“حرب أخرى تحت الأرض”.. الذهب يُشعل (كاودا) والنيل الأزرق

عاين- 30 سبتمبر 2026

لم تعد المعارك التي تدور في إقليم النيل الأزرق، على الحدود مع إثيوبيا، تدور فقط حول السيطرة على المدن والطرق والمواقع العسكرية، ففي هذا الإقليم، حيث تتقدم قوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية – شمال بقيادة جوزيف توكا، تتقاطع خطوط القتال مع مناطق غنية بالموارد الطبيعية، وفي مقدمتها الذهب، والحال نفسه في إقليم جبال النوبة على وقع الاقتتال الداخلي في هيبان وكاودا بمناطق سيطرة الحركة الشعبية قيادة عبد العزيز الحلو، الأمر الذي يفتح جبهة أخرى من الصراع حول الأرض وما تختزنه من ثروات.

وخلال الأشهر الأخيرة، انتقل القتال في جنوب النيل الأزرق إلى مرحلة أكثر حدة، مع تمدد قوات التحالف في محافظتي قيسان والكرمك والمناطق المحيطة بهما، حيث أعلنت الحركة الشعبية في أغسطس الماضي السيطرة على قيسان، فيما شهدت الكرمك جولات متلاحقة من القتال وتبادل السيطرة، قبل أن يعلن التحالف في وقت لاحق بسط نفوذه على مواقع جديدة فيها، وتزامن ذلك مع اشتباكات حول قواعد ومواقع عسكرية في مناطق بكوري وسوركم وغيرها، على امتداد الشريط الحدودي مع إثيوبيا.

لكن، هذه الجغرافيا العسكرية تحمل في داخلها بعداً اقتصادياً لا يقل أهمية، فمناطق قيسان والكرمك، إلى جانب مناطق أخرى جنوب وشرق النيل الأزرق، تضم مواقع للتنقيب الأهلي عن الذهب، بعضها يقع في مناطق جبلية ونائية يصعب وصول السلطات المدنية إليها، وتحولت خلال سنوات الحرب إلى مساحات تتداخل فيها أنشطة التعدين مع النفوذ العسكري والإدارة المحلية وحركة السكان والتجارة الحدودية. وكانت تقارير سابقة لـ(عاين) قد أشارت إلى تفاهمات محلية في بعض مناطق النيل الأزرق سمحت باستمرار عمليات التنقيب عن الذهب داخل مناطق تسيطر عليها الحركة الشعبية، بما خلق اقتصاداً موازياً تتقاطع فيه المصالح المالية مع السيطرة العسكرية.

وفق مصادر محلية تحدثت لـ(عاين) فإن مجموعات من الأطورو تتهم قيادة الحركة الشعبية والدعم السريع المتحالف معها بمحاولة السيطرة على أراضيها لغرض أنشطة التعدين، بينما اتهمت قيادة الحركة الفصيل الآخر بالتمرد على سلطتها

ولا تبدو هذه التطورات معزولة عن نمط بدأ يظهر في مناطق أخرى خاضعة لنفوذ الحركة الشعبية – شمال. ففي جبال النوبة، شهدت منطقتا هيبان وكاودا ومحيطهما خلال الأشهر الماضية صدامات بين جناح عبد العزيز الحلو ومجموعات من قبائل الأطورو، وسط خلافات حول ملكية الأراضي وترسيمها والسيطرة على مناطق التعدين. ووفق مصادر محلية تحدثت لـ(عاين) فإن مجموعات من الأطورو تتهم قيادة الحركة الشعبية والدعم السريع المتحالف معها بمحاولة السيطرة على أراضيها لغرض أنشطة التعدين، بينما اتهمت قيادة الحركة الفصيل الآخر بالتمرد على سلطتها.

ذهب بني شنقول تحت قبضة “تأسيس“

تتزامن السيطرة العسكرية لقوات تحالف تأسيس على أجزاء واسعة من جنوب النيل الأزرق مع إحكام قبضتهما على معظم مناطق تعدين الذهب في محافظتي قيسان والكرمك، وفق ناشطين ومصادر محلية تحدثت لـ(عاين)، في وقت تحولت فيه الموارد المعدنية إلى أحد أهم مصادر النشاط الاقتصادي في المنطقة.

