الخرطوم.. حياة تولد من جديد

عاين- 8 مارس 2026
تدب الحياة في الأحياء السكنية بالعاصمة الخرطوم بنسبة أعلى عن العام الماضي على الرغم من انتشار المظاهر العسكرية، في وقت أفاد فيه عاملون في المجال الإنساني إلى أن 88 منطقة سكنية بالعاصمة السودانية تنتظر إعادة تأهيل مرافق المياه والكهرباء وإزالة القبور العشوائية.
عادت عائلة “محمود” إلى الخرطوم، وتحديداً إلى حي جبرة جنوب العاصمة، لتجد منزلها وقد تحول إلى مجرد “هيكل” بفعل الناهبين الذين لم يتركوا شيئاً، حتى النوافذ والأبواب والأسطح المعدنية (الزنك) تم اقتلاعها.
ورغم الخراب والنهب اللذين أثرا بشدة على اقتصادات العائلات التي قررت العودة إلى منازلهم بوضع أعباء الصيانة وشراء الأثاثات على عاتقها بدأت الأسواق الصغيرة في الأحياء بالظهور مجدداً، وتتدفق سلاسل إمداد الخضروات والسلع الغذائية إلى الأحياء والمراكز التجارية بطريقة سلسة، وفقاً لما ذكره أحمد محمود، الموظف المصرفي صاحب الـ (33 عاماً). بيد أن التحديات لا تزال قائمة، وتتمثل في شح فرص العمل ونقص السيولة النقدية التي تمكن الناس من شراء احتياجاتهم الضرورية اليومية.
يضيف أحمد: “الخرطوم لم تُدمر كلياً، لكنها عانت من نهبٍ شلّ قدرات الطبقة الوسطى، وهي الطبقة التي تجعل الحياة أكثر ازدهاراً في المدن والعواصم”. كما أشار في مقابلة مع (عاين)، إلى أن الوضع الأمني لا يزال محل تساؤل، نظراً لأن مخلفات الحرب التي وصفها بـ “العدو الصامت” لم يتم التعامل معها بصورة شاملة حتى الآن.
عمليات إعمار
وبشكل مستمر يطالب عضو مجلس السيادة الانتقالي ومسؤول اللجنة الحكومية لتعزيز بيئة العودة، الفريق إبراهيم جابر، السكان باستئناف حياتهم من الخرطوم باعتبارها مركز الثقل السياسي والاقتصادي للبلاد.
وصرح مسؤول محلي بولاية الخرطوم لـ(عاين) بأن وتيرة استعادة الحياة العامة بالعاصمة السودانية، لا سيما في بحري والخرطوم اللتين تأثرا بشكل كبير أحرزت فيه الحكومة تقدما أكثر من العام الماضي. ويشير المسؤول المحلي إلى أن عودة أكثر من 55 مستشفى بأنحاء العاصمة وإزالة 70% من القبور العشوائية ومخلفات الحرب في الخرطوم وبحري وأم درمان ساعدت الناس على العودة إلى منازلهم.
ويعتقد هذا المصدر الحكومي أنه بحلول النصف الثاني من العام 2026 ستكون العاصمة السودانية بحالة أقرب إلى ما كانت عليها قبل اندلاع الحرب، مشيرا إلى أن هناك اتفاقات جديدة قد تحدث “فرقا كبيرا” خلال الأشهر القادمة على صعيد الإعمار وإزالة مخلفات الحرب بما في ذلك إنهاء المظاهر العسكرية وإنعاش الأسواق وتمكين المواطنين من مصادر كسب العيش.

مراسل لـ(عاين) يعايش الحرب لعام كامل ويكتب من جنوب الخرطوم: (1 – 2)
مركبة عسكرية في الخرطوم

وختم المسؤول المحلي بولاية الخرطوم إفادته بالقول: “المناطق التي تعمل فيها الفرق الهندسية لإزالة مخلفات الحرب هي: أقصى شمال بحري ومحيط سلاح المدرعات جنوب الخرطوم ومحيط سلاح المهندسين في أم درمان، وقطعت الفرق المختصة شوطا كبيراً”.
إجمالاً، ينمو الأمل في نفوس المواطنين العائدين إلى ديارهم بالعاصمة، لا سيما مع وصول شحنات معدات الكهرباء إلى الأحياء السكنية، وهو مشهد أعاد الطمأنينة لمن رأوا الخرطوم، وهي تغرق في الفوضى طوال الأشهر الماضية.
يقول محمد عبد الرحمن، وهو موظف حكومي: “لا يوجد ما يدعو للتشاؤم عند الرغبة في العودة للمنازل، لكن التحديات قائمة مثل مخلفات الحرب، وشح العمل، ونقص المال”. ويرى عبد الرحمن، أن معالجة هذه الملفات ستسهم في استعادة العاصمة لصالح الحياة الطبيعية، لكنه استدرك قائلاً إن ذلك لا يمكن ضمانه ما لم تتوقف الحرب في جميع أنحاء البلاد لضمان الحصول على مساعدة المجتمع الدولي في صيانة محطات المياه والكهرباء، ونقل رفات الموتى من القبور العشوائية، ونزع مخلفات الحرب من الأحياء السكنية.
أحياء خالية من الحياة
في المناطق الشرقية للعاصمة السودانية، وتحديدا في أحياء الرياض والطائف والمنشية وأركويت تلك الأحياء التي اشتهرت بالتكلفة العقارية الباهظة قبل الحرب باتت هذه المناطق تعيش فراغاً سكانياً هائلاً مع تباطؤ عودة المواطنين إلى منازلهم.
وباعتبار أن هذه الأحياء كانت شبه خالية من السكنى المكتظة، لا توجد قبور عشوائية منتشرة بكثافة؛ بالمقابل، تحولت ساحة عامة بالقرب من شارع “عبيد ختم” إلى مقبرة لموتى المعتقلات التي أقامتها قوات الدعم السريع، وفقاً لما ذكره هشام الخير (40 عاماً) أحد العائدين إلى أركويت مضيفاً لـ(.) أن شرق العاصمة تعيش عودة طفيفة للنشاط التجاري في شارع “المشتل” أحد أشهر المراكز التجارية بحي الرياض. وفي الوقت نفسه ينوه هشام الخير إلى أن الوضع الأمني تحسن بشكل كبير خلال الشهرين الأخيرين وباتت معظم الأحياء التي عاد إليها المواطنون آمنة نسبياً بانحسار المظاهر العسكرية وتراجع جرائم النهب والتهديد تحت سطوة السلاح.
أما زهرة عبد الحميد (22 عاماً)، الطالبة الجامعية التي عادت للتو إلى منزلها في حي امتداد ناصر، فتشير إلى أن الوضع في أحياء المنشية والمعمورة والرياض والطائف لا يزال “موحشاً” نتيجة عدم عودة السكان بالقدر الكافي.
تضيف زهرة لـ(عاين): “توجد القبور العشوائية في بعض الساحات قرب شارع عبيد ختم ومنطقة محيطة بجامعة أفريقيا العالمية؛ وتعمل فرق انتشال الرفات بشكل بطيء، لكنها تعمل على أي حال، ونشعر بالقلق من وجود ذخائر غير مكتشفة في بعض الأحياء السكنية شبه الفارغة من النشاط اليومي”.
مخاطر الألغام
جنوباً، لم تكن الأمور مشابهة للمناطق الموازية؛ فالأمر يزداد تعقيداً رغم مخاطر انتشار الألغام والذخائر في مناطق العزوزاب واللاماب والأقصى وغزة وأجزاء من جبرة. ويقول مسعود عبد الله الموظف السابق في هيئة دولية معنية بالتنمية إن العديد من الأحياء السكنية في العاصمة لا تزال غير مكتظة بالمواطنين، لاسيما مدينتي بحري والخرطوم، ما استدعى الحكومة القائمة برئاسة كامل إدريس لإصدار قرارات بتهيئة البيئة العامة وصيانة الكهرباء والمياه في نحو 88 منطقة.
ويضيف عبد الله لـ(عاين): “لا تزال أحياء الخرطوم بحري تواجه مشكلة في الإمداد المائي والكهرباء، في حين تنتشر بعض القبور العشوائية في الساحات”.
وتابع قائلا: “الحياة عادية في الخرطوم بحري عندما تنظر بشكل عام وكأن المدينة لم تشهد حرباً لكن في الليل يغطي الظلام معظم الأحياء كما يمكن ملاحظة نقص المياه والمستشفيات” يضيف عبد الله.

وسط مدينة الخرطوم يوم السبت 30 أغسطس 2025

وأردف بالقول: “بصورة عامة إذا تمكنت الحكومة من تحسين قطاعات الكهرباء والمياه ربما تساعد نصف مليون شخص على العودة إلى منازلهم في بحري”.
وكان مسؤول في هيئة الطب العدلي بولاية الخرطوم قد أشار مطلع هذا العام إلى أن خطط إخلاء المقابر العشوائية ستمتد حتى منتصف عام 2026.
وأكدت منظمة الهجرة الدولية عودة 850 ألف شخص في تقرير أصدرته في سبتمبر 2025 إلى العاصمة السودانية من دول اللجوء، ومن مواقع النزوح الداخلي، لا سيما من الولايات الآمنة نسبياً.
وتقول أمنية محمد أحمد، العاملة الإنسانية الطوعية، إن المناطق المحيطة بسلاح المدرعات جنوبي العاصمة تأثرت بالألغام التي زرعت إبان المواجهات.
تضيف أمنية: “زار فريق عسكري هندسي المنطقة، ونظف بعض الشوارع، لكن السكان يعتقدون أن هناك العشرات من الألغام غير المكتشفة التي دُفنت بشكل عشوائي خلال النزاع المسلح بين عامي 2023 و2024.
وتضيف في مقابلة مع (عاين): إن “أحياء الشجرة واللاماب والعزوزاب والأقصى وحي المصانع وأجزاء من الأحياء الواقعة قرب النيل الأبيض غير مأهولة بالكامل نتيجة هذه المخاطر”.
أبرز منطقة تجارية خارج الخدمة
وفي تصريحات أدلى بها نهاية فبراير الماضي، أكد رئيس الوزراء كامل إدريس أن الخرطوم أصبحت آمنة، داعياً المواطنين للعودة وممارسة حياتهم بصورة طبيعية. فيما تشير المستشارة السابقة لدى منظمة دولية، نهلة حسن، إلى إن خارطة العاصمة من حيث الكثافة السكانية باتت فوق 50% عما كانت عليه قبل اندلاع القتال، لكن هذا لا يعني أن الحياة عادت بكامل طاقتها في معظم المناطق.
تعتقد حسن أن هناك أسئلة منطقية يطرحها اللاجئون والنازحون الذين لم يعودوا بعد، حول قدراتهم على استعادة حياتهم ومصادر كسب عيشهم. وتضيف: “منطقة السوق العربي، التي كانت تستوعب قرابة مليوني شخص يعملون في القطاع الخاص، لا تزال خارج الدائرة الاقتصادية النشطة بسبب النهب والدمار، ولا توجد حتى الآن خطة حكومية واضحة لاستعادتها كمركز مالي وتجاري قد يساعد مئات الآلاف على استئناف عملهم اليومي”.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *