السودان: كيف تحولت الصحافة إلى إثارة للحرب بعقوبة تصل للإعدام؟
عاين- 29 أكتوبر 2026
تواجه الصحافة السودانية تطورات قانونية وأمنية مفصلية عقب صدور المرسوم الدستوري المؤقت رقم (7) لسنة 2026، وتعديل المادة (51/أ) من القانون الجنائي لسنة 1991، إلى جانب تشكيل «الآلية الوطنية المعنية برصد المحتوى وقيد الدعاوى».
التعديل الذي وسّع نطاق جريمة «إثارة الحرب ضد الدولة» لتشمل النشر عبر الوسائط الإلكترونية والإعلامية، يضع العمل الصحفي وتوثيق الانتهاكات في دائرة التجريم المباشر تحت عقوبات تصل إلى الإعدام والسجن المؤبد ومصادرة الأموال.
«التعديل يحول وسائل الإعلام والتواصل من أدوات للتعبير إلى وسائل ارتكاب مادية لجريمة تصل عقوبتها للإعدام.» رنا عبد الغفار
كما تمنح الآلية الوطنية جهات تنفيذية صلاحيات تتبع المحتوى وقيد الدعاوى نيابة عن الدولة، وهو ما يعده قانونيون تغولاً على الاختصاص الحصري للنيابة العامة وإخلالاً بضمانات المحاكمة العادلة وفصل السلطات.
وتتزامن هذه الإجراءات مع ظروف قاسية يمر بها الصحفيون داخل البلاد، تشمل الاعتقال والقتل. وتؤدي هذه الظروف إلى اضطرار الكثيرين لممارسة الرقابة الذاتية، وتحرم الجمهور والضحايا من معرفة حقائق الحرب وحقوقهم في المساءلة.
بدأت الخطوة التشريعية الأخيرة في التاسع عشر من أكتوبر عام 2026، عندما أصدر رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، المرسوم الدستوري المؤقت رقم (7)، ونُشر في ملحق الجريدة الرسمية بالعدد (1982) ليدخل حيز النفاذ الفوري.
وتضمن المرسوم تعديلاً مشدداً على المادة (51/أ) من القانون الجنائي لسنة 1991 الخاصة بجريمة «إثارة الحرب ضد الدولة»، بإضافة عبارة «بما في ذلك النشر عبر الوسائط الإلكترونية أو الإعلامية».
تجريم النشر وتقييد الحريات
وبينما أوضحت وزارة العدل أن التعديل يهدف إلى حماية الأمن القومي ومواجهة المحتوى الإعلامي الداعم للمليشيات والتمرد، أعلنت نقابة الصحفيين السودانيين ومجموعات حقوقية، في مقدمتها «محامو الطوارئ»، رفضاً قاطعاً للتعديل. وحذرت النقابة والمجموعات الحقوقية من استغلال صياغته الفضفاضة لتجريم النشر الصحفي وتقييد الحريات الإعلامية.

في شرحها للأثر القانوني المترتب على هذا التعديل، تقول القانونية، رنا عبد الغفار عبد الرحيم لـ(عاين)، إن “الغرض الأساسي والخلفية السياسية والتشريعية للحكومة القائمة تمثلا في بسط رقابة شاملة وإعطائها صفة قانونية كاملة للسيطرة على الفضاءين الرقمي والإعلامي، وتجريم أي تأييد معنوي أو إعلامي لجهات تصنفها السلطة جهات متمردة أو محاربة.
هذا التعديل يواجه بطلاناً ومخالفة صريحة للالتزامات الدولية والدستورية للسودان؛ فالسودان طرف مصادق على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسيةالقانونية، رنا عبد الغفار
وتضيف رنا: أن “الهدف العملي كان سد ما اعتبرته حكومة الأمر الواقع ثغرة في النص القديم للمادة (51)، عن طريق تحويل منصات التواصل الاجتماعي والوسائل الإعلامية من وسائل للتعبير إلى وسائل ارتكاب مادية لجريمة تصل عقوبتها للإعدام أو السجن المؤبد”.
وبذلك، وبحسب رنا، أُدرج النشر غير المتوافق مع الرواية الرسمية أو ما يسمى بالتأييد الرقمي ضمن أفعال إثارة الحرب وتقويض النظام الدستوري.
ومن جانبها، توضح إيمان فضل السيد، مسؤولة الحريات بنقابة الصحفيين السودانيين، لـ(عاين)، أن الإشكال الأساسي في المادة (51) المعدلة يكمن في إضافة عبارة «النشر عبر الوسائط الإلكترونية أو الإعلامية» إلى نص يتصل بجريمة إثارة الحرب ضد الدولة.
مخاوف.. اتساع دائرة التجريم
وتبيّن مسؤولة الحريات بنقابة الصحفيين، أنه على الرغم من قصر هذه العبارة، فإن إدراج النشر ضمن جريمة ترتبط بعقوبات غليظة يثير مخاوف حقيقية من اتساع دائرة التجريم لتطال مواد صحفية أو منشورات يمكن تفسيرها كتأييد لأفعال مجرمة، حتى عندما يكون الغرض منها نقل الوقائع أو تحليل الأحداث أو توثيق الانتهاكات.
وتشير إيمان، إلى أن موقف النقابة ينطلق من أن هذه التعديلات تضر بمستقبل حرية الصحافة والتعبير، لا سيما في ظل ظروف الحرب وما ترتب عليها من تضييق على العمل الصحفي، وصعوبة الوصول إلى المعلومات، وتزايد المخاطر الميدانية التي تواجه الصحفيين.
ولا تفترض النقابة أن كل نشر أصبح جريمة، لكن الخطورة تكمن في عدم تحديد الحد الفاصل بين العمل الصحفي المشروع والفعل المجرم بشكل واضح، مما يتيح تفسيرات واسعة وانتقائية تضع الصحفي تحت تهديد الملاحقة الجنائية المستمرة بسبب ما ينشره، كما أكدت مسؤولة الحريات بالنقابة.

وعلى صعيد الواقع الميداني والظروف التي يعمل فيها الصحفيون، يوضح الكاتب والصحفي عبد الله رزق، في حديثه لـ(عاين)، أن الحرب الجارية تشكل في حد ذاتها انتهاكاً فادحاً لحقوق الإنسان، وأن السياسات والإجراءات الصادرة عن طرفي النزاع تمثل امتداداً لهذه الحرب وتستهدف الحريات الديمقراطية.
وينبه رزق، إلى أن الصحفيين المتواجدين داخل السودان يعملون في ظروف قاسية للغاية للوفاء بمهامهم، وسط غياب الحريات وتزايد التهديدات والمضايقات، فضلاً عن الانقطاع المتواصل للكهرباء والإنترنت وغياب التسهيلات الأساسية للعمل.
خناق على الصحافة
ويرى رزق أن التشريعات الأخيرة جاءت لتستكمل منظومة القهر والكبت التي تحاصر الصحفيين، الذين يواجهون المنع من العمل والاستدعاء والحبس التعسفي بشكل متكرر.
وتوضح المحامية رنا عبد الغفار، إن هذا التعديل يواجه بطلاناً ومخالفة صريحة للالتزامات الدولية والدستورية للسودان؛ فالسودان طرف مصادق على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية منذ عام 1986، ويخالف التعديل الجديد المادة (19) من هذا العهد لسببين رئيسيين.
وتشرح رنا، أن السبب الأول هو انعدام الوضوح واليقين التشريعي، لأن الصياغة الفضفاضة تدمج بين العمل الصحفي التوثيقي وإثارة الحرب، مما يتيح التفسير السلطوي والتقديري. أما السبب الثاني، بحسب رنا، فهو خرق مبدأ التناسب والضرورة، إذ إن فرض عقوبة الإعدام أو المصادرة الشاملة للأموال على أفعال النشر يعد إفراطاً تشريعياً وعقوبة غير متناسبة بموجب المعايير الدولية، ويؤدي إلى إيجاد بيئة من الخوف تعطل العمل الصحفي المستقل.
وتشير المحامية رنا عبد الغفار أيضاً إلى أن التعديل يتناقض مع المادة (9) من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، وإعلان المبادئ بشأن حرية التعبير والوصول إلى المعلومات في أفريقيا لعام 2019.

كما توضح أن التعديل ينتهك وثيقة الحقوق في الدستور الانتقالي السوداني والوثيقة الدستورية لعام 2019 ودستور 2005، التي كفلت جميعها حرية التعبير وحظرت الرقابة القبلية والقيود غير الضرورية. وتؤكد رنا أن النص المعدل يخالف قواعد التفسير الدستوري الواردة في قانون تفسير القوانين والمبادئ العامة لسنة 1974، الذي يوجب تفسير القوانين الفرعية بما يتفق مع الدستور والاتفاقيات الدولية. وتضيف أن التعديل، لتهديده الحق في الحياة بعقوبة الإعدام في قضايا النشر، يقع في شق المخالفة الدستورية المباشرة.
الصحافة لا تطالب بحصانة من المساءلة، بل تطالب بالحماية من الملاحقات التعسفية والتمييز بين التحريض والتغطية المستقلةمسؤولة الحريات بنقابة الصحفيين، إيمان فضل السيد
وتحدد مسؤولة الحريات بالنقابة إيمان فضل السيد المخاطر الأساسية في اتساع الملاحقات القضائية المرتبطة بالنشر، وترسيخ الرقابة الذاتية، وإضعاف قدرة الصحفيين على جمع المعلومات والتحقق منها.
وتوضح أن الدور الصحفي أثناء الحرب لا يتوقف عند نقل التصريحات الرسمية والبيانات العسكرية، بل يرتكز على توثيق الانتهاكات بحق المدنيين، ورصد أوضاع النازحين، وكشف الانتهاكات ضد النساء والأطفال، والتحقيق في الوقائع التي يسعى المتورطون لإخفائها.
وتلفت إلى أن استهداف الصحفي بسبب توثيق انتهاك أو نقل شهادة ضحية يحرم الجمهور من المعرفة ويمنع الضحايا من إيصال أصواتهم للمطالبة بالعدالة والمساءلة.
إضعاف الصحافة المستقلة
كما تحذر إيمان فضل السيد من الأثر التراكمي لهذه الإجراءات على المؤسسات الإعلامية، التي قد تلجأ لحذف موضوعات حساسة أو تجنب التحقيقات الأمنية والعسكرية خشية التعرض للملاحقات الجنائية أو التدابير الإدارية. وترى أن ذلك يضعف الصحافة المستقلة ويترك المجال للشائعات والمعلومات غير الدقيقة.
وتؤكد مسؤولة الحريات أن الصحافة المهنية لا تطالب بحصانة من المساءلة القانونية، بل تطالب بالحماية من الملاحقات التعسفية، داعية إلى التمييز بين التحريض والمشاركة الفعلية في أفعال مجرمة بأركانها القانونية، وبين التغطية الصحفية المستقلة التي تنقل الوقائع وتنتقد السلطات.
التشريعات الجديدة تستهدف إرهاب الإعلاميين، ولا مخرج حقيقي من الوضع المأساوي إلا بوقف الحرب وإشاعة الحرياتالكاتب والصحفي عبد الله رزق
ويشير الكاتب والصحفي عبد الله رزق، أن معاداة طرفي الحرب للإعلام وعدم التعاون مع الإعلاميين يعوقان الحصول على المعلومات الصحيحة أو التأكد من صحتها. كما يلفت إلى أن الحرب دمرت مقار المؤسسات الإعلامية، ودفعت الصحفيين إلى التشرد والنزوح في الملاجئ ومراكز اللجوء أسوة بغيرهم من المواطنين، مما فرض عليهم التغطية المعقدة للأحداث من مواقع بعيدة عن مسارحها الميدانية.
ويؤكد رزق، أن استصدار تشريعات جديدة ضد الصحافة من قبل طرفي الحرب يستهدف إرهاب الإعلاميين، وزيادة الكبت والتضييق على العاملين في هذا المجال، لمنع المواطنين من الحصول على حقائق الأوضاع والمخاطر المحدقة بهم.