قوات الدعم السريع والجيش الشعبي المتحالف معها تسيطر حالياً على جميع مناجم الذهب في محافظة قيسان، المعروفة تاريخياً بذهب بني شنقول

ويقول الناشط المجتمعي من أبناء النيل الأزرق، أشرف حسن، لـ(عاين)، إن “قوات الدعم السريع والجيش الشعبي المتحالف معها تسيطر حالياً على جميع مناجم الذهب في محافظة قيسان، المعروفة تاريخياً بذهب بني شنقول، إضافة إلى جزء كبير من مناطق التعدين في محافظة الكرمك”.

ويوضح أشرف، أن أبرز مناطق تعدين الذهب في الكرمك تقع في مفو، وجبل جرط، والزريبة، وخور البودي، ومقف، وشالي الفيل، ويابوس، بينما تبقى منطقة بولنق، بحسب إفادته، الموقع الوحيد الذي توجد فيه مناجم تعدين بالمنطقة وما زال تحت سيطرة القوات الحكومية.

ويشير أشرف إلى أنه في قيسان، امتدت السيطرة على مواقع التعدين إلى مناطق أدي، ومحيط مدينة قيسان، وخور الذهب، وبلمنقو، والديم، إضافة إلى المناجم الواقعة حول بكوري وإلياس، وفق حسن، الذي يرى أن هذه السيطرة تمنح التحالف العسكري نفوذاً على مورد اقتصادي رئيسي في جنوب الولاية.

عامل في مصنع تعدين ذهب بولاية جنوب كردفان

وتكشف إفادات من عاملين في التعدين عن حجم الإنتاج في هذه المناطق. وبحسب مصادر من المعدنين، تحدثوا لـ(عاين) فإن سوق بكوري وحده ينتج أكثر من 100 كيلوغرام من الذهب شهرياً، وهي كمية تعكس، وفق المصادر، الأهمية الاقتصادية لمناطق التعدين التي باتت تقع في معظمها تحت سيطرة التحالف.

غير أن الذهب، وفق ناشطين من المنطقة، لم يكن مورداً تستفيد منه المجتمعات المحلية بصورة مباشرة طوال السنوات الماضية. ويقول أشرف: “إنتاج الذهب في النيل الأزرق ظل لفترات طويلة واقعاً تحت سيطرة أفراد وشركات أمنية والشركة السودانية للموارد المعدنية، بينما لم يظهر أثر عائداته بصورة واضحة في موازنة الإقليم، باستثناء بعض المشروعات المحدودة التي نفذتها شركات التعدين في إطار المسؤولية الاجتماعية، ومنها مشروع مياه ود الماحي”.

ومع اتساع نطاق الحرب، تبدو السيطرة على هذه المناجم اليوم مرتبطة بصورة أكبر بالسيطرة على الأرض وطرق الحركة والأسواق المحلية. فالمناجم التي كانت في السابق مصدر رزق لآلاف المعدنين والتجار والسكان المحليين أصبحت تقع داخل جغرافيا عسكرية متحركة، تسيطر عليها قوى مسلحة متنافسة، ما يثير مخاوف من أن تتحول عائدات الذهب نفسها إلى مورد جديد لتمويل الصراع وتعزيز نفوذ الأطراف المسلحة.

ذهب جديد ونزاع قديم

وفي جبال النوبة، سبقت السيطرة على مناطق التعدين مواجهات بين الحركة الشعبية – شمال ومكونات قبلية محلية، كان أبرزها الصدام مع قبيلة أطورو في منطقة كاودا ومحيطها منذ أبريل الماضي. ويقول بابكر محمد مضوي، وهو مهندس من أبناء المنطقة، لـ(عاين): إن “السبب الأساسي للمواجهات يعود إلى محاولة الجيش الشعبي إخلاء مكون أطورو من أراضيه، التي يقول إنها غنية بالذهب والموارد الطبيعية، وهو ما رفضه أبناء المنطقة، بمن فيهم أفراد من أبناء القبيلة يشغلون مواقع في قيادية بالجيش الشعبي، لتتطور الخلافات إلى مواجهات مسلحة بين الطرفين”.

المواجهات بين الجيش الشعبي ومكون أطورو الأهلي كانت حول المناطق التي توجد فيها مواقع للتعدين، من بينها هيبان، كمليلة، مندي، أم دولو، لويري، كمو، شيري، مدري، كربلاء، القماير، شاوري، دوولي ونامولي

وبحسب بابكر، فإن الحركة الشعبية كانت تسعى إلى إخلاء أطورو وإدخال أفراد من قبيلة الشواية إلى المنطقة، بما يسمح – على حد تعبيره – بفتح المجال أمام شركات مرتبطة بالحركة الشعبية وقوات الدعم السريع للعمل في تعدين الذهب. مضيفاً أن “استخراج الذهب في مناطق الحركة الشعبية يخضع لقيود صارمة، إذ يُمنع، بحسب إفادته، إخراج الذهب من مناطق الإنتاج إلا عبر شركات تابعة لقيادات الحركة أو شركات أخرى متحالفة معها، بينما تذهب عائدات الإنتاج بصورة أساسية إلى تلك الجهات”.

وتتحدث مصادر من المعدنين في المنطقة عن حجم إنتاج مرتفع، قد يتراوح، بحسب تقديراتها، بين 500 إلى 750 كيلوغراماً من الذهب شهرياً. ولم يكن ممكنا لـ(عاين) التحقق بصورة مستقلة من هذه التقديرات، في ظل صعوبة الوصول إلى مناطق التعدين الخاضعة لسيطرة الحركة الشعبية والقيود المفروضة على حركة المعدنين والتجارة فيها.

ويشير بابكر، إلى أن المواجهات بين الجيش الشعبي ومكون أطورو الأهلي كانت حول المناطق التي توجد فيها مواقع للتعدين، من بينها هيبان، كمليلة، مندي، أم دولو، لويري، كمو، شيري، مدري، كربلاء، القماير، شاوري، دوولي ونامولي، ما يعزز، بحسب روايته، المخاوف من ارتباط الصراع بالسيطرة على مناطق الذهب والموارد الطبيعية.

لكن هذه الرواية لا تحظى بإجماع أبناء المنطقة، إذ يقول منعم حسن، وهو ناشط سياسي من أبناء جبال النوبة، لـ(عاين): إن “الصراع بين المكونات القبلية في المنطقة لا علاقة له بالذهب”، مشيراً إلى أن جذوره تعود إلى ما قبل ظهور الذهب بهذه الكثافة، والتي يقول إنها بدأت منذ عام 2008، وأن “أساس الخلاف يتعلق بترسيم الحدود بين المكونات القبلية ومناطق نفوذها”.

ويضيف منعم، أن قيادات في الجيش الشعبي أسهمت في إشعال المواجهات، بحسب روايته، من خلال استخدام نفوذها وعتادها وقواتها في الصراع المحلي، معتبراً أن تحويل النزاع إلى مواجهات مسلحة أدى إلى توسيع نطاق الأضرار التي لحقت بالسكان.

ولا يرى منعم، أن الذهب يمثل المحرك الأساسي لهذه المواجهات، لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن توقيت القتال كان أكثر خطورة على السكان، إذ اندلعت الاشتباكات خلال موسم الزراعة، ما أدى إلى تعطيل النشاط الزراعي وتهديد مصادر الغذاء في المنطقة. ويحذر من أن استمرار التوترات ومنع المزارعين من الوصول إلى مناطق الزراعة قد يدفع المنطقة نحو أزمة غذائية ومجاعة، في وقت يواجه فيه السكان أصلاً ظروفاً إنسانية واقتصادية شديدة الصعوبة.

مكسب ما بعد السيطرة

ويرى المحلل الاقتصادي أحمد بن عمر، في حديثه لـ(عاين)، أن السيطرة على مناطق إنتاج الذهب يمكن أن تمنح القوات المسيطرة مكسباً اقتصادياً إضافياً، لكنه لا يعتبر الذهب هدفاً رئيسياً أو مباشراً للعمليات العسكرية، بل هدفاً ثانوياً يأتي ضمن حسابات السيطرة الأوسع على الأرض والموارد.

ويقول بن عمر: إن “الذهب في هذه الحالة يمكن أن يصبح جزءاً من حسابات ما بعد السيطرة، إذ إن إحكام النفوذ على المناطق الغنية بالموارد يفتح المجال أمام الاستفادة الاقتصادية منها، سواء عبر التعدين أو التحكم في حركة الإنتاج والتجارة.”

تقطير الذهب من التربة في عملية “المخلفات” أو “الكرتة” في ولاية نهر النيل (عاين)

لكن قدرة أي طرف على تحويل السيطرة العسكرية إلى إنتاج منتظم للذهب تظل، بحسب بن عمر، محدودة بفعل طبيعة الحرب نفسها. مبيناً أن مناطق التعدين الأهلي في مختلف ساحات القتال لا يمكن ضمان استمرار النشاط التعديني فيها بصورة منتظمة، لأنها معرضة لهجمات الطائرات المسيّرة وغيرها من المخاطر المرتبطة بالعمليات العسكرية، ما يجعل وجود السيطرة على الأرض مختلفاً عن القدرة الفعلية على تشغيل المناجم والاستفادة المستقرة من إنتاجها.

ويضع حديث بن عمر السيطرة على مناطق الذهب ضمن سياق أوسع للصراع على الموارد، حيث قد لا يكون التعدين هو الدافع المباشر للعمليات العسكرية، لكنه يمكن أن يتحول إلى مورد اقتصادي مهم للطرف الذي ينجح في تثبيت نفوذه على الأرض وتأمين طرق الإنتاج والتجارة.

سوابق لصراعات مشابهة

ولا تبدو المواجهات التي تدور اليوم حول مناطق التعدين في النيل الأزرق وجبال النوبة سابقة معزولة في السودان. ففي دارفور، تحولت مناطق الذهب والموارد المعدنية في أوقات سابقة إلى ساحات للصراع بين المكونات المحلية والقوى المسلحة، وكان جبل عامر أحد أبرز الأمثلة. ففي عامي 2013 و2014 اندلعت مواجهات عنيفة بين قبيلتي بني حسين والرزيقات حول المنطقة ومناجم الذهب فيها، قبل أن تنتقل السيطرة على المنجم لاحقاً إلى قوات مرتبطة بالدعم السريع، لتصبح المنطقة أحد أهم الأمثلة على تداخل السيطرة العسكرية مع اقتصاد الذهب.

وفي أقصى جنوب دارفور، تحمل حفرة النحاس تاريخاً آخر من الصراع حول الأرض والموارد، فالمنطقة، التي تضم رواسب للنحاس والذهب ومعادن أخرى، ظلت لسنوات جزءاً من نزاع حدودي بين دارفور وبحر الغزال في جنوب السودان، قبل أن تصبح لاحقاً منطقة مهمة للتعدين الأهلي والنشاط الاقتصادي العابر للحدود.

ومع الحرب الحالية، اكتسبت حفرة النحاس ومناجم سنقو بجنوب دارفور أهمية أكبر، بعد وقوعهما ضمن مناطق تخضع لنفوذ قوات الدعم السريع، وارتباطهما بشبكات التعدين والتجارة العابرة للحدود. وتشير تقارير حديثة إلى أن المنطقة تضم مواقع إنتاج للذهب، وأن السيطرة عليها أصبحت مرتبطة أيضاً بطرق الحركة والإمداد والتجارة مع جنوب السودان وأفريقيا الوسطى.

وتكشف قصة حفرة النحاس، إلى جانب ما حدث في جبل عامر، أن التنافس على الموارد في السودان لا يبدأ بالضرورة من الذهب وحده، ولا ينتهي عند المنجم. فقد تتداخل ملكية الأرض، والحدود القبلية، والنفوذ العسكري، وحركة المعدنين والتجارة، لتجعل مناطق التعدين نقاطاً حساسة قابلة للتحول إلى ساحات مواجهة.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *