“اقتصاد النجاة”.. كيف أعادت حرب السودان تشكيل سوق العمل؟
عاين- 13 مايو 2026
شكلت الحرب الجارية في السودان منذ منتصف أبريل 2023 نقطة تحول في تاريخ الدولة السودانية الحديث، حيث امتدت آثاره لتحدث شللاً تاماً في مفاصل الدولة الإدارية والاقتصادية.
كانت العاصمة الخرطوم، بوصفها المركز الإداري والاقتصادي، تساهم بنحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، ومع تحولها إلى ساحة حرب، فُقدت مئات الآلاف من الوظائف في القطاعين العام والخاص، مما أدى إلى نزوح ملايين الموظفين، وتشتت القوى العاملة في ولايات السودان المختلفة ودول الجوار. وشمل هذا التشتت تحولاً مهنياً قسرياً؛ إذ جُرفت الطبقة الوسطى تماماً، واضطر الموظفون المهنيون والكوادر المؤهلة للتخلي عن تخصصاتهم والانخراط في “اقتصاد النجاة” عبر المهن بديلة واضطرارية عبر العمل الحر في الأسواق غير الرسمية كآلية وحيدة لمواجهة توقف الرواتب وانهيار القوة الشرائية.
من “عباءة الوظيفة” إلى ضجيج الأسواق
في ضاحية الوادي الأخضر، شرقي الخرطوم بحري، يعيد أحمد عثمان صياغة مفهوم “الأمان” الذي نشأ عليه. أحمد، الذي قضى سنوات لا يتخيل فيها حياةً خارج “عباءة الوظيفة”، وجد نفسه مع اندلاع حرب أبريل 2023 أمام واقع انهار فجأة بتوقف الشركة التي يعمل بها. يقول أحمد لـ(عاين) واصفاً تلك اللحظة: “ما كنت أفكر في أي شيء غير الوظيفة، ولا كنت أتخيل أن أجد بديلا أفضل منها.. لكن مع الحرب كان لازم ألقى بديل”.
كان قرار أحمد بفتح “طبلية” صغيرة في سوق الوادي الأخضر استجابة ميدانية لتحول هيكلي رصده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي؛ حيث انخفضت نسبة الأسر الحضرية التي يعتمد معيلها على “أجر كامل” بمقدار النصف، متراجعة من 33% قبل الحرب إلى 16% فقط خلالها. هذا التراجع دفع بمئات الآلاف نحو “العمل الحر” كوسيلة اضطرارية للتكيف مع توقف الدخل الرسمي وانكماش الاقتصاد.
ورغم أن البداية كانت “مدرسة ميدانية قاسية” تعثر فيها أحمد لجهله بخفايا السوق، إلا أن النتيجة المالية جعلته يقطع الشك باليقين. بمقارنةٍ بسيطة، يذكر أحمد أن مرتبه الوظيفي كان “84 ألف جنيه فقط”، وهو رقم يضعه في مواجهة فجوة معيشية مخيفة، إذ تشير تقارير لجنة المعلمين السودانيين إلى أن الرواتب الحكومية الحالية لا تغطي سوى 1% إلى 8% من تكلفة المعيشة الأساسية للأسرة.
هذا الواقع الاقتصادي المتردي، جعل العودة إلى الوظيفة أمراً غير وارد بالنسبة للكثيرين. وبنبرة قاطعة يقول أحمد: “لا لا لا… تاني وظيفة ما ليست براتب مجز لن أعمل بها”، واصفاً شعوره الحالي بـ “الحرية” في امتلاك القرار.

لكن قصة أحمد ليست الوحيدة في سجل العزوف الوظيفي؛ ففي زاوية أخرى من المعاناة، يبرز نموذج الموظف الحكومي بالدرجة الثامنة، ياسر الطاهر، الذي يجسد وجهاً أكثر قتامة للأزمة. ياسر، الذي نُهِب منزله بالكامل في ضاحية اللاماب بالخرطوم، وتوقف راتبه لأكثر من 14 شهراً، يرفض في مقابلة مع (عاين) فكرة العودة إلى العمل حالياً. ويرى ياسر، أن “استمارات العودة” والتهديدات بالفصل لمن يتجاوز مدة 45 يوماً قانونية، تتجاهل حقيقة أن الموظفين أصبحوا ضحايا للنزوح والفقر، وأن العودة لبيئة عمل تفتقر لأبسط مقومات الحياة والخدمات الأساسية هي “مهمة مستحيلة”.
بهذا المعنى، لم تعد الوظيفة في السودان تمثل “ملاذاً آمناً”، بل تحولت في نظر أحمد عثمان وياسر الطاهر وآلاف غيرهم إلى “قيد مالي” لا يسمن ولا يغني من جوع، مما دفعهم لمطاردة الفرص في قلب الأزمة، حتى لو كان الثمن هو البدء من “طبلية” في سوق شعبي.
إعادة تعريف “الأرض والمستقبل“
في معسكر كيرياندنقو بأوغندا، ترسم منى عبد الرحمن ملامح حياة لم تكن تشبه أحلامها السابقة في الخرطوم. منى، التي كانت تدير الأرقام كمحاسبة في أحد البنوك السودانية، تجد نفسها اليوم تدير الأرض؛ فالحرب أفقدتها وظيفتها، ونزعت عنها شبكة علاقاتها واستقرارها المهني. تقول منى واصفة هذا التحول الجذري في مقابلة مع (عاين): “شغلي كان مكتبي.. هسه بزرع.. تعلمت الزراعة من الناس هنا، والوضع ما نفس وضعي في السودان، لكن الحمد لله”.
خلف كلمات منى عن “الزراعة” و”التعلم الجديد”، يبرز تباين صارخ مع واقع الأرض في وطنها؛ فبينما تمنح السياسات الأوغندية اللاجئين في معسكرات مثل كيرياندنقو قطع أراضٍ صالحة للزراعة لتعزيز اعتمادهم على أنفسهم وتقليل الاعتماد على الإغاثة، يواجه السودانيون الذين يفكرون في العودة إلى ديارهم واقعاً مخيفاً.
تشير تقارير دولية إلى أن العائدين لمناطقهم الأصلية في السودان يصطدمون ببيئة هشة يسودها انعدام القانون، مع “انتهاكات جسيمة في حقوق السكن والأرض والملكية”، مما يجعل فكرة العودة محفوفة بمخاطر فقدان الأصول. هذا القلق حول الاستقرار السكني دفع المستثمرين السودانيين لضخ مبالغ ضخمة خارج البلاد، حيث بلغت استثماراتهم العقارية في مصر وحدها نحو 40 مليار دولار بحثاً عن “الاستقرار السكني” الذي افتقدوه في الداخل.

وترى منى في لجوئها نافذةً فُتحت لأبنائها، قائلة بامتنان: “أولادي بدرسوا دراسة لو دفعت آلاف الدولارات لن أجدها في السودان”. هذه المفارقة المأساوية تؤكدها الأرقام الرسمية؛ فبينما يحصل أطفال منى على فرص تعليمية في المنفى، يعيش السودان إحدى أضخم كوارث التعليم في العالم، حيث يوجد حالياً 19 مليون طفل خارج المدارس. هذا الانهيار التعليمي لا يعود فقط لدمار البنى التحتية، بل لنزيف الكوادر التعليمية؛ إذ يضطر المعلمون لترك مهنتهم وهجر فصولهم بسبب توقف الرواتب لشهور طويلة أو ضعفها الشديد الذي لا يفي بأبسط المتطلبات المعيشية.
بالنسبة لمنى عبد الرحمن، لم يعد “الأمان” يعني الوظيفة المكتبية أو الراتب المنتظم، بل أصبح يعني “أرضاً تملكها” ومستقبلاً تعليمياً لأبنائها بعيداً عن فصول دراسية أغلقت أبوابها وهجرها معلموها. تلخص منى رحلتها قائلة: “زمان كان الاستقرار أهم شيء والأمان.. هسه شايفة مستقبل أحسن لأولادي”. إنها قصة تعيد صياغة “الخسارة” لتصبح “فرصة”، في زمن أصبحت فيه سبل العيش داخل السودان أضيق من أي وقت مضى.
اقتصاد نجاة بواجهة ريادية
يرى الخبير الاقتصادي أحمد عبيد في مقابلة مع (عاين) إن ما يحدث ليس مجرد “أزمة عابرة”، بل هو تحول هيكلي قسري أعاد تشكيل سوق العمل من جذوره. ويرى عبيد أن الحرب قامت بإضعاف السوق، وتفكيك القطاع الرسمي تماماً، مما أدى إلى انكماش تاريخي في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة وصلت إلى 38% خلال عام واحد.
هذا الانهيار الهيكلي تزامن مع سقوط حر للعملة الوطنية، التي تجاوزت حاجز (400) جنيه مقابل الدولار الواحد، مما جرّد الرواتب من قيمتها، وحوّل الاقتصاد من “إنتاجي” إلى “تداولي هش” يعتمد على التجارة الصغيرة وأنشطة البقاء. وفقا لـ عبيد الذي يشير إلى أن الاقتصاد غير الرسمي لم يعد هامشاً، بل صار هو “القاعدة التشغيلية الفعلية” في ظل غياب الدولة وتراجع الامتثال الضريبي.
الطبقة الوسطى في السودان جُرفت تماماً بفعل الحرب وتحول الموظفون إلى عمال يومية او باعة جائلين هو تعويض لغياب الدولة، وليس ازدهاراً لريادة الأعمال
خبير اقتصادي
وينوه أحمد عبيد إلى أن الطبقة الوسطى في السودان قد “جُرفت” تماماً بفعل الحرب. فالموظفون المهنيون والكوادر المتعلمة الذين كانوا يشكلون عماد الدولة، تحولوا قسرياً إلى عمال يومية أو باعة جائلين في الأسواق غير الرسمية لتأمين لقمة العيش، وهو ما يصفه بأنه “تعويض لغياب الدولة وليس ازدهاراً لريادة الأعمال”.
ويمتد أثر هذا الانهيار إلى ما وراء الحدود؛ حيث فقد السودان نحو 7 مليارات دولار من التحويلات السنوية للمغتربين، والتي كانت تشكل شريان حياة للاقتصاد المحلي. هذه الأموال صارت تتدفق الآن نحو دول الجوار لتغطية تكاليف السكن والتعليم والرعاية الصحية للأسر النازحة، مما يمثل نزيفاً حاداً لرأس المال البشري والمالي على حد سواء.

ويخلص أحمد عبيد إلى أن السودان لا يمر بمرحلة نمو، بل بمرحلة “بقاء اقتصادي”، حيث يظل العمل الحر مجرد “آلية نجاة” في بيئة خانقة تفتقر للحماية الاجتماعية والبيانات الدقيقة. ويحذر من أن استمرار هذا النمط دون إدماج ذكي في الاقتصاد الرسمي سيجعل من السودان”اقتصاداً عالي الحركة، ولكن منخفض القيمة”، حيث ينجو الأفراد يومياً ولكن دون القدرة على بناء مستقبل مستدام.
إدارة الأزمات كبديل للتخطيط
تصف، الأخصائية النفسية، د. سلمى إدريس في مقابلة مع (عاين) ما يحدث في الوعي الجمعي السوداني بأنه يتجاوز مجرد التكيف مع الحرب، ليصل إلى “إعادة برمجة عميقة” لطريقة التفكير واتخاذ القرار. وترى أن الأزمات الممتدة استبدلت التفكير الاستراتيجي طويل الأجل بـ “نموذج البقاء”، حيث تنحصر الأولوية في تساؤل واحد: “ما الذي يجعلني أتجاوز اليوم؟”؛ وهو ما أدى إلى ظهور قرارات سريعة وحدسية مبنية على الخوف والندرة، حيث استُبدل التخطيط المسبق بإدارة الأزمات اللحظية.
هذا التحول النفسي الذي ترصده د. سلمى، يتقاطع بشكل دقيق مع نتائج دراسة نفسية أجريت في عام 2025 حول آثار الحرب على النازحين السودانيين، والتي كشفت عن مرور الأفراد بمراحل اضطراب تبدأ بـ “عدم التصديق والتبلد العاطفي”، وصولاً إلى حالة من “الشلل الوظيفي” في مجالي العمل والتعليم. وتوضح أن هذا الشلل ليس تكاسلاً، بل هو نتيجة مباشرة للصدمة والنزوح القسري الذي يعطل القدرات التكيفية للفرد، ويجعل الانخراط في وظيفة رسمية أو مسار تعليمي منظّم أمراً يفوق طاقة التحمل النفسية في مراحل الأزمة الحادة.
الحرب لا تنتهي عندما يتوقف الرصاص، بل عندما تُبنى طريقة التفكير من جديد والتَكيُّف القسري الحالي له تكلفة نفسية مؤجلة تظهر آثارها العميقة في مرحلة ما بعد الصراع
أخصائية نفسية
وفي ظل هذا “الشلل الوظيفي” في القطاعات الرسمية، تفسر د. سلمى العزوف عن الوظائف التقليدية والاندفاع نحو العمل الحر، محذرة من اعتباره “تمكيناً” في كل الحالات؛ فبالنسبة لها، الأمان تحول من “أصل ثابت” (مثل الوظيفة أو البيت) إلى “تدفق متغير” ولحظي. وتقول د. سلمى بوضوح: “أحياناً يكون العمل الحر هو هروب تكيفي من العجز، ومحاولة لاستعادة الإحساس بالسيطرة بعد انهيار السوق الرسمي”.
وتشير البيانات الإحصائية إلى أن هذا الهروب نحو العمل غير المستقر أدى لزيادة حالات “القلق المعيشي المزمن”، حيث فقد الأفراد قدرتهم على تجميع “رأس مال نفسي” يساعدهم على التخطيط للمستقبل. وتختم د. سلمى رؤيتها بتحذير هام، مؤكدة أن “الحرب لا تنتهي عندما يتوقف الرصاص، بل عندما تُبنى طريقة التفكير من جديد”، مشيرة إلى أن التكيف القسري الحالي له “تكلفة نفسية مؤجلة” قد تظهر آثارها العميقة في مرحلة ما بعد الصراع.





