وحول قرار تشكيل «الآلية الوطنية المعنية برصد المحتوى وقيد الدعاوى»، تبين المحامية رنا عبد الغفار أن خطورة هذا القرار تكمن في منح آلية إدارية وتنفيذية سلطة رصد الفضاء الرقمي وتتبع المحتوى وتكييفه، ثم الشروع تلقائياً في قيد البلاغات والملاحقة القضائية نيابة عن الدولة.
وتشدد رنا، على أن منح جهاز تنفيذي هذه الصلاحيات يعد تغولاً صريحاً على استقلالية النيابة العامة بصفتها الجهة العدلية الحصرية لتمثيل المجتمع وتحريك الدعوى الجنائية، وهو ما يخل بمبدأ الفصل بين السلطات ويهدر ضمانات المحاكمة العادلة من خلال وضع الاتهام بيد جهة غير محايدة.
مسارات
وفيما يتعلق بالمعالجات والمسارات المقترحة، تقدم المحامية رنا عبد الغفار عبد الرحيم ثلاث توصيات رئيسية. الأولى هي وجوب تضييق التفسير القضائي من قبل المحاكم والنيابات، عبر التمييز القاطع بين «القصد الجنائي الخاص» الذي يتطلب نية حقيقية لتدبير عمل عسكري أو تقديم دعم لوجستي لإثارة الحرب، وبين «الركن المادي للعمل الصحفي» المقتصر على نقل الحقائق والانتهاكات. والتوصية الثانية هي مناهضة التعديل من خلال تقديم طعون قانونية بعدم دستورية المادة (51) لمخالفتها وثيقة الحقوق والاتفاقيات الدولية المصادق عليها منذ 1986. أما التوصية الثالثة فهي حماية العمل المهني بتكثيف النشر الصحفي من الخارج، والتنسيق مع المنظمات الدولية لإلزام الدولة بإنفاذ المعاهدات الدولية التي أصبحت جزءاً من تشريعها الداخلي.
وتؤكد رنا أن توثيق النزاع لا يعد جريمة إلا إذا اقترن بدليل قاطع على التحريض المباشر على العنف الجسدي واستعمال السلاح وقتل المدنيين أو تدمير بنية الدولة.

وفي ضوء هذه التحديات الجسيمة، تخلص إيمان فضل السيد إلى تأكيد خمسة مطالب أساسية ترفعها نقابة الصحفيين السودانيين لحماية حرية الصحافة، تشمل الإلغاء الفوري والتام للتعديل المدخل على المادة (51) من القانون الجنائي لسنة 1991، وإلغاء قرار تشكيل الآلية الوطنية المعنية برصد المحتوى لإنهاء تغولها على صلاحيات النيابة العامة.
وتتضمن المطالب أيضاً مراجعة قانون جرائم المعلوماتية وإلغاء النصوص المقيدة للحريات، والوقف الفوري للتدخلات الرسمية في العمل التحريري مع ضمان استقلالية المؤسسات وحظر احتجاز الصحفيين وإخضاع أي إجراء لرقابة القضاء المستقل.
مسؤولة الحريات بنقابة الصحفيين تختتم بالدعوة إلى تحرك عاجل من كافة المنظمات الحقوقية والنقابات المهنية والهيئات الدولية لمتابعة هذه الانتهاكات والتضامن الفعال لضمان حماية الإعلاميين وحق المجتمع في معرفة الحقيقة.
أما الصحفي عبد الله رزق فيشدد على أن الخروج من هذا الوضع المأساوي وتوفير ضمانات حقيقية لحرية الصحافة لا يمكن أن يتحقق إلا بوقف الحرب وتحقيق السلام وإشاعة الحريات.
ويعتبر رزق أن وجود كيانات مدافعة عن الصحفيين، مثل نقابة الصحفيين والمنظمات الحقوقية، يشكل ملجأً مهماً لمواجهة هذه الهجمة على حرية الصحافة والمنصات الإلكترونية، والتضامن داخل البلاد وخارجها للحد من الهجمات الممنهجة وضمان حرية الإعلام كجزء أساسي من حقوق الإنسان.



























