اعتقالات وسط (50) ألف أستاذ جامعي أضربوا عن العمل

عاين- 29 مارس 2026

بدأ أساتذة الجامعات في السودان اليوم الأحد إضرابا شاملا ومفتوح في 35 جامعة حكومية، احتجاجا على تجاهل الحكومة إجازة الهيكل الراتبي.  وقالت لجنة أساتذة الجامعات السودانية (لاجسو): أن “أكثر من (50) ألف أستاذ وباحث قد انخرطوا في الإضراب”.

وأشارت اللجنة، إلى أن العودة إلى القاعات الدراسية والمعامل البحثية مرهونة بقرار سياسي واحد: “إجازة الهيكل الراتبي الخاص”، ورفض أي حلول جزئية أو وعود مالية وصفوها بـ “المسكنات” التي لا تليق بمكانة الأستاذ الجامعي.

ومع حلول “ساعة الصفر” صباح اليوم الأحد، بدت مجمعات الجامعات الحكومية في الولايات الخاضعة لسيطرة الجيش، خالية من الكوادر التدريسية. وأكد الأستاذ الجامعي وعضو لجنة (لاجسو) لؤي خضر لـ(عاين) أن “الإضراب دخل حيز التنفيذ الفعلي من قِبل جميع الأساتذة والباحثين في كافة الجامعات الحكومية دون استثناء”.

ورصدت (عاين) تصعيداً أمنياً لافتاً ضد الحراك الأكاديمي. وأكدت مصادر مطلعة لـ(عاين)، أن السلطات بولاية النيل الأبيض، وتحديداً في مدينة الدويم، اعتقلت 8 من أساتذة جامعة بخت الرضا على خلفية التزامهم بقرار الإضراب. هذه الخطوة أثارت موجة من الاستياء في الأوساط الجامعية، واعتبرها الأساتذة محاولة فاشلة لترهيبهم لكسر الإضراب، مشددين على أن الاعتقالات لن تزيدهم إلا إصراراً على مواصلة نضالهم المطلبي.

وقال الناطق الرسمي باسم لجنة أساتذة الجامعات السودانية (لاجسو)  فضل الله موسى لـ(عاين): أن “الإضراب شمل 35 جامعة حكومية، مما أدى إلى شلل تام في قطاع التعليم العالي. ورغم محاولات بعض إدارات الجامعات، مثل جامعة سنار وبخت الرضا، إصدار بيانات تؤكد استمرار الأنشطة الأكاديمية والامتحانات وفق الجداول المعلنة، إلا أن رد اللجنة كان حاسماً وميدانياً” وتابع: “البيانات الصادرة من الإدارات تمثلها هي كمؤسسات إدارية، أما نحن كأساتذة فنحن أصحاب المصلحة وملتزمون تماماً بتنفيذ الإضراب، والقاعات الخالية هي الدليل الأكبر”.

جذور الأزمة: البحث عن “سند قانوني” لا مجرد زيادة أجور

في قلب مدينة بورتسودان، التي باتت العاصمة الإدارية المؤقتة ومركزاً للثقل الأكاديمي النازح، ترتفع أصوات الأساتذة لتؤكد أن قضيتهم ليست “مطلبية مادية” بحتة كما تحاول بعض الجهات تصويرها. ويوضح الناطق الرسمي باسم اللجنة فضل الله مصطفى موسى في مقابلة مع (عاين)، أن جوهر الصراع يكمن في “الاستحقاق القانوني” الذي تم تعطيله عمداً لسنوات.

يقول موسى: “أصل القضية هو استكمال استثناء الأستاذ الجامعي من قانون الخدمة المدنية القومي. نحن لا نبحث عن زيادة نسبية في المرتبات تلتهم قيمتها نيران التضخم في ظرف أيام، بل نبحث عن سند لائحي وقانوني يكرس خصوصية المهنة عبر هيكل راتبي خاص ولائحة شروط خدمة منفصلة. هذا حق كفله لنا القانون الإطاري للخدمة المدنية لعام 2018 في مادته (4.2)، لكن هذا النص ظل حبراً على ورق بسبب البيروقراطية الرسمية والمماطلة المتعمدة من وزارة المالية والتعليم العالي”.

ويشدد موسى على أن اللجنة تدعم القوات المسلحة في “حرب الكرامة”، وهي تفرق تماماً بين الحقوق النقابية المشروعة وبين الواجب الوطني، ولا ترى أي تعارض بين المطالبة بالعدالة الوظيفية وبين الاصطفاف خلف مؤسسات الدولة في ظل الحرب.

الرواية الحكومية: مبررات “الدعم الإضافي” وصون السمعة

على الجانب الآخر، تجد وزارة التعليم العالي والبحث العلمي نفسها في موضع الدفاع عن صورتها المؤسسية. وفي بيان شديد اللهجة طالعته (عاين)، نفت الوزارة بشكل قاطع الاتهامات الموجهة إليها بالاستيلاء على 40% من الدعم المؤسسي المقدم من وزارة المالية، مؤكدة أن ميزانيتها منفصلة وتخضع لرقابة ديوان الحسابات القومي.

وفي محاولة واضحة لاحتواء الغضب المتصاعد، أعلنت الإدارة العامة للتمويل بالوزارة عن “دعم إضافي شهري” أُجيز ضمن موازنة 2026، يهدف لتحسين الوضع المالي لأعضاء هيئة التدريس وتأهيلهم. وأكدت الوزارة أن هذا الدعم “محفوظ ولن يتم التصرف فيه” لحين اكتمال قاعدة بيانات العاملين، معلنة أن التوزيع سيبدأ بعد عطلة عيد الفطر المبارك.

إلا أن هذا “السخاء الحكومي المفاجئ” لم ينجح في إقناع (لاجسو). فقد اعتبرت اللجنة في بيانها الرقم (35) أن هذه الزيادات ليست سوى “التفاف لقتل القضية الأساسية”، ووصفتها بأنها “ذر للرماد في العيون”. وأكدت اللجنة أن” أي زيادة مالية لا تستند إلى إجازة الهيكل الراتبي الرسمي ولائحة شروط الخدمة الموصى بها هي مرفوضة تماماً ولا تعني الأستاذ الجامعي في شيء، لأنها تفتقر للديمومة القانونية”.

جيل الحرب: الطلاب في مواجهة “الفشل المتوقع”

بين إصرار اللجنة وتبريرات الوزارة، يقبع الطالب السوداني في “منطقة رمادية” مظلمة. أحمد محمد العوض، طالب بجامعة البحر الأحمر، يقول لـ(عاين): “المصير المتوقع لهذا العام الدراسي هو الفشل الكامل، تماماً كالأعوام السابقة. هناك مخاوف حقيقية تجتاحنا من ضياع سنواتنا الدراسية المتبقية بعد أن ضاع الكثير من أعمارنا في أتون النزوح واللجوء”.

أما هناء أحمد، الطالبة بجامعة كسلا، فتعبر عن حالة التناقض التي يعيشها الطالب السوداني؛ فهي من جهة تدعم مشروعية مطالب أساتذتها؛ لأنها تتعلق بـ “كرامة الأستاذ” واستقراره، لكنها من جهة أخرى تخشى “الثمن” الأكاديمي الباهظ. تقول هناء لـ(عاين): “تمديد العام الدراسي أصبح هماً يؤرقنا ويؤرق أسرنا المنهكة اقتصادياً. استقرار الجامعات هو استقرار لمستقبلنا كشباب، واستمرار هذه الأزمة دون حلول جذرية سيؤدي حتماً إلى انهيار تعليمي ممتد لسنوات، وهو ما لا تتحمله البلاد حالياً”.

تؤكد لجنة (لاجسو) أن القضية “وصلت ذروتها واكتملت كافة إجراءاتها الفنية، ولم يتبقَّ إلا صدور القرارات السياسية العليا”، واصفة لحظة الإضراب بأنها “لحظة الحسم”؛ فإما انتزاع الحقوق القانونية التي ناضلوا من أجلها منذ سنوات، أو القبول بمزيد من التهميش المهني الذي سيؤدي بالضرورة إلى إفراغ الجامعات من كفاءاتها.

الأستاذ لؤي خضر شدد في حديثه لـ (عاين) على أن الأساتذة مستمرون في موقفهم حتى إجازة الهيكل الراتبي ولائحة شروط الخدمة الموصى بها من قِبل اللجنة الفنية بمجلس الوزراء. ورغم الضغوط الأمنية واعتقال الأساتذة في الدويم، إلا أن الحراك يبدو أكثر تماسكاً، مدفوعاً بمرارة الوعود التي لم تتحقق في موازنة 2026.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *