حوار/ وزير الري الأسبق لـ(عاين): غياب التنسيق حول سد النهضة يَضُرُّ بالسودان
عاين- 31 أغسطس 2026
ظل ملف المياه في السودان، يثير الكثير من الأسئلة بشأن الأمن المائي بعد تشغيل إثيوبيا لسد النهضة وما أعقبه من تغيرات كبيرة على نهر النيل الأزرق، والنيل الرئيسي وصولا إلى مصر، وما بين فيضانات غير متوقعة وانحسار مياه في السودان، وفقدان السلطات المختصة قدرتها على التحكم في المياه وتشغيل السدود السودانية؛ أصبحت هذه التحولات واقعًا ماثلاً، بسبب الإدارة الأحادية من الجانب الإثيوبي. شبكة (عاين) طرحت على وزير الري والموارد المائية الأسبق، د. ياسر عباس، فكانت هذه الحصيلة من الإجابات على الأسئلة حول المياه في السودان وتأثيرات سد النهضة الإيجابية والسلبية.
______________________________________
منذ إعلان سد النهضة، قيل إن السودان سيكون من أكبر المستفيدين من حيث تنظيم تدفقات النيل الأزرق، وتقليل الفيضانات والطمي، وتحسين الري، والحصول على كهرباء رخيصة. بعد اكتمال الملء وبدء التشغيل، إلى أي مدى تحققت هذه الفوائد فعلياً؟ أم أن معظم الوعود بقيت دون ترجمة على الأرض؟ وأين أخطأت الخرطوم في حساباتها؟
تحققت بعض الفوائد للسودان إلى حد ما، مثل زيادة التوليد الكهربائي في خزاني الروصيرص ومروي، وتقليل الفيضانات والطمي. لكن في المقابل، كانت هناك خسائر، منها خروج محطات مياه الشرب عن الخدمة في يوليو 2020 ويوليو 2026 وكذلك فيضانات غير متوقعة في سبتمبر 2025 تسببت في خسائر كبيرة لزراعة الجروف على النيل الأزرق والنيل الرئيسي.
لا أعتقد أن حسابات الخرطوم كانت خاطئة؛ لأنها أوضحت منذ البداية أن فوائد السودان مشروطة بتوقيع اتفاق قانوني لتبادل البيانات والتنسيق بين سدي النهضة و الروصيرص. وفي غياب ذلك قد تحدث مفاجآت سيكون ثمنها غاليا على السودان.
كيف غيّر سد النهضة نظام تدفق النيل الأزرق داخل السودان؟ وما أهم الآثار الإيجابية والسلبية لهذا التغيير على إدارة المياه والسدود والزراعة؟
يعمل سد النهضة على تنظيم جريان النيل الأزرق بتخزين مياه الفيضان من يوليو إلى أكتوبر، لاستخدامها في توليد الكهرباء خلال بقية الشهور. كما لاحظ المواطنون على ضفاف النيل الأزرق والنيل الرئيسي انحسار المياه هذه الأيام وظهور الجزر الرملية بخلاف ما كان يحدث قبل سد النهضة حين كانت مياه الدميرة تغمر مساحات كبيرة من مجرى النهر. في المقابل، لن تنحسر المياه في شهور التحاريق (يناير إلى مايو) محافظة على نفس المستوى طوال العام. هذا الانتظام في جريان النهر يعمل على زيادة التوليد الكهربائي وفرص زيادة المساحات المروية كما يعمل على تقليل الفيضانات و الاطماء. أما أهم الآثار السالبة تتمثل في مخاطر تشغيل الروصيرص من غير اتفاق قانوني لتبادل المعلومات بما قد يهدد سلامة السد. ومن الآثار السلبية أيضا نقصان مساحة الجروف التي كانت تغمرها مياه الفيضان، والتي يمكن تحويلها لري مستديم (جنائن) عند معرفة تشغيل سد النهضة وفق اتفاق قانوني وإلا ظل احتمال غمرها في المستقبل قائما.
هل أصبح السودان بعد سد النهضة أكثر قدرة على إدارة مياهه أم أكثر اعتماداً على قرارات التشغيل الإثيوبية، خصوصاً في ظل غياب تبادل منتظم وملزم للبيانات؟
بالتأكيد أكثر اعتمادا على قرارات التشغيل الإثيوبية خاصة في ظل غياب تبادل المعلومات. وقد تسبب ذلك فعليا بانحسار المياه عن بعض محطات مياه الشرب في يوليو 2020 ويوليو 2026 وكذلك في فيضانات سبتمبر 2025 بعد افتتاح سد النهضة مباشرة، عندما غمرت المياه مزارع الجروف شمال الروصيرص، وفي النيل الرئيسي. وكان يمكن تفادي كثير من هذه الآثار بسهولة إن كان هناك تبادل منتظم للبيانات.
