“تمرّد على الجميع”.. من هو (السافنا) المنشق عن الدعم السريع؟
عاين- 14 مايو 2026
في الوقت الذي تحتدم فيه المعارك بإقليم كردفان بين الجيش وحلفائه من جهة وقوات الدعم السريع في الحرب التي تدخل عامها الرابع، أعلن القائد الميداني البارز بصفوف الدعم السريع، علي رزق الله الشهير بـ”السافنا”، انشقاقه والتخلي عن القتال معها، في خطوة وصفت بـ”المؤثرة” على جبهات القتال لاسيما في كردفان التي خاض “السافنا” فيها معارك قائدًا لمجموعة تتبع للدعم السريع.
وجاء انشقاق السافنا بعد فترة وجيزة من انشقاق القائد الآخر في قوات الدعم السريع، اللواء النور قبة، الذي وصل في أبريل الماضي إلى الخرطوم، وأعلن انضمامه إلى الجيش، ليبدأ بعدها رحلة قتال عكسية ضد رفاقه السابقين هذه المرة.
وعلى خلاف النور قبة، لم يعلن “السافنا” انضمامه إلى الجيش السوداني عقب انشقاقه من قوات الدعم السريع، بل قال إنه سيبقى طرفاً ثالثاً منحازاً إلى الشعب، دون تقديم مزيد من التفاصيل.
ولم يعلن السافنا انشقاقه من الميدان، بل ظهر الاثنين الفائت 11 مايو الجاري بلباس مدني من داخل غرفة في مكان غير معروف، موضحاً أنه لم يكن يوماً جزءاً من قوات الدعم السريع، في إشارة إلى أنه كان متعاوناً معها بقواته، لكن من اليوم فصاعداً سيكون منشقاً عنها، حسب قوله.
وبعد ساعات من إعلان السافنا انشقاقه، ظهرت قيادات من مجموعته التي تحمل الرقم 296 في مقطع فيديو، أكدت فيه أنها باقية ضمن صفوف قوات الدعم السريع بكامل ضباطها وجنودها، ولن تذهب مع السافنا إلى أي جهة أخرى.
ما بعد الانشقاق
ويقول مصدر قريب من السافنا، لـ(عاين): إن “قوات الدعم السريع استدعت، قبل أسبوع من إعلان الانشقاق، قادة المجموعة 296 التي يقودها السافنا، بعد أن وصلتها المعلومات، لكن القادة أكدوا أنهم باقون في الدعم السريع، ولن ينشقوا مع الرجل. ويشير المصدر إلى أن قوات الدعم السريع حاولت جمع سلاحهم، إلا أنهم أعلنوا عودتهم إلى مؤخرة المعارك قطعاً للشكوك، لكن أثناء عودتهم تعرضوا لهجوم بطائرات مسيّرة شتت جمعهم وعرقل عودتهم”، مبيناً أن الغالبية منهم وصلوا الآن إلى مدينة نيالا بجنوب دارفور.
وأثار استقبال الجيش للمنشقين من قوات الدعم السريع في الآونة الأخيرة موجة غضب وسط بعض أنصار معسكر القوات المسلحة، حيث أعلنت الكثير من المنصات الإعلامية الداعمة لما يعرف بـ”حرب الكرامة” رفضها استقبال المنشقين، داعية إلى تقديمهم إلى المحاكم على الجرائم التي ارتكبوها في وقت سابق.
وأججت حفاوة الاستقبال التي وجدها اللواء النور قبة من قائد الجيش، الذي استقبله بالأحضان وسط ابتسامات متبادلة، الخلافات، خصوصاً مع أنصار القوة المشتركة التي تقاتل مع الجيش، والذين يعتبرون النور قبة واحداً من المتهمين بالانتهاكات التي شهدتها مدينة الفاشر خلال حصارها واقتحامها من قوات الدعم السريع.
وبعد تصاعد نبرة الخلافات ورفض عودة المنشقين من صفوف الدعم السريع، خرج قائد الجيش الفريق البرهان في تصريح فتح خلاله الباب أمام الملاحقة القانونية لعناصر الدعم السريع العائدين، حيث قال: “إن الجيش يرحب بكل من وضع السلاح، لكن حسابه مع الشعب هو من يملك حق المحاسبة أو العفو”.
ويرى الصحفي محمد صالح البشر، المهتم بملف النزاعات في دارفور، إن حديث البرهان، الذي تراجع فيه عن حماية العائدين من الدعم السريع، ربما يكون أحد الأسباب التي دفعت القائد المنشق “السافنا” إلى إرجاء انضمامه إلى الجيش، مبيناً أن ذلك قد يكون بطلب وتنسيق مع قيادة الجيش نفسها لتفادي ردة فعل الرافضين لمنهج استقبال المنشقين من الدعم السريع.
خطة استخباراتية
ويقول البشر لـ(عاين): إن “خطوة السافنا قد تكون أكثر تأثيراً على الدعم السريع؛ مما قام به النور قبة، لجهة أن الأخير حدد مصيره بالوصول إلى الجيش، والذي تعتبره الفئة الغالبة العدو التاريخي، بيد أن الخيار الذي اتخذه السافنا قد يدفع الناقمين على الدعم السريع إلى تأييده وبناء جبهة ترفع شعار الإصلاح”.
ويتابع: “ذلك هو نهج الاستخبارات العسكرية على مدى تاريخ الصراعات في السودان، وهو ما حدث بالفعل في وقت سابق مع الحركات المسلحة في دارفور التي تشققت حتى انتهى بها المطاف إلى حركات أسرية، بعدما كانت تتبنى أهدافاً قومية، وتضم كل المكونات الاجتماعية”.
ويضيف: “التركيز الإعلامي منذ اندلاع الحرب على ربط قوات الدعم السريع بأسرة قائدها، هو رسائل استخباراتية تأتي في ذات السياق، والهدف منها أن تصل قوات الدعم السريع في نهاية المطاف إلى ما وصلت إليه الحركات المسلحة في دارفور، بعد تجريدها من أي شعارات وطنية وخطابات مظلومية كانت تتبناها”. وذكر البشر، أن “السافنا” القائد المنشق من قوات الدعم السريع، قد ينجح في إحداث هزة وسط قوات الدعم السريع.
من هو السافنا؟
علي رزق الله الشهير بـ”السافنا” من مواليد التسعينيات، لم يدخل المدرسة في حياته، وإنما درس في خلوة لتحفيظ القرآن. انضم في سن مبكرة إلى حركة مسلحة تُعرف باسم “جبهة القوى الثورية المتحدة” كأصغر مقاتل ضد الحكومة السودانية. بعدها انضم إلى حركة تحرير السودان للعدالة بقيادة علي كاربينو، وهو قائد بارز في الحركات المسلحة بدارفور قُتل عام 2014 في شمال دارفور، على يد مليشيات حكومية كان يقودها حينها اللواء الحالي النور قبة.
وفي عام 2011 وقع السافنا اتفاقاً مع الحكومة تم بموجبه استيعابه ضابطاً برتبة مقدم في الفرقة 20 الضعين، قبل أن يختلف سريعاً مع الجيش حول الترتيبات الأمنية واستيعاب قواته، حيث تعرض مع قواته في أبريل 2016 لكمين مسلح بمنطقة “خور طعان” بشرق دارفور، أدى إلى مقتل عدد من قيادات مجموعته، بينما تعرض السافنا لإصابة بليغة أقعدته على كرسي متحرك لعدة سنوات.
وبعد الكمين الذي تعرضت له قوات السافنا انطلقت مظاهرات جماهيرية غاضبة في مدينة الضعين، واقتحم المتظاهرون منزل والي شرق دارفور وقتها أنس عمر، والمعتقل حاليا لدى قوات الدعم السريع، وأشعلت فيه النيران.
وفي عام 2017 تحرك السافنا بقواته التي كان يقودها وهو على كرسي متحرك، من شرق دارفور، إلى منطقة “مستريحة” بشمال دارفور، لينضم إلى الزعيم الأهلي موسى هلال الذي اختلف وقتها مع حكومة البشير، وبدأ في مهاجمتها من وسط أنصاره.
واستباقاً لما يمكن أن يفعله هلال، الذي كان وقتها يسيطر على قوات حرس الحدود، وهي مليشيات حكومية مساندة للجيش، قررت حكومة البشير جمع السلاح من الأهالي الذين سلحتهم من قبل لمقاتلة التمرد في دارفور، وضم المقاتلون منهم إلى قوات الدعم السريع أو الجيش، إلا أن هلال والسافنا رفضا الخطوة.

وحسب الصحفي محمد صالح البشر، فإن السافنا طلب وقتها من موسى هلال إعلان التمرد ودعوة المقاتلين في حرس الحدود لقتال الحكومة، إلا أن الأخير رفض ذلك، بل وقام بطرده من بادية مستريحة، وقد دخل “السافنا” بعدها في مواجهات مسلحة مع قوات الدعم السريع التي كانت تتولى مهمة جمع السلاح، انتهت باعتقاله وإرساله إلى سجون الخرطوم برفقة موسى هلال.
وقبع السافنا وموسى هلال في السجن لمدة 4 سنوات قبل الإفراج عنهما على عهد الحكومة الانتقالية برئاسة عبد الله حمدوك، إلا أن السافنا اعتُقل مجدداً بتهمة جنائية، ولم يخرج من السجن إلا بعد اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023.
يقول الصحفي محمد صالح البشر، لـ(عاين)، إن السافنا أبلغه أنه قرر الانضمام لقوات الدعم السريع فور خروجه من السجن بعد اليوم الثالث للحرب، حيث ذهب إلى أقرب ارتكاز للقوات وأبلغها برغبته، مشيراً إلى أن قائد ثاني قوات الدعم السريع، عبد الرحيم دقلو، كان قد جاء وقتها للمكان، وفوجئ بوجود السافنا إلا أن دقلو سارع إلى الاعتذار له عما بدر منهم في وقت سابق تجاهه.
وينتمي السافنا والنور قبة إلى المكون نفسه الذي يتزعمه الشيخ موسى هلال، الذي سبقهم بدوره إلى مناطق سيطرة الجيش السوداني، بعد مهاجمة قوات الدعم السريع لمنطقته “مستريحة” في فبراير الماضي، ما أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص، بينهم أحد أبنائه.
ضربة معنوية
يقول الناشط السياسي صلاح حسن منهل إن انشقاق “السافنا” قد يشكل ضربة معنوية لقوات الدعم السريع، خصوصاً في محاور القتال بكردفان وشمال دارفور، لأنه يعد أحد أبرز قادتها الميدانيين، وله نفوذ اجتماعي، وقد تترتب على الانشقاق خسائر ميدانية مباشرة، وفق قوله.
ويضيف منهل لـ(عاين): أن “حديث السافنا عن انحيازه للشعب والنازحين قد يضع قوات الدعم السريع في موقف أخلاقي وسياسي ضعيف أمام الرأي العام، مبيناً أن الخطوة قد تؤدي إلى تراجع التجنيد لصالح الدعم السريع في مناطق شمال دارفور”.
وينحدر القائد المنشق من قوات الدعم السريع “السافنا” من مدينة الضعين، التي يمتلك فيها منزلاً فخماً، كان مزاراً خلال الفترة الماضية لمجموعات من الأطفال والنساء، خصوصاً “الحكامات”، حيث يغدق عليهن بالأموال، وفق مصدر قريب منه. فيما تتواجد قواته في منطقة كردفان، بعضها قرب “النهود وود بندة” بغرب كردفان، وأخرى بين الخوي والأبيض.
وكان السافنا يقود القوة التي هاجمت مدينة النهود في مايو 2025 وسيطرت عليها بعد انسحاب الجيش. حيث تلاحقه اتهامات بنهب المدينة، خصوصاً محاصيل الفول السوداني والصمغ العربي، إذ كانت المدينة تضم أكبر بورصة محاصيل في كردفان، ويُقدر حجم المنهوبات بملايين الدولارات.






























