كيف انعكست الحرب على الأغاني ودراما رمضان بالسودان؟
عاين- 13 مارس 2025
شهد موسم رمضان الحالي للعام 2026 عودة نسبية للإنتاج الدرامي السوداني رغم ظروف الحرب، مع عرض عدد من الأعمال مثل “المنطقة X” و”حنين” و”دم الحمام”، كما شهد الموسم لأول مرة منذ اندلاع الحرب عودة البرنامج الغنائي الشهير “أغاني وأغاني”.
كثافة الإنتاج الدرامي مقارنة بالسنوات الماضية، وعودة “أغاني وأغاني” أثارت الكثير من الجدل حول مدى اقتراب هذه الأعمال من واقع السودان الماثل، وهل نجحت في تناوله إيجابيًا أم لا.
يأتي هذا الإنتاج وسط تباين في أوساط المهتمين، فبينما اعتبره البعض مؤشرًا لمحاولة استعادة الحياة الثقافية رغم الحرب، يرى آخرون أن معالجة موضوعات حساسة مثل الحرب والانقسام الاجتماعي تفرض على منتجي الدراما والموسيقى قدرًا أكبر من الحذر، حتى لا تتحول بعض الأعمال إلى إعادة إنتاج لخطابات الاستقطاب أو الكراهية.
المنطقة X.. الحرب موضوعًا دراميًا مباشرًا
من أكثر الأعمال الدرامية التي استوقفت المتابعين خلال هذا الموسم، مسلسل المنطقة X للمخرج أبو بكر الشيخ. ويتناول المسلسل بشكل واقعي مباشر وقائع وأحداث حرب 2023. ولحساسية موضوعات حلقاته توجهت (عاين) بسؤال مباشر لأحد أبطاله، عما إذا كان المسلسل قد انحرف في بعض حلقاته، ومال إلى خيار الحرب، أو إذا ما تورط في خطاب الكراهية، مثلما يتهمه بعض متابعي الدراما السودانية؟
يدافع الممثل كرار الزين عن المنطقة X بقوله: “مخرج المسلسل وكتاب الحلقات وكل الطاقم كنا مدركين لهذا التحدي، لذا أثناء التصوير كان يحدث تعديل في الحوار واستخدام المفردات، حتى تقال بطريقة مقبولة وغير مسيئة لأي شخص أو إثنية أو مجموعة سكانية بعينها، وفي رأيي نجحنا بشكل كبير في ذلك، وربما أيضًا حدثت بعض الهفوات سهوًا”.
الممثل كرار الزين يوضح بأن “فكرة المسلسل تتعلق بالأحداث التي صاحبت الحرب، القصص التي وقعت للناس العاديين، وأكيد في مخيلة أي إنسان شغلت هذه القصص حيزًا كبيرًا، لا سيما الفنان الذي يكون منشغلاً جدًا بما يحدث في البلاد”.
ويؤكد كرار أن مجموعة من الكتاب شاركت المخرج أبوبكر الشيخ في كتابة حلقات المسلسل منهم قصي السماني وعبد الناصر الطائف ومنى سليمان وأشرف بشير ومدثر حسن. وفي رأيه أن “هؤلاء فنانين كبار ومتمرسين في الدراما السودانية، فأكيد لديهم القدرة على اختيار الزوايا؛ لأن الموضوع حساس، بمعنى كيف يمكنك دون أن تجرح الآخرين أو تفزعهم، والتأثير نفسه لا بد أن يكون متوازناً حتى لا يكون المردود عكسياً”.
وعن مشاركته في المسلسل يقول الزين: “الحرب أوصلتنا إلى سقف عجيب، بمعنى أنها رفعت الإيقاع دراميًا، إلى أن وجدت حكايات المنطقة إكس ووجدت السيناريو جيدًا، ووافقت عليه من أول حلقة عرضت علي”.
ويعد مسلسل “المنطقة X” الذي تم تصويره في العاصمة السودانية الخرطوم أحد أول المحاولات الدرامية المباشرة للاقتراب من يوميات الحرب السودانية، عبر التركيز على قصص المدنيين وتجاربهم مع النزوح والخوف والتحولات الاجتماعية التي فرضها الصراع.
الحرب كخلفية للدراما الرمضانية
تباينت زوايا التناول لدراما رمضان هذا العام اقترابا وابتعاد من الحرب وتأثيراتها على المجتمع. الصحفي المهتم بالشأن الثقافي مصعب محمد علي يقول لـ(عاين): “نعم، يمكن القول إن الحرب كانت العنوان الأبرز لدراما رمضان السودانية هذا العام، حتى في الأعمال التي لم تجعلها موضوعًا مباشرًا. لم تظهر الحرب دائمًا في صورة معارك أو اشتباكات، لكنها حضرت كظل يفسر كل شيء ويعيد ترتيب العلاقات والدوافع والمصائر”.
ويضيف مصعب: “اللافت أن قضايا الحب والأسرة والهوية لم تعد موضوعات مستقلة بذاتها، بل مشروطة بالنزاع. الحب مهدد، الأسرة معرضة للتفكك، والهوية تعاد صياغتها تحت ضغط النزوح والانقسام المجتمعي. لم تعد الحرب حدثًا عسكريًا فحسب، بل أصبحت مناخًا نفسيًا يظلل الشخصيات، ويحدد خياراتها وأحلامها”.
الحرب كانت الخلفية الثابتة لكل الأعمال، إلا أنها لم تصبح بعد نصًا دراميًا مكتمل المواجهة يذهب إلى الجذور بجرأة ووضوح
صحفي مهتم بشأن الثقافي
ويرى مصعب، أن “دراما هذا العام ناقشت الحرب وأدركت ثقلها، لكنها وقفت في منتصف الطريق بين الاقتراب الكامل والمراوغة الفنية”. ويشير إلى أن “الحرب كانت الخلفية الثابتة لكل الأعمال، إلا أنها لم تصبح بعد نصًا دراميًا مكتمل المواجهة يذهب إلى الجذور بجرأة ووضوح”.
كما ظهرت أعمال أخرى مثل “حنين” و”دم الحمام” التي تناولت التحولات الاجتماعية والنفسية التي فرضتها الحرب على حياة الأفراد، حيث ركزت بعض هذه الأعمال على قصص العائلات الممزقة بفعل النزوح أو الانقسام السياسي، بينما فضلت أعمال أخرى تقديم الحرب بوصفها خلفية للأحداث دون الخوض المباشر في تفاصيلها.
أغاني وأغاني.. في زمن الحرب تتغير زاوية النظر
في ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في البلاد، حتى ما قبل الحرب، ظلت الدراما السودانية تعاني تعقيدات كثيرة متعلقة بالتمويل والاستمرارية واستسهال الإنتاج، بيد أن الأمر يبدو مختلفًا وأقل كلفة حين يتعلق ببرامج المنوعات.
يُعد برنامج أغاني وأغاني واحدًا من أبرز البرامج الموسيقية في السودان، وقد ارتبط بذاكرة المشاهدين، خاصة في شهر رمضان، ويستعيد البرنامج الأغنية السودانية الكلاسيكية والحديثة، عبر تقديمها بأصوات فنانين من أجيال مختلفة، مع سرد معلومات توثيقية عن الشعراء والملحنين والظروف التاريخية التي وُلدت فيها الأغنيات، وبذلك جمع بين الترفيه والتوثيق، وأسهم في حفظ الوجدان الغنائي وتوريثه للأجيال الجديدة.
عن أغاني وأغاني نسخة هذا العام يقول الناقد والكاتب الرفاعي حجر لـ(عاين): “في أوقات السلم، تتجلى طبيعة البرنامج بوصفه مساحة احتفاء بالتراث والجمال الفني، حيث يعيد تقديم أعمال خالدة بروح معاصرة، ويتيح لقاءً حميمًا بين الفنانين والجمهور، في هذا السياق، يؤدي دورًا ثقافيًا جامعًا، يكرّس للذاكرة الوطنية المشتركة، ويعزز الإحساس بالهوية الفنية الجامعة”.
ويتابع: “أما في أزمنة الحرب والأزمات، فتتغير زاوية النظر إليه، فالبعض يرى في استمراره رسالة صمود ثقافي، تؤكد أن الحياة لا تتوقف رغم القسوة، وأن الفن يمكن أن يكون ملاذًا نفسيًا في وجه الخوف والانقسام، بينما ينتقد آخرون بثّه لمحتوى احتفالي في ظل معاناة إنسانية واسعة، معتبرين أن السياق العام يفرض حساسية أكبر في اختيار الموضوعات والأغنيات”.
تأثير برنامج أغاني وأغاني يختلف في زمن السلم والحرب، ويصبح اختيار الأغنية وطريقة تقديمها فعلًا ثقافيًا ذا أبعاد اجتماعية تتجاوز حدود الطرب إلى مساحة المعنى والمسؤولية
الكاتب والناقد الرفاعي حجر
ويرى الرفاعي أن من أبرز محاور النقاش حول البرنامج تناوله للإرث الحماسي في الأغنية السودانية، فقد درج على تقديم أعمال وطنية وحماسية ارتبطت بمحطات تاريخية مفصلية، ويشرح قائلًا: “هي أعمال تحمل شحنة عاطفية عالية، تعزز الاعتزاز والانتماء، غير أن هذا الإرث، في ظل واقع منقسم، قد يُستقبل بقراءتين، قراءة تعتبره توثيقًا لمرحلة ومشاعر جماعية، وقراءة أخرى تخشى أن يتحول إلى إعادة إنتاج لاستقطاب أو تمايز، خصوصًا إذا ارتبط بخطابات تعبئة أو اصطفاف”.
ويستطرد الرفاعي: “كما يثار جدل حول بث بعض الأغنيات التي قد تُفهم على أنها تعمّق الفوارق، أو تستحضر ثنائيات (نحن وهم)، حتى وإن لم تُقصد بذلك، هنا تبرز أهمية الوعي بالسياق، وبكيفية تقديم العمل، وبالخطاب المصاحب له”.

ويخلص الناقد الرفاعي إلى أن برنامج أغاني وأغاني يظل برنامجًا ذا قيمة فنية وتوثيقية كبيرة، غير أن تأثيره في زمن السلم يختلف عنه في زمن الحرب؛ إذ يصبح اختيار الأغنية وطريقة تقديمها فعلًا ثقافيًا ذا أبعاد اجتماعية تتجاوز حدود الطرب إلى مساحة المعنى والمسؤولية”.
الجمهور بين التشجيع والنقد
لمياء حسن وهي متابعة للدراما التلفزيونية السودانية، تقول لـ(عاين) أنها ربما بكثرة المتابعة والمشاهدة استطاعت تكوين رؤية نقدية لهذه الدراما، وترى أنه رغم ما يوجه إليها من انتقاد سلبي في كثير من الأحيان، إلا أنها تمضي إلى الأمام، وتعزز رأيها بالقول: “كثرة الإنتاج واستمراره دليل عافية”، وتضيف: “نعم ربما هناك ميل سياسي أو أيديولوجي ظاهر في بعض الأعمال، ومبالغة واقعية في أعمال أخرى، لكن هذا لا يقلل من ضرورة تشجيع هذه الأعمال ومنتجيها”.
الحرب حالة كابوسية، وكابوسيتها هذه تضغط على الجميع بمن فيهم الدراميون، لذا ليس غريبا أن تظهر انحيازات هنا وهناك
لمياء حسن- متابعة للدراما السودانية
وحول ما إذا كانت هناك تأثيرات سلبية تعزز خطاب الكراهية، أو تراهن على الحرب، مثلما يرى البعض، تقول لمياء: “الحرب حالة كابوسية، وكابوسيتها هذه تضغط على الجميع بمن فيهم الدراميون، لذا ليس غريبا أن تظهر انحيازات هنا وهناك أو أن تفلت بعض العبارات أو طرق التناول وتحسب في هذا الاتجاه”. وتضيف مستدركة: “لكن بالطبع لا بد من توجيه النقد لهذه الأخطاء والتأكيد على أن دور الفن في مثل هذه الظروف الصعبة هو تعزيز السلام والمناداة بوقف الحرب”.
الفن.. ذاكرة وصلح اجتماعي
تتكرر كثيرًا مقولة “سودان ما بعد الحرب سيختلف عما قبله”، وربما المقصود إن الحرب بقسوتها وعنفها ومأساتها يجب أن تصل بالسودانيين إلى واقع مختلف تمامًا، فإما أن تظل البلاد متوحدة في ظل عقد اجتماعي وسياسي جديد أو انزلقت إلى فخ الانقسام والتشتت.
وفي هذا السياق يرى مهتمون بالشأن الثقافي أن الفنون – بما فيها الدراما والغناء – يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في إعادة بناء الذاكرة الجمعية وتخفيف حدة الاستقطاب، عبر تقديم سرديات إنسانية تركز على معاناة الناس المشتركة بدل تكريس الانقسامات.





