يعمل السودان على سد فجوة المعلومات باستخدام صور الأقمار الصناعية والنماذج الرياضية لتخفيف الآثار السالبة. ورغم النجاحات في هذا الجانب، ما زال الأمر يتطلب تحسين وسائل الرصد، وبناء قدرات الكوادر، وتعديل طرق تشغيل السدود السودانية خاصة في حالات الطوارئ. كما ينبغي تقوية الإدارات الفنية من خلال وزارة مختصة بالري والموارد المائية بدلا من بقائها إدارات ثانوية ضمن وزارة الزراعة والري.
ما أهمية التنسيق المباشر بين سد النهضة وسد الروصيرص؟ وما المخاطر التي قد تنشأ على السودان إذا حدثت تغييرات كبيرة أو مفاجئة في التصريفات من دون إخطار مسبق؟
التنسيق المباشر ضرورة قصوى للتشغيل الآمن لسد الروصيرص لسببين: (أولا: قرب المسافة بين السدين، يبعد سد النهضة 115 كلم من سد الروصيرص، ويقع على بعد 15 كلم فقط من الحدود السودانية الإثيوبية. وثانيا، الاختلاف الكبير في حجم السدين، فسعة سد النهضة 74 مليار متر مكعب مقابل 6 مليارات متر مكعب للروصيرص. لذلك فإن أي تغييرات كبيرة أو مفاجئة قد لا يستطيع الروصيرص استيعابها بالسرعة المطلوبة.
ولهذا أصر السودان منذ البداية على ضرورة توقيع اتفاق قانوني لتبادل المعلومات، كما معمول به في معظم أنهار العالم المشتركة التي تضم خزانات كبيرة، مثل الهند وباكستان، وكندا والولايات المتحدة، وحوض نهر النيجر وكثير من الأنهار الأخرى.
ما حقيقة تأثير سد النهضة على الزراعة ومشروعات الري في السودان؟ وهل الحديث المتكرر عن شح المياه في بعض المشروعات مرتبط بالسد؟
سد النهضة لا يؤثر بصورة مباشرة على مشروعات الجزيرة والرهد والسوكي، نسبة لتوفر المياه الكافية بعد تعلية سد الروصيرص عام 2012. لكنه قد يؤثر إيجاباً مستقبلاً عند التوسع في المساحات المروية، مثلاً بعد تنفيذ المرحلة الثانية من مشروع الرهد ومشروع كنانة.
أما مشاكل شح المياه الحالية في هذه المشروعات، فترتبط أساساً بتوزيع المياه داخل المشروع نفسه، ومدى جاهزية القنوات والمصارف. لذلك قد نجد مساحات تتعرض للعطش وأخرى للغرق في المشروع نفسه؛ أي أن المشكلة ليست في توفر المياه كمورد، وإنما في إيصالها بالمكان والزمان المطلوبين.

هل تستفيد كل مناطق السودان من سد النهضة بالطريقة نفسها؟ وما المناطق أو القطاعات التي يمكن أن تستفيد، وما الأنشطة التي قد تتضرر؟
تتأثر المناطق الواقعة على النيل الأزرق والنيل الرئيسي، سلباً وإيجاباً، بسد النهضة، ويشمل ذلك سدود الروصيرص وسنار ومروي، والمشروعات الزراعية، ومحطات مياه الشرب النيلية. كما تتأثر الملاحة النهرية وحركة البنطونات بتغير مناسيب النيل.
ومن الآثار الإيجابية تقليل مخاطر الفيضانات الكبيرة مثل فيضاني 1946 و1988، وتقليل تكلفة إزالة الإطماء من قنوات الري. وفي المقابل، قد تتضرر زراعة الجروف نتيجة تغير نمط الفيضان وغياب قواعد تشغيل منتظمة ومعلومة، كما أوضحنا أعلاه.
بعد أكثر من عقد من المفاوضات، ما المصالح الأساسية التي كان السودان يسعى لحمايتها في اتفاق سد النهضة؟
يسعى السودان لتوقيع اتفاق قانوني يضمن تبادل المعلومات لحماية سد الروصيرص والاستفادة من انتظام جريان المياه. وبالتوازي، يسعى إلى اتفاق ثلاثي حول بقية المسائل المعقدة في هذا الملف، بحيث يصبح سد النهضة وسيلة للتعاون تبادل المصالح بين الدول، وليس أداة للهيمنة المائية من أي طرف.
إلى أي مدى أدى تعثر المفاوضات إلى إضعاف قدرة الخرطوم على حماية مصالحها المائية والتفاوضية في ملف سد النهضة؟
اكتمال سد النهضة من دون توقيع اتفاق قانوني أضعف الموقف التفاوضي للسودان، وأصبح يتعامل مع السد كأمر واقع. لكن هذا لا يعني عجز السودان عن حماية مصالحه المائية، فالنيل الأزرق نهر مشترك تحكمه مبادئ وقواعد القانون الدولي، وفي مقدمتها الاستخدام المنصف والمعقول وعدم التسبب في ضرر ذي شأن للآخرين.
والسودان، مع إقراره بحق إثيوبيا في بناء سد النهضة، ظل يطالب بتبادل المعلومات لحماية سد الروصيرص، وهو مطلب لا ينتقص من أهداف سد النهضة أو قدرته على توليد الكهرباء.
بعد اكتمال بناء السد والملء، هل ما زال الاتفاق الثلاثي الشامل ضرورياً، أم أن الأولوية الواقعية الآن يمكن أن تكون لاتفاقات عملية حول تبادل البيانات، الإنذار المبكر، وتشغيل سد النهضة والروصيرص؟
يجدر القول إن هناك وثيقة اتفاق بين السودان وإثيوبيا تم تسريبها عبر الإعلام، لكنها لم تُعلن رسمياً من أي من الدولتين. وتتضمن الوثيقة معظم المتطلبات الفنية لتبادل المعلومات، لكنها تفتقر إلى البنود القانونية وآليات التنفيذ التي تضمن الالتزام بها في كل الظروف. وقد ظهر أثر ذلك في سبتمبر 2025، عندما فوجئ السودان بتصريفات عالية بعد افتتاح سد النهضة في 9 سبتمبر، وكذلك في الانخفاض المفاجئ في التصريفات مطلع يوليو من هذا العام.
لذلك ينبغي تطوير هذه الوثيقة إلى اتفاق قانوني ملزم يصمد أمام التقلبات السياسية. وتجربة اتفاقية مياه نهر السند بين الهند وباكستان توضح أهمية تحييد قضايا المياه حتى في أوقات التوتر والحروب. وبالتوازي، ينبغي مواصلة التفاوض الثلاثي حول القضايا المعقدة بما يضمن حقوق ومصالح إثيوبيا والسودان ومصر.
كما ينبغي للسودان تطوير وسائل الرصد الهيدرولوجي، خاصة باستخدام الأقمار الصناعية، وتحديث طرق تشغيل السدود السودانية للتعامل مع التغيرات غير المتوقعة، مع تدريب الكوادر على ذلك.
ماذا يحدث في سنوات الجفاف الشديد والممتد؟ ولماذا تظل قواعد تشغيل سد النهضة أثناء الجفاف من أهم القضايا بالنسبة للسودان ومصر؟
في سنوات الجفاف الشديد والممتد سينخفض التخزين بسد النهضة إلى مستويات متدنية جدا (منسوب 610 أو أقل إلى مستوى التخزين الميت) وكذلك السد العالي سينخفض إلى منسوب 160م أو أقل من ذلك إلى منسوب التخزين الميت. يعني ذلك أنه وبعد الجفاف مباشرة المطلوب ملء سدين ضخمين في الوقت نفسه، بوضع يشبة جزئيا ظروف الملء الأول.
وهنا تبرز أسئلة فنية شائكة: أي السدين يبدأ التعافي أولاً؟ وهل يمكن ربط تشغيل السد العالي بسد النهضة، بتحديد كمية المياه التي ينبغي تمريرها للمساهمة في استعادة تخزين السد العالي؟ وما موقع السودان في هذه الترتيبات؟ وكانت هذه من آخر النقاط الفنية الشائكة في المفاوضات. وكان مقترح السودان حينها، عندما كنت أعمل في هذا الملف حتى أكتوبر 2021 (حاليا أعمل كباحث في هذا المجال)، أن يُعَاد ملء سد النهضة وفق المعدل المعلن للملء الأول، بنحو 10 مليارات متر مكعب سنوياً.
أما الجفاف السنوي أي الذي يحدث في عام واحد، وليس لعدة أعوام متتالية مقدور عليه؛ لأن سد النهضة والسد العالي يمتازان بالتخزين لعدة سنوات بخلاف السدود السودانية الصغيرة نسبيا، والتي تُملأ وتفرّغ في عام واحد. وهذه إحدى فوائد سد النهضة للسودان في ظروف الجفاف، لكنها تظل مشروطة بتبادل المعلومات وتنسيق التشغيل.

في ظل الحديث عن خطط إثيوبية لإنشاء سدود إضافية على النيل الأزرق وروافده، بطاقة تخزينية قد تصل إلى نحو 140 مليار متر مكعب، هل نحن أمام تحول من قضية سد النهضة إلى منظومة سدود إثيوبية قد تعيد تشكيل تدفقات النيل بالكامل؟ وما الذي ينبغي أن يفعله السودان لمواجهة هذا الاحتمال؟
أتوقع أن تخضع أي سدود إثيوبية جديدة على النيل الأزرق لنفس المبادئ التي طُبّقت في ملف سد النهضة، باعتبار النيل الأزرق نهراً مشترك تحكمه قواعد القانون الدولي وهي الإخطار المسبق كما حدث للسودان في 2011 والتشاور كما حدث في اللجنة الفنية الثلاثية وتوقيع إعلان المبادئ في 2015 والتفاوض بعد ذلك.
صحيح أن التفاوض حول سد النهضة لم يكتمل حتى الآن، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن النيل الأزرق نهر مشترك بين عدة دول. وأن أي مشروعات مستقبلية ينبغي أن تراعي حقوق ومصالح الدول المتشاطئة. ويجدر أيضاً الإشارة إلى أن السدود الإثيوبية المقترحة تستهدف أساساً توليد الكهرباء، وليس التوسع الزراعي، بحكم الطبيعة الجبلية للهضبة الإثيوبية.
في ضوء التجربة منذ 2011 وحتى اليوم، ما السيناريو الأخطر على السودان خلال السنوات العشر المقبلة، وما السيناريو الأفضل؟ وما الذي ينبغي على السودان فعله لتحويل سد النهضة من مصدر للمخاطر والخلاف إلى فرصة للتعاون والتنمية الإقليمية؟
السيناريو الأخطر هو مواصلة التشغيل من غير اتفاق قانوني لتبادل المعلومات لصعوبة تشغيل سد الروصيرص خاصة إذا حدثت تغييرات أو مفاجأة لأي سبب. أما السيناريو الأفضل هو الرجوع إلى أهداف سد النهضة الأساسية كما موقع في إعلان المبادئ لعام 2015 بالعمل سويا لجعل سد النهضة وسيلة لتبادل المصالح بين الدول. ويبدأ ذلك عبر بناء الثقة وتبادل البيانات لتمهيد الطريق نحو الاستفادة من الميزة التفضيلية لكل دولة – مثلا الكهرباء من إثيوبيا والغذاء من السودان والصناعة من مصر. ويمكن أن تمتد المصالح المشتركة إلى بناء الطرق والسكك الحديدية والموانئ وحركة المواطنين والأمن الإقليمي، كما هو الحال في كثير من الأحواض المشتركة حول العالم، أي التركيز على المصالح المشتركة بدلا من صراعات يخسر فيها الجميع.
كيف تقرأون تصريح وزير المياه والطاقة الإثيوبي بأن تدفق مياه النيل إلى دول المصب سيكون تحت سيطرة إثيوبيا؟ وما الذي يعنيه هذا التصريح عملياً بالنسبة إلى الأمن المائي للسودان وسيادته على إدارة موارده المائية؟
هذه تصريحات غير موفقة، وتشبه تصريحات المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية دينا مفتي قبل سنوات عندما قال إنه لا يستبعد أن تبيع إثيوبيا المياه للسودان ومصر إذا كان هنالك فائض. يجب الاعتراف بأن النيل الأزرق نهر مشترك بين عدة دول، وتحكمه قوانين دولية تنص على الاستخدام المنصف والمعقول من غير إحداث ضرر (ذي شأن) على الآخرين. من حق إثيوبيا بناء سدود للاستفادة منها، لكن من واجباتها عمل ذلك من غير ضرر الآخرين، وذلك ممكن فنيا كما معمول به في كثير من أنهار العالم. الأفيد التفكير في أن يكون النهر المشترك وسيلة للتعاون وتبادل المصالح لمصلحة شعوب المنطقة بدلا عن أداة تهديد يخسر فيها الجميع.






















