أزمة أخرى متعلقة بالأطماء تضيفها وزارة الري والموارد السودانية؛ بسبب عدم الاتفاق والتنسيق في عملية تشغيل السد الإثيوبي، وتشير مصادر في الوزارة إلى أن تراكم الطمي في الخزانات يتسبب في مشكلة تشغيلية، ويقلل السعة التخزينية، يبدو الطمي في الخزانات مشكلة تشغيلية، لكن عندما ينتقل الحديث إلى الأراضي السودانية، تصبح الصورة أكثر تعقيداً.

تقول مصادر الوزارة لـ(عاين): إن “الرواسب القادمة من الهضبة الإثيوبية تسهم في تجديد خصوبة التربة، خصوصاً في الأراضي المرتبطة بالزراعة الفيضية. والطمي لا يذهب إلى الحقول فقط. هناك صناعة قائمة على الرواسب نفسها. فعلى امتداد النيل الأزرق والنيل الرئيسي، ترتبط بعض أعمال صناعة الطوب بتراكم الطمي. لذلك، فإن حجز الرواسب قد يخفف الإطماء داخل الخزانات السودانية، لكنه قد يحمل في المقابل آثاراً على خصوبة بعض الأراضي، وعلى أنشطة اقتصادية تعتمد على الطمي”.

جفاف طويل في السودان.. سدود جديدة في إثيوبيا وتحذيرات

“الفيضانات يمكن أن تنتهي خلال أيام. أما الجفاف فقد يمتد لسنوات. ولهذا كانت مسألة إعادة ملء سد النهضة خلال فترات الجفاف واحدة من أكثر النقاط الفنية تعقيداً في المفاوضات”. يقول وزير الري السوداني الأسبق ياسر عباس. ويضيف لـ(عاين):” المقترح السوداني الذي كان مطروحاً أثناء مشاركته في ملف سد النهضة حتى أكتوبر 2021 تمثل في إعادة الملء بمعدل يقارب 10 مليارات متر مكعب سنوياً”.

الفيضانات يمكن أن تنتهي خلال أيام. أما الجفاف فقد يمتد لسنوات. ولهذا كانت مسألة إعادة ملء سد النهضة خلال فترات الجفاف واحدة من أكثر النقاط الفنية تعقيداً في المفاوضات

وزير الري السوداني الأسبق، ياسر عباس

تأتي تحذيرات الوزير السوداني الأسبق في أعقاب التصريحات الأخيرة لوزير المياه والطاقة الإثيوبي، هابتامو إيتيفا، التي شدد فيها إن “تدفق مياه النيل باتجاه دول المصب سيكون تحت سيطرة بلاده، التي تعتزم المضي قدماً في بناء 3 سدود إضافية على النيل”، مبرراً ذلك بما وصفه بـ”الاستخدام العادل لمياه النيل وتحقيق التنمية المستدامة”.

جانب من خزان الروصيرص بولاية النيل الازرق

ويقول عباس: إن “إنشاء سدود إثيوبية إضافية على النيل الأزرق وروافده، فيعني إضافة نقاط أخرى يمكن أن تؤثر في توقيت التدفقات. ويصف عباس التصريحات الإثيوبية، بأنها “غير موفقة”. فالنيل الأزرق، في رؤيته، نهر مشترك، وحق إثيوبيا في استخدام مواردها المائية لا يعني امتلاك النهر أو التحكم منفردة في تدفقاته إلى الدول الأخرى. وهنا ينتقل الخلاف من الهندسة إلى القانون والسياسة.

السودان.. هل خسر رهان سد النهضة؟

بالنسبة إلى وزير الري السوداني الأسبق ياسر عباس، نعم. ويرى عباس كذلك، أن السودان لم يحصل على بعض المكاسب التي كان يمكن تحقيقها لو وُجد اتفاقاً واضح وملزماً. كما يحذر من أن استمرار الخلاف يمكن أن يطيل أمد القضية، وربما يدفع بها إلى الأمم المتحدة أو مجلس الأمن أو مؤسسات العدالة الدولية، بما يجعل التسوية أكثر تعقيداً وأطول زمناً. ويرى عباس، أن إثيوبيا تمكنت خلال سنوات التفاوض من مواصلة بناء السد بالتوازي مع استمرار المفاوضات، ثم واصلت العملية أثناء الملء. وبذلك أصبح الواقع الهندسي قائماً قبل اكتمال الإطار القانوني المنظم لتشغيله.

ورغم كل هذه المخاوف، لا يرى عباس، أن التعامل مع سد النهضة باعتباره عدواً هو الطريق الوحيد. بل يرى أن السد يمكن أن يكون مفيداً لإثيوبيا والسودان معاً إذا وُجد اتفاق حقيقي وملزم ينظم التشغيل وتبادل البيانات ويضمن مصالح الدول المتشاطئة.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *