نساء “ود السنوسي” المزارعات.. طريق شاق نحو الحقول

عاين- 18 أغسطس 2026

لم تعد الزراعة بالنسبة إلى نساء قرية ود السنوسي بمحلية القلابات الغربية في ولاية القضارف مجرد نشاط موسمي يستهلك الجهد، وينتهي ببيع المحصول للوسيط بأثمان متدنية؛ فقد بدأت مجموعة من المزارعات في تحويلها إلى مصدر للإنتاج والدخل والاستقرار الاقتصادي، مستفيدات من التدريب الزراعي، والتقاوي المحسنة، واستخدام الآليات الحديثة، وتقنيات ما بعد الحصاد والتصنيع الزراعي.

وتكشف تجارب النساء في جمعية سلسبيلا النسوية النوعية عن تحول لافت في أساليب الزراعة والإنتاج؛ في مزارعات كنّ يعملن بأدوات تقليدية، وعلى مساحات صغيرة، ويقضين الموسم الزراعي في العمل الشاق دون عائد يوازي حجم الجهد، أصبحن اليوم يزرعن مساحات أكبر، ويحصلن على إنتاج أعلى، ويستخدمن جزءاً من محاصيلهن في الصناعات التحويلية، فيما يبعن الفائض في محاولة للابتعاد عن هيمنة الوسطاء وتحقيق قيمة مضافة للمنتج.

نساء "ود السنوسي" المزارعات.. طريق شاق نحو الحقول

مساحات أكبر.. وإنتاج يغيّر حياة المزارعات

تروي المزارعة أحلام إبراهيم عثمان، إحدى المستفيدات من التدريبات التي تلقتها في جميعة سلسبيلا، تجربتها قائلة إنها تعمل في الزراعة منذ سبع سنوات، وكانت تزرع الفول فقط في مساحة تبلغ نحو خمسة أفدنة، لكنها كانت تحصل في السابق على جوالين أو ثلاثة شوالات من الفول السوداني.

وتضيف في مقابلة مع (عاين): إن “الزراعة في ذلك الوقت كانت تعتمد بصورة أساسية على الطرق التقليدية، باستخدام السلوكة في زراعة مساحات محدودة”. وتضيف: “كنت أزرع نصف مِخماس في ساعة ونصف، ونزرع الفول بطريقة بسيطة، لكن الإنتاج لم يكن أفضل، وكان العمل متعباً جداً والإنتاج أقل“.

لكن دخولها في برامج التدريب التي نظمتها الجمعية أحدث تحولاً في تجربتها الزراعية، خاصة بعد أن تعرفت على أنواع التقاوي المحسنة وغير المحسنة وطرق استخدامها، إلى جانب التدريبات المتعلقة بالزراعة ومكافحة الآفات، وأصبحت أحصل على 20 شوالاً في نفس المساحة“.

ولم يتوقف أثر التدريب بالنسبة إليها عند زيادة الإنتاج، بل امتد إلى طريقة التعامل مع المحصول بعد الحصاد. فبعد أن كانت تبيع محصولها مباشرة للوسيط بأسعار رمزية، أصبحت تستفيد من جزء منه في إنتاج منتجات أخرى، وتبيع الفائض. وتوضح: “الآن أصبحنا ننتج من المحصول ونبيع المتبقي. نعمل الدكوة وزيت وحلاوة الفول، ونطلع الأمباز أعلافاً للحيوانات ونبيعه أيضاً“.

كما اتجهت عثمان، إلى زراعة محاصيل أخرى مثل السمسم واللوبيا، وأصبحت أكثر اهتماماً بتعقيم التقاوي ومكافحة الحشرات، بعد أن كانت تزرع السمسم من دون تعقيم. وتقول: “كنا نزرع السمسم من غير تعقيم، لكن الآن التقاوي المحسنة ذاتها بعد أن نجيبها بنعقمها، وما في حشرة بتقرب عليها. واتعلمت أيضاً التعقيم ومكافحة الحشرات“.

من جانبها، تشير سعاد إبراهيم إسماعيل، وهي من صغار المزارعين في قرية ود السنوسي، في مقابلة مع (عاين)،  إلى إن الإنتاج كان في السابق محدوداً، لكن الوضع تغير بصورة كبيرة بعد إدخال التقانات الزراعية والتدريب، موضحة أن مزارعات القرية أصبحن قادرات على زراعة مساحات تصل إلى 25 و30 فداناً في فترة تتراوح بين أربع وخمس ساعات باستخدام الآليات. وتضيف: أن “المزارعات يزرعن مختلف المحاصيل خلال الموسم، من بينها الفول، والذرة، والسمسم، والدخن، واللوبيا، مشيرة إلى أن إنتاج المرأة الواحدة من الفول أصبح يتراوح بين 60 و90 شوالاً في الموسم“.

فيما توضح المهندسة الزراعية حنان إبراهيم آدم، المستشارة الزراعية لجمعية سلسبيلا النسوية النوعية بمحلية القلابات الغربية، أن دورها يتمثل في تدريب النساء في الجمعية ومساعدتهن على تطوير ممارساتهن الزراعية وتطبيق التقانات الحديثة. وتقول: إن “النساء قبل التدريب لم تكن لديهن معرفة كافية بمفهوم التقانات الزراعية، أو أهمية التقاوي المحسنة، أو كيفية استخدام الآليات الزراعية، وكانت الزراعة تعتمد بصورة كبيرة على الأساليب التقليدية“.

نساء "ود السنوسي" المزارعات.. طريق شاق نحو الحقول

الطريق إلى الحقل.. تحدٍ آخر

ورغم التحول الذي شهدته الزراعة، تشير المهندسة الزراعية، حنان، إلى وجود تحديات لا تزال تواجه المزارعات، في مقدمتها بُعد المسافات بين أماكن السكن والحقول وعدم توفر وسائل النقل. وتقول: إن “بعض النساء يذهبن إلى الحقول باستخدام الدواب، فيما تضطر أخريات إلى قطع المسافات سيراً على الأقدام، وهو ما يضيف عبئاً آخر إلى أعباء العمل الزراعي“.

أما التحدي الثاني، بحسب حنان، فيتمثل في التسويق، إذ تبذل المزارعة جهداً كبيراً في الإنتاج، لكنها عند البيع تحصل في كثير من الأحيان على سعر متدنٍ، بينما يحقق الوسيط هامشاً كبيراً من الربح نتيجة شرائه المنتج من المزارعة ثم إعادة بيعه للتجار بأسعار أعلى. وتضرب مثالاً بالويكة، موضحة أن المنتج قد يُشترى من المزارعة بنحو 60، ثم يعاد بيعه بـ100، قبل أن يصل إلى السوق بسعر أعلى، وهو ما يعني أن نسبة كبيرة من قيمة المنتج لا تعود إلى المزارعة التي أنتجته.

وترى أن الحل يكمن في تعزيز قدرة النساء على التسويق المباشر والتعامل مع التجار من دون الاعتماد الكامل على الوسطاء، قائلة إن تطوير دور المرأة من منتجة فقط إلى منتجة وبائعة مباشرة يمكن أن يرفع دخلها ويمنحها حصة أكبر من القيمة الحقيقية لمحصولها.

وتشير حنان كذلك إلى أن التمويل يمثل أحد أبرز التحديات التي تعوق توسع النساء في استخدام الآليات الزراعية، وتوضح، أن الجمعية تمتلك آلة زراعية واحدة تخدم 33 امرأة، وترى أن توفير التمويل عبر البنوك يمكن أن يساعد في تمليك كل مزارعة آلة أو معدات إنتاجية، بحيث تصبح المرأة مستفيدة ومستثمرة في الوقت نفسه، ويمكنها أيضاً تقديم الخدمة للمزارعات الأخريات

نساء "ود السنوسي" المزارعات.. طريق شاق نحو الحقول
صورة من قناة الجزيرة

جمعية تضم 300 امرأة

تتخذ جمعية سلسبيلا النسوية من قرية ود السنوسي بمحلية القلابات الغربية بولاية القضارف مقراً لها، وتضم 13 جمعية قاعدية، يصل عدد عضواتها إلى نحو 300 امرأة، بواقع 33 امرأة في كل جمعية تقريباً، موزعات على قرى مختلفة. وتقول رئيسة الجمعية لـ(عاين): أنها تستهدف، “تطوير النساء المزارعات في المحلية، ورفع إنتاجهن وتمكينهن اقتصادياً، فيما تشير  المهندسة الزراعية سنية عبدالله، من هيئة الزراعة الآلية بولاية القضارف، أن أبرز المحاصيل التي تزرعها النساء في المنطقة تشمل الفول والذرة والسمسم، إلى جانب الدخن والعدسية واللوبيا والذرة- الفتريت، وتنوه في مقابلة مع (عاين)، إلى أن المزارعات يواجهن عدداً من التحديات، من بينها تأخر الأمطار، ونقص العمالة الموسمية، وارتفاع أسعار التقاوي المحسنة، إضافة إلى الآفات الزراعية وارتفاع أسعار حراثة الأرض وتأخر التمويل من البنوك.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *