أبيــي.. انتخابات أم إعادة رسم حدود النزاع المؤجل؟

عاين- 22 يوليو 2026

في خطوة أعادت قضية أبيي إلى واجهة الخلاف بين السودان وجنوب السودان، أثار قرار مفوضية الانتخابات في جنوب السودان بإدراج المنطقة ضمن الدوائر الجغرافية للانتخابات العامة المقررة في ديسمبر 2026 رفضًا من الخرطوم، التي اعتبرت الخطوة مخالفة للاتفاقيات المنظمة لوضع أبيي.

وبينما تتمسك جوبا بحق سكان المنطقة في المشاركة في الانتخابات وفق رؤيتها الدستورية، يفتح القرار الباب أمام تساؤلات قانونية وسياسية بشأن مستقبل المنطقة وانعكاساته على مسار التفاوض والعلاقة بين البلدين.

وتقع منطقة أبيي الغنية بالنفط بين السودان وجنوب السودان، وتتمتع بوضع خاص بموجب بروتوكول أبيي المنصوص عليه في اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) لعام 2005، الذي أقر ترتيبات إدارية مؤقتة إلى حين التوصل إلى تسوية نهائية بشأن وضعها.

تُعد أبيي إحدى أبرز القضايا العالقة بين السودان وجنوب السودان منذ توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005، التي منحت المنطقة وضعًا خاصًا ونصت على إجراء استفتاء لتحديد تبعيتها، إلا أن الاستفتاء لم يُنفذ حتى الآن. ويتمسك كل من البلدين بأحقيته في السيادة على المنطقة، في ظل ارتباط قبائل دينكا نقوك بها من الجنوب، واعتماد قبائل المسيرية على مناطقها الشمالية للرعي الموسمي. وتتولى بعثة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة في أبيي (يونيسفا) حفظ الأمن في المنطقة، في ظل استمرار الخلاف بشأن وضعها النهائي.

وتأتي هذه التطورات في واقع أكثر تعقيدا هذه المرة من واقع استمرار الحرب في السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع التي تسيطر على التماس الحدودي مع جنوب السودان والذي تقع فيه منطقة أبيي بولاية غرب كردفان.

بروتوكول أبيي

والوضع القانوني الخاص الذي تتمتع به منطقة أبيي نصت عليه اتفاقية السلام الشامل لعام 2005، والتي قضت بإجراء استفتاء لتحديد تبعية المنطقة، سواء إلى جنوب السودان أو شمال السودان. وفقا للخبير القانوني السوداني، معز حضرة، والذي يشير أيضاً إلى أن قضية حدود أبيي نُظرت أمام محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي، التي أصدرت قرارًا قضى بضم بعض المساحات وتقليص أخرى، مشيرًا إلى أن أبرز ما ترتب على القرار هو تعديل حدود المنطقة بحيث تقع حقول نفطية رئيسية ضمن حدود السودان، مقابل بقاء مساحات أخرى تابعة لأبيي”.

جانب من منطقة أبيي- الصورة: الأمم المتحدة

ويقول حضرة في مقابلة مع (عاين): أن بروتوكول أبيي نص على إجراء استفتاء، وأن المنطقة توجد فيها قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة في أبيي (يونيسفا)، التي تأسست في بدايتها بجهود رئيسية من قوات إثيوبية، موضحًا أن الوضع القانوني للمنطقة يفترض أن يظل قائمًا إلى حين إجراء الاستفتاء.

ورأى حضرة أن قرار حكومة جنوب السودان إدراج أبيي ضمن العملية الانتخابية يُعد مخالفًا لاتفاقية السلام الشامل، وكذلك لجميع البروتوكولات والترتيبات التي أُبرمت لاحقًا بشأن المنطقة.

فراغ واستغلال وترسيخ واقع جديد

ويرى حضرة إلى خطوة حكومة جنوب السودان تمثل، استغلالًا للوضع السياسي الراهن في السودان، في ظل الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، معتبرًا أن انشغال الحكومة المركزية أوجد فراغًا استغلته حكومة جنوب السودان بإدخال قواتها، في ما وصفه بمحاولة لضم المنطقة.

ولفت إلى أن ما يجري يمثل، في تقديره، مخالفات قانونية ناتجة عن تداعيات الحرب، مؤكدًا أن جميع هذه الإجراءات تخالف اتفاقية السلام الشامل، والترتيبات اللاحقة الخاصة بأبيي، وكذلك قرارات مجلس الأمن.

ويتفق مع هذا الاتجاه الباحث في الشؤون الأفريقية، محمد تورشين ويشير إلى أن الخطوة ذات أبعاد سياسية تتجاوز كونها إجراءً تنظيمياً يتعلق بالعملية الانتخابية، إذ يعكس توجهاً من جانب جوبا نحو تكريس حضورها السياسي والإداري في منطقة لا يزال وضعها القانوني والسياسي محل نزاع بين السودان وجنوب السودان وفق بروتوكول أبيي المنبثق عن اتفاقية السلام الشامل لعام2005».

ويقول تورشين في مقابلة مع (عاين): “حكومة جنوب السودان، رغم استنادها في قرارها إلى قانون الانتخابات واعتماد الدوائر الجغرافية القائمة منذ انتخابات عام 2010 في ظل تعذر إجراء تعداد سكاني جديد، فإن إدراج أبيي يحمل دلالات تتعلق بمحاولة ترسيخ واقع سياسي جديد يمنح جوبا أوراق قوة إضافية في أي مفاوضات مستقبلية حول الوضع النهائي للمنطقة”. وأوضح بأن القرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث تستعد جنوب السودان لإجراء أول انتخابات عامة منذ الاستقلال، بينما يعيش السودان أوضاعاً استثنائية نتيجة الحرب الداخلية التي أضعفت مؤسسات الدولة، وشغلتها عن العديد من الملفات الخارجية، وفي مقدمتها القضايا الحدودية”.

يفرض هذا التطور تحديات إضافية أمام بعثة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة في أبيي (يونيسفا)، التي ستجد نفسها أمام مهمة أكثر تعقيداً للحفاظ على الاستقرار ومنع أي احتكاكات بين المجتمعات المحلية

باحث في الشؤون الأفريقية

ورأى أن جوبا تدرك أن انشغال الخرطوم بالأزمة الداخلية يحد من قدرتها على ممارسة ضغوط سياسية أو دبلوماسية فعالة، الأمر الذي يوفر فرصة لتعزيز نفوذها في أبيي دون توقع ردود فعل تتجاوز الاحتجاجات السياسية والدبلوماسية. وأشار إلى أنه «من المرجح أن ينعكس هذا القرار سلباً على مسار التفاوض بين البلدين بشأن الوضع النهائي لأبيي، إذ قد تعتبره الخرطوم خرقاً للاتفاقات السابقة ومحاولة لفرض أمر واقع جديد قبل التوصل إلى تسوية متفق عليها»

وقال إنه في المقابل، قد ترى جوبا أن إشراك سكان أبيي في مؤسساتها السياسية يعزز موقفها التفاوضي مستقبلاً، ويكرس ارتباط المنطقة بها على المستوى العملي.

“الحرب في السودان أعادت تشكيل حسابات الأطراف المختلفة تجاه قضية أبيي، إذ أدى تراجع قدرة الدولة السودانية على بسط نفوذها في المناطق الحدودية إلى خلق هامش أوسع لتحركات جنوب السودان، في وقت بات المجتمع الدولي يركز بصورة أكبر على تداعيات الحرب والأزمة الإنسانية داخل السودان، وهو ما قد يقلل من حجم الضغوط الدولية المرتبطة بملف أبيي مقارنة بما كان عليه الوضع في السابق”. يقول تورشين. ويضيف: “ومن المتوقع أن يفرض هذا التطور تحديات إضافية أمام بعثة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة في أبيي (يونيسفا)، التي ستجد نفسها أمام مهمة أكثر تعقيداً للحفاظ على الاستقرار ومنع أي احتكاكات بين المجتمعات المحلية أو بين القوات التابعة للطرفين، مع الحرص على عدم الانجرار إلى أي مواقف قد تُفسر على أنها اعتراف ضمني بأي تغيير في الوضع القانوني للمنطقة”. وفقاً للباحث محمد تورشين.

أبيي- الصورة: الأمم المتحدة

وتابع أنه يُتوقع أن تتحرك الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وشركاء الإقليم للدعوة إلى ضبط النفس، والتأكيد على أن الوضع النهائي لأبيي لا يمكن حسمه عبر إجراءات أحادية، بل من خلال التفاوض والالتزام بالاتفاقيات الموقعة بين السودان وجنوب السودان.وزاد: “في حال مضت جوبا في إجراء الانتخابات وفق الدوائر الجديدة التي تشمل أبيي، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار سياسة فرض الأمر الواقع تدريجياً، بحيث تواصل جنوب السودان دمج المنطقة في مؤسساتها السياسية والإدارية، مقابل استمرار الرفض السوداني دون تصعيد عسكري مباشر في ظل انشغال الخرطوم بأولوياتها الداخلية”.

عدم الاستقرار

في مايو الماضي حذرت الأمم المتحدة من أن الحرب في السودان قد تزيد من عدم الاستقرار في أبيي وتعرقل جهود تسوية وضعها النهائي، داعية الخرطوم وجوبا إلى تفعيل الآليات المشتركة لاستئناف الحوار حول مستقبل المنطقة.

ويقول الصحفي والمحلل السياسي من جنوب السودان، أتيم سايمون لـ(عاين): “إن إدراج أبيي ضمن الدوائر الانتخابية في جنوب السودان لا يُنظر إليه داخل البلاد باعتباره خطوة جديدة أو استثنائية، وإنما امتداد للواقع الدستوري والإداري القائم منذ استقلال جنوب السودان عام 2011، والدستور الانتقالي لجنوب السودان يضم أبيي ضمن حدود الدولة إلى حين التوصل إلى تسوية نهائية وفق الاتفاقيات ذات الصلة”.

ويشير سايمون إلى أن غالبية سكان أبيي يحملون جنسية جنوب السودان، ويحصلون على الوثائق الرسمية، بما في ذلك جوازات السفر والبطاقات الوطنية، كما يتقاضى موظفو الخدمة المدنية رواتبهم من حكومة جنوب السودان منذ إعلان الاستقلال، الأمر الذي يجعل قطاعات واسعة في جنوب السودان تنظر إلى مشاركة سكان المنطقة في الانتخابات باعتبارها ممارسة طبيعية لحقوق المواطنة، وليست إجراءً استثنائيًا.

ورأى سايمون، أن قرار إدراج أبيي في الدوائر الانتخابية يرتبط مباشرة بالتحضيرات لأول انتخابات عامة في تاريخ جنوب السودان، لكنه يتجاوز الجوانب الإجرائية، إذ يعكس حرص الدولة على مواءمة العملية الانتخابية مع واقعها الدستوري والإداري، وعدم استثناء منطقة ظلت مؤسسات حكومة جنوب السودان تعمل فيها منذ سنوات.

ارتباط البلدين بملفات سياسية

وأشار الصحفي والمحلل السياسي، أتيم سايمون، إلى أن القرار يحمل أيضًا رسالة سياسية مفادها أن استمرار الخلاف حول الوضع النهائي لأبيي لا ينبغي أن يؤدي إلى تعليق الحقوق السياسية لسكانها إلى أجل غير مسمى، مبينًا أن رؤية جوبا تقوم على أن قضية السيادة النهائية تُحسم عبر التفاوض، بينما تظل الحقوق الدستورية والسياسية للمواطنين قائمة إلى حين التوصل إلى تسوية نهائية.

المشاركة في الانتخابات لا تُغني عن التوصل إلى حل نهائي متفق عليه بين السودان وجنوب السودان، لأن وضع أبيي ما يزال خاضعًا لعملية سياسية لم تُستكمل

أتيم سايمون كاتب ومحلل سياسي من جنوب السودان

وبشأن تأثير القرار على العلاقات بين الخرطوم وجوبا، توقع سايمون أن يؤدي إلى زيادة التوتر السياسي بين الحكومتين. والخلاف سيظل قائمًا حول تفسير الاتفاقيات الخاصة بأبيي، لكنه استبعد أن يتجاوز الإطارين السياسي والدبلوماسي، نظرًا لارتباط البلدين بملفات استراتيجية، من بينها النفط والتجارة والأمن الحدودي. ويشير سايمون إلى المشاركة في الانتخابات لا تُغني عن التوصل إلى حل نهائي متفق عليه بين السودان وجنوب السودان، لأن وضع أبيي ما يزال خاضعًا لعملية سياسية لم تُستكمل.

ويقول: إن “القوى السياسية في جنوب السودان تكاد تجمع على أن أبيي جزء لا يتجزأ من البلاد، وأن سكانها، ولا سيما دينكا نقوك، يتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة، ولذلك يوجد توافق واسع على ضرورة مشاركتهم في الانتخابات، وفي جميع مؤسسات الدولة. ويشير إلى أن الاختلافات بين القوى السياسية لا تتعلق بحق السكان في المشاركة السياسية، وإنما بآليات الوصول إلى الحل النهائي، إذ تدعو بعض القوى إلى تسريع حسم الملف سياسيًا وقانونيًا، بينما ترى قوى أخرى أن ذلك ينبغي أن يتم عبر التفاوض مع السودان والاتحاد الأفريقي بما يحافظ على الاستقرار الإقليمي.

الموقف على الأرض

بعيدًا عن مواقف الخرطوم وجوبا والتجاذبات القانونية حول وضع أبيي، يفتح القرار نقاشًا آخر يتعلق بالواقع المحلي في المنطقة وسكانها الذين ظلوا يعيشون تحت وضع انتقالي منذ سنوات. ويقول الصحفي والناشط المدني، من منطقة أبيي، رياك أموم مدود لـ(عاين):”إن سكان منطقة أبيي استقبلوا قرار إدراج المنطقة ضمن الدوائر الانتخابية بترحاب وارتياح كبيرين، باعتباره تأكيدًا لحقهم الدستوري كمواطنين في جنوب السودان وفقًا للدستور، وهذه ليست المرة الأولى التي تُجرى فيها انتخابات في أبيي، إذ أُجريت انتخابات عام 2010، وكانت المنطقة مقسمة إلى دائرتين، دائرة جنوبية وأخرى شمالية، ومارس المواطنون حقهم الدستوري في تلك الفترة، دون اعتراض من الحكومة السودانية”.

التجاذبات الحالية قد تضر بالاستقرار الأمني في المنطقة لا سيما في شمالي أبيي بسوقي أميت والنعام واللذين تحولا إلى مأوى لنازحين من إقليم كردفان بالسودان

رياك أموم، صحفي وناشط مدني من منطقة أبيي

وفيما يتعلق بالأوضاع الأمنية، يشير مدود إلى إن الواقع الأمني في المنطقة جيد جدًا، وتشهد أبيي استقرارًا أمنيًا، مع انتشار بعثة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة في أبيي (يونيسفا) على امتداد حدود المنطقة التي تتمتع أيضًا بهيكل إداري متكامل، إذ توجد سلطة إدارية تشرف على العمل الإداري والتنفيذي والأمني، يقودها رئيس للإدارية يعاونه سبعة وزراء، إلى جانب مجلس تشريعي وجهاز قضائي، مشيرًا إلى أن هذه المؤسسات تعمل بتنسيق مع بعثة الأمم المتحدة في المنطقة.

أبيي- الصورة: الأمم المتحدة

أبرز المخاوف- بحسب مدود- تتمثل في ردود الفعل من الجانب السوداني الذي ظل يستخدم أهلية المسيرية لزعزعة استقرار المنطقة من الناحية الشمالية- على حد قوله- لكن هناك واقعًا جديدًا في المنطقة، يتمثل في سيطرة قوات الدعم السريع على المناطق الشمالية من أبيي، إلى جانب انتشار قوات الأمم المتحدة، وهو ما يجعله يستبعد حدوث احتكاكات أو مناوشات أمنية في المنطقة.

ويشير مدود، إلى تظاهرات رافضة استنكرت قرار حكومة جنوب السودان إدراج أبيي ضمن الدوائر الانتخابية القومية جرت خلال الأيام الماضية في مدينة المجلد السودانية والمدن المجاورة لها.

ويقول: “هذا التجاذب قد تخلق توترًا بين مجتمعين أرهقتهما الحرب لعقود طويلة، كما أن مثل هذه التوترات قد تضر بحالة الاستقرار الأمني التي تشهدها المنطقة، خاصة في شمال أبيي، وتحديدًا في سوق أمِيت، الذي أصبح مأوى لأعداد كبيرة من أبناء المسيرية الذين نزحوا إلى أبيي بعد اجتياح قوات الدعم السريع ولاية غرب كردفان ومنطقة حقل هجليج النفطي بجانب سوق النعام الذي أصبح أيضًا مأوى لأعداد من السودانيين القادمين من ولايات كردفان الثلاث ودارفور ومناطق أخرى”.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *