وادي حلفا.. مدينة تُقاوم الإهمال على هامش “شريان العبور”

عاين- 19 أكتوبر 2026
تستطيع الشابة آمنة الإمام أن تخطو خطواتها بثقة بشوارع مدينة وادي حلفا عند العاشرة ليلاً، دون أن يخالجها خوف من نهب أو تفلت أمني. فالمدينة الحدودية القابعة في أقصى الشمال السوداني تمنح قاطنيها والوافدين إليها أماناً استثنائياً. لكن هذا الطمأنينة سرعان ما تتلاشى خلف أبواب المنازل، لتصطدم بوقع أزمة معيشية وسكنية طاحنة تواجه السكان في أبسط مقومات بقائهم.
في الحي الذي تقطنه آمنة، تعيش أسرة نازحة مكونة من أكثر من سبعة أفراد، بينهم أطفال صغار، داخل صالون تجاري واسع. الصالون المصمم على هيئة قاعة طويلة، يفتح بابه المباشر على الشارع العام، دون أن تحيطه أسوار حماية أو حوش خارجي. ومقابل هذه المساحة غير المهيأة للإقامة الآدمية، تضطر الأسرة لدفع 150 ألف جنيه سوداني شهرياً للمالك، بعدما فضّت السلطات المحلية دور الإيواء المؤقتة في المنتزهات والكليات قبل أشهر، مبعثرة شمل عشرات الأسر التي باتت مصيدة سهلة لجشع سوق العقارات.
تقول آمنة لـ (عاين): “في ولاية أخرى، لا أعتقد أن شخصاً يمكن أن يقيم في صالون مفتوح على الشارع مع أطفاله، لكن الأمان هنا يسمح بذلك. إلا أن المشكلة الحقيقية تكمن في الاستغلال البشع للحاجة؛ فالإيجارات أصبحت غير آدمية، وتلتهم كل ما تملكه الأسر”.
انسداد الأفق وحصار الفرّيشة
لا تقف حدود المعاناة في وادي حلفا عند حدود الجدران والمأوى؛ إذ تواجه النساء والفتيات انسداداً هيكلياً في آفاق التعليم والعمل. فالمستقبل الأكاديمي للفتيات يتوقف تماماً عند أعتاب المرحلة الثانوية نتيجة خلو المحلية من المعاهد المهنية أو مؤسسات التعليم العالي، مما يجبر عشرات البنات على المغادرة نحو مدن أخرى يخضن فيها تحديات جديدة.

جانب من مدينة وادي حلفا

أما من يحاولن كسر هذا الطوق عبر العمل الحر، فيصطدمن بواقع معقد؛ إذ تتردى مداخيل التاجرات بسبب التضخم المتسارع، بينما تتعرض بائعات الشاي والأطعمة الشعبية (“الفريشة”) في سوق المدينة، وعلى ضفاف البحيرة لملاحقات وتعديات متكررة من سلطات المحلية، وصلت في أحيان كثيرة إلى توقيفهن إدارياً بسبب مخالفات تتعلق بأوقات العمل -بحسب آمنة- التي تضيف: أن” هذا الضغط يترافق مع تراجع كامل لدعم المنظمات الإنسانية؛ إذ توقفت المبادرات التدريبية والتموينية الخاصة بالنساء، كمنظمة قادرة، منذ عدة أشهر، لتقتصر التدخلات على ورش متقطعة تدوم يوماً أو يومين، ثم تغادر دون ترك حواضن داعمة ومستدامة.
في المقابل، يرسم محمد سليم، وهو شاب وعضو في لجان المقاومة والعمل الشعبي بالمدينة، صورة متطابقة لواقع الشباب الذي يتأرجح بين الجمود والأمل المحدود. فمع انعدام المشاريع الإنتاجية والصناعية، انحصرت فرص العمل المتاحة في أنشطة الهامش، أو العمل المؤقت في قطاع النقل والتخليص الجمركي المرتبط بالمعابر الحدودية.
يقول محمد: “فرص بناء مستقبل مستقر من زواج أو امتلاك سكن تكاد تكون منعدمة، والأوضاع الاقتصادية ألقت بظلال ثقيلة جعلت الكثيرين عاجزين عن إعالة أنفسهم. أصبحت الهجرة نحو مصر الخيار الاضطراري الأبرز، مما يسبب نزيفاً مستمراً للطاقات التي تحتاجها المدينة”.
صدمة القرار وإغلاق «أشكيت»
هذا الارتهان المطلق للاقتصادات الهشة تجلى بصورة دراماتيكية في أكتوبر 2026؛ ففي الأول من الشهر الجاري، بدأت السلطات الحكومية في تطبيق قرار رسمي يقضي بـ “وقف الاستيراد الشخصي” وفرض جبايات وجمركة باهظة. ولم يكن هذا القرار مجرد إجراء إداري عابر، بل كان بمثابة قطع مباشر لشريان الحياة الوحيد لنحو 3,000 عامل ومخلص جمركي وحمّال يعتمدون على حظيرة عفش الركاب لمعاشهم اليومي.

حلفا
تُظهر الصورة مسارات قطارات مهجورة بالمدينة

ورداً على هذا القرار، دخل العمال والمخلصون وأصحاب الشاحنات في إضراب عام واعتصام مفتوح ابتداءً من صباح الأحد 11 أكتوبر 2026، أدى إلى إغلاق الحظيرة الجمركية وطريق الصادرات بمعبر «أشكيت» الحدودي بشكل كامل. وتوقفت حركة الشاحنات والتجارة بين السودان ومصر، وتكدست مئات الشاحنات على طول الطريق البري.
ولم تنفرج هذه الأزمة إلا عقب أسبوع من الشلل الاقتصادي، حين وصل والي الولاية الشمالية وتعزيزات شرطية إلى حلفا، ليُعقد اجتماعاً حاسماً بحضور اللجنة الأمنية، والقنصل العام المصري، ورئيس المجلس الأعلى لأهالي وادي حلفا صبحي جمبلان. وأسفر الاجتماع في 16 أكتوبر عن تسوية قضت بالسماح بدخول الشاحنات وفق التسويات القديمة، وانسياب المواد الغذائية، مع إعطاء وعود بالإسراع في إعلان وادي حلفا “منطقة حرة”.
يرى محمد سليم، أن هذه الأزمة الأخيرة كشفت بوضوح البنية التحتية العقيمة التي تُدار بها المدينة. ويضيف: “تُعامل وادي حلفا كـ ‘محطة عبور’ جمركية وإيرادية للدولة فقط. الإيرادات الضخمة التي تُجنى من المعبر والتعدين تُسحب بالكامل نحو الخزينة المركزية، دون أن يترك منها حصة عادلة لتطوير المستشفى، أو إصلاح شبكات المياه، أو بناء مجتمع منتج ومستدام”.
مأساة على الحدود وإرث الصمود
على أطراف هذا المعبر الشرياني، تتكشف مأساة إنسانية صامتة بعيدة عن أضواء التجارة والجمارك. فيومياً، يستقبل معبرا «أشكيت» و«أرقين» مئات العابرين من مصر، بين عائدين عودة طوعية ومُرحّلين قسرياً. وتصل حافلات المُرحّلين عبر معبر أشكيت لتفرغ ركابها في العراء دون توفير استراحات مجهزة أو نقطة اتصال هاتفي تتيح لهم إبلاغ ذويهم.
تصف آمنة الإمام هذا المشهد بقولها: “رأيت الناس يصلون منهكين للغاية، ولا يجدون مكاناً للراحة. المُرحّلون قسرياً يُنزَلون هنا، ويُتركون لمصيرهم دون أن تهتم بهم أي جهة حكومية أو منظمة إنسانية، فيضطرون للمبيت في العراء والتوسل للحصول على وسيلة تواصل لإرسال المال لهم”.

شاب من مدينة وادي حلفا ينظر إلى المدينة من قمة جبلية

هذا التخلي المؤسسي المتكرر ليس جديداً على وادي حلفا، بل هو امتداد لذاكرة تاريخية من الصمود الأهلي تشكلت منذ ستينيات القرن الماضي. يروي الأستاذ حسن عبد الله لـ(عاين)، وهو أحد سكان المدينة الذين شهدوا مأساة غمر حلفا القديمة عقب اتفاقية مياه النيل عام 1959 وبناء السد العالي، كيف استيقظ صغاراً في ليلة حالكة ليجد المياه تغمر البيوت وتقتحم النخيل، بينما كبار السن يهرعون لنقلهم فوق الجبال.
وعقب تهجير أسر كثيرة إلى حلفا الجديدة شرقي السودان عام 1964، اختارت أسرة حسن مع مجموعة من الأهالي الانحياز لخيار “الصمود والبقاء” في الريف القريب. ويسترجع تلك الأيام قائلاً: “عشنا في رواكيب من قش وفلنكات السكة حديد المهترئة. كنا نشتري برميل الماء بـ”عشرة قروش” بعد أن أوقفت الحكومة القطار وقطعت عنا كل شيء. وبنينا المدارس الابتدائية بنظام الدوامين بشح الإضاءة، وشيّدنا مستشفانا المحدود لمواجهة لسعات العقارب. لقد بنينا مدينة الصمود بأيدينا من لا شيء”.
اليوم، تتقاطع ذاكرة صمود جيل 1964 مع معاناة النازحين والشباب في 2026؛ فكلاهما يواجه النمط ذاته من الإهمال الحكومي الذي ينظر إلى حلفا بوصفها جغرافية عبور وثغراً جمركياً، لا مجتمعاً إنسانياً يستحق التنمية والعدالة. وبينما تواصل الشاحنات التجارية عبور الحدود حاملة البضائع بالمليارات، يظل سكان حلفا ووافدوها ينتظرون سكناً كريماً، ومعقلاً تعليمياً للبنات، وأفقاً يضمن للشباب ألا تكون الهجرة هي طريقهم الوحيد للبقاء.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *