“قوارب تحمل الناس والموت معًا”.. عبور النيل رهن الصدفة شمالي السودان
عاين- 26 فبراير 2026
من نقطة صغيرة لتشغيل المراكب البدائية بقرية “طيبة الخواض” القريبة من مدينة شندي الواقعة على بعد 300 كيلومتر شمالي العاصمة السودانية الخرطوم، لم يكن “المراكبي” الخمسيني مكترثاً بإحصاء عدد الأشخاص على متن قاربه الذي يستعد للإبحار من الضفة الشرقية إلى الغربية لغرض معاينة الحمولة وسلامة الراكبين.
توزع الركاب على القارب ما بين الجلوس في مؤخرة المركب الحديدي وقليل منهم في المقدمة عندما بدأ “المُعدي” الذي نجا من الغرق في تشغيل الماكينة الصغيرة لم تمر دقائق حتى انقلب رأساً على عقب، مخلفاً فاجعة بمقتل ما بين 21 شخصاً مساء يوم الأربعاء 11 فبراير الجاري حسب السلطات المحلية.
في القرى الواقعة على ضفتي النيل شمال السودان، والتي تبدأ من شمال العاصمة الخرطوم وصولاً إلى محلية وادي حلفا أقصى الولاية الشمالية قرب الحدود مع مصر، في مسافة لا تقل عن 1600 كيلومتر، يتنقل المواطنون فيها عبر مراكب بدائية تُصنع في ورش محلية لا تراعي أدنى معايير السلامة.

لن أذهب إلى النيل مرة أخرى
الحادث الذي أودى بحياة 21 شخصاً في نهر النيل حسب البيان الرسمي للحكومة المحلية في 11 فبراير الحالي تكرر أيضاً بعد أقل من أسبوع في ولاية النيل الأبيض، حيث غرق نحو خمسة أشخاص أثناء الإبحار على متن قارب صغير بين ضفتي النيل.
عندما غرق المركب الذي كان يبحر من قرية “طيبة الخواض” إلى “ديم القراي” بريفي شندي، كان عثمان السيد الآغا يراقب الوضع عن كثب لحظات فقط جعلته يفقد زوجته التي كانت ترافقه مع آخرين، في حادثة خلّفت أكثر من 21 قتيلاً ونجاة 14 آخرين في 11 فبراير 2026 وهزت الحادثة الرأي العام المحلي.
يقول عثمان السيد الذي نجا من الحادثة في مقابلة مع (عاين) إن المركب أبحر للوصول إلى مناسبة اجتماعية، واستقلوا مركباً حمل على متنه قرابة 30 شخصاً من النساء والرجال والأطفال. ويعزو السيد وهو موظف حكومي تعود خبرته إلى أكثر من عقدين غرق المركب بهذه السهولة إلى الحمولة الزائدة وعدم الالتزام بمعايير السلامة من قِبل المشتغلين في هذا القطاع.
الحادثة لم تمنع تنقل الأهالي عن طريق هذه المراكب لاحقاً؛ لأن الخيارات البديلة غير متاحة
ناج من حادثة غرق مركب ديم القراي
“رغم الفاجعة”- بسحب السيد، إلا أن” الحادثة لم تمنع تنقل الأهالي عن طريق هذه المراكب لاحقاً؛ لأن الخيارات البديلة غير متاحة”.
قاطع عثمان السيد المراكب النيلية التي تعمل في نقل الناس بين قريته. ويقول: “نفسياً غير قادر على الإبحار منذ فراق زوجتي التي توفيت غرقاً في النيل”.
يحصي ناشطون في ولاية نهر النيل نحو 120 قرية موزعة بين ضفتي بالولاية التي شهدت أكبر مأساة في 11 فبراير الجاري يتنقل سكانها بالاعتماد على المراكب الصغيرة من بينها الذهاب إلى الأسواق ومرافق الخدمات الضرورية.
“عشرات القوارب البدائية هي الوسيلة الوحيدة التي تساعد السكان على التنقل بين ضفتي النيل من الشرق إلى الغرب بحثاً عن المدارس والمستشفيات والمؤسسات العامة؛ لأن الخدمات الحيوية تتركز شرقاً في محلية شندي”. يقول الناشط المدني بالولاية محمد الصافي لـ(عاين).
ويضيف: “طلاب المدارس الراغبين في الذهاب إلى المدارس الثانوية التي لا تتوفر غربي النيل في محلية شندي يعبرون النهر بالمراكب الصغيرة يومياً، والصدفة وحدها هي من تبقيهم على قيد الحياة في نيل يُعرف بتقلب أمواجه وانعدام المراسي الثابتة والآمنة”.
وتابع قائلاً: “ولاية نهر النيل بها أربعة جسور فقط على النيل هي: (عطبرة، الدامر، أم الطيور، وشندي)، مقابل مساحة تمتد على جانبي النيل لقرابة 250 كيلومتراً، تضم قرىً يضطر سكانها للتنقل يومياً بين ضفتي النيل”.

“البنطون” .. التطبيع مع الإهمال
يعتمد التنقل بين ضفاف النيل في القرى الواقعة غربي محلية شندي على مراكب صغيرة مصنوعة من مادة “الفايبر” أو “الحديد” أما “البنطون” العبارة الكبيرة التي تعمل بمحركات ميكانيكية فتحتفظ إلى حد ما بمعايير السلامة، لكنها لا تتوفر في جميع المرافئ.
ويشير محمد الصافي المهتم بقضايا التنمية في ولاية نهر النيل إلى أن عشرات القرى الواقعة غربي النيل في محلية شندي تعتمد على مراكب بدائية تنخفض فيها معايير السلامة أحياناً إلى درجة تسرب المياه إلى داخل القارب. ويوضح الصافي أن العبارات الكبيرة (البنطون) قد تكون أكثر ملاءمة، لكن تكلفة التشغيل وملل الناس من الانتظار لساعات طويلة يجعلهم يستقلون المراكب الصغيرة والمخاطرة بحياتهم.
ويشدد الصافي على شقين أساسيين لسلامة المتنقلين عبر النهر: الأول هو تعيين نقاط من فرق الدفاع المدني في المرافئ المعزولة، وتشجيع الركاب على استخدام سترات النجاة؛ والشق الثاني هو وضع خطط قصيرة وبعيدة المدى لإنشاء جسور على النيل.
مفارقة الذهب والخدمات
ويعتقد محمد الصافي أن ولاية نهر النيل ترقد على “بحر من الذهب” وتحقق إيرادات مالية هائلة، يجب أن تُنفق على إنشاء الجسور والطرق والحفاظ على حياة الناس. ويضيف بمرارة: “تحصل الشركات والحكومة على عشرات الأطنان من الذهب سنوياً من هذه الولاية، حينها فقط يتذكرونها، أما بعد إتمام هذه الاستثمارات، فيديرون ظهرهم لأوجاع المواطنين”.
في محلية أبو حمد بولاية نهر النيل، لا تنفصل الحياة عن نهر النيل، بل تبدو الأمور هناك أشد قسوة؛ إذ تجد شاحنات محملة بالصخور المنتجة للذهب نفسها في قاع النيل من على ظهر العبارات النيلية (البنطون)، بفعل الحمولة الزائدة وعدم الالتزام بمعايير السلامة.
وفي هذا الصدد، يوضح الناشط المدني المتابع لقضايا محلية أبو حمد، حمد الفريعابي في مقابلة مع (عاين)، معاناة عشرات القرى الواقعة على ضفاف النيل حيث يقضي الناس يومهم في انتظار الوصول إلى الضفة الأخرى للوصول إلى الأسواق العمومية والمستشفيات والمدارس. ولا يتذكر “حمد” أي وعود حكومية جدية بإنشاء جسر يساعد السكان على التنقل بعيداً عن “قوارب الموت”، كما يسمونها، فوقائع كثيرة تدل على أن الحوادث قد تقع في أي لحظة طالما انخفضت الجودة، وغابت معايير السلامة.
في أبو حمد أيضا، لا تزال الحلول البدائية هي المسيطرة؛ فالمنطقة التي تنتشر فيها عشرات الشركات العاملة في قطاع الذهب، ويتوافد إليها آلاف العمال، تعتمد على عبارات نيلية متهالكة. ويضيف حمد الفريعابي: “تطرح الحكومة المحلية عبارة (البنطون) في عطاءات وتُوكل إدارته للأفراد الذين يستثمرون في هذا القطاع، ويركزون على جني المال وتجاهل معايير السلامة؛ فتجد العِبارَةُ تمتلئ بالركاب وتتعرض لضغوط تشغيلية كبيرة لدرجة حدوث أعطال في عرض النهر”.
عبارات متهالكة لعبور نهر النيل في منطقة أبو حمد يجرها العاملون عبر الحبال وهي محملة بالناس والشاحنات
حمد الفريعابي- ناشط مدني من أبوحمد
ويسرد الفريعابي قصصاً مأساوية؛ إذ يضطر الركاب أحياناً لمساعدة السائق على تحريك “البنطون” عبر ربطه بالحبال وسحبه. ويضيف: “مطلع هذا العام، وأثناء تحرك عبارة، انقلبت شاحنة محملة بالصخور داخل المياه؛ فالناس هناك يتحركون جنباً إلى جنب مع شحنات صخور التعدين؛ مما يشكل عبئاً على مواعين النقل البدائية”.
وفي موسم الفيضان تكاد مشاهد الغرق تتراءى أمام أعين الناس وهم على ظهر “المعديات النيلية” المتهالكة في أبو حمد إذ تعتمد أكثر من 40 منطقة على هذه الوسائل البدائية يومياً، فتطفو المياه أحياناً على السطح. أما الأعطال فهي الأخرى تزيد الوضع تعقيداً لدرجة تعريض حياة الركاب للخطر يضيف حمد الفريابي.
كما لا يحصل المشتغلون في المعديات النهرية أو المراكب الصغيرة على تحديث من هيئة الطقس أو القنوات الرسمية لمعرفة موقف الفيضان في موسم الأمطار، إذ تبدو هذه الإجراءات غير ذات أهمية كما يقول محمد الصافي متحدثا حول المآسي التي تلاحق مئات الآلاف من السكان شمالي السودان بسبب نقص وسائل النقل النهري الآمنة.
أما في الولاية الشمالية، يظل الوضع مشابهاً حيث تعتمد قرى مثل جزيرة “سمت” و”مقاصر” و”بدين” على القوارب للوصول إلى الضفة الأخرى. وتقول ابتهال محمد عبد الرحمن، الناشطة في مجال الخدمات الأساسية بالولاية الشمالية لـ(عاين): إن “حياة عشرات القرى مرتبطة بهذه المراكب بحثاً عن المستشفيات والأسواق”. وتضيف ابتهال: “المأساة تكمن في أن المرضى والنساء الحوامل يبحرون في وضع صحي حرج للوصول إلى المستشفى.. وكأن الحكومة تريد من المواطن أن يطبع حياته مع المأساة”.
باتت حوادث الغرق متقاربة خلال العامين الماضيين، ففي سبتمبر العام الماضي توفي 8 أشخاص، أغلبهم من النساء والأطفال، بمدينة وادي حلفا إثر غرق مركب مصنوع من “الفايبر” لم يتمكن من مقاومة التيار في عرض النيل.

يصنعون الموت
تُصنع هذه المراكب في ورش يديرها أفراد بمدن عطبرة والدامر في ولاية نهر النيل شمالي العاصمة السودانية، وبينما لا يمكن ضمان جودتها، تحول هذا النشاط إلى مجرد “سوق تجاري”، كما يقول المهندس في مجال الميكانيكا والمهتم بالنقل النهري، علم الدين مختار، ويضيف في مقابلة مع (عاين): “الورش الكائنة شمال السودان تستثمر في النشاط المرتفع للنقل النهري بمعزل عن الرقابة الحكومية”.
وتابع: “كان المتوقع بعد فاجعة محلية شندي شمال الخرطوم والتي أودت بحياة 21 شخصاً في 11 فبراير الجاري أن تصدر الحكومة قراراً بمنع استخدام المراكب التي لا تشمل مواصفات سلامة، لكن السلطات تعلم أنها لم توفر بدائل، فألقت العبء على أفراد يسعون للربح، بينما تظل الصدفة وحدها هي من تقود المراكب إلى بر الأمان في تلك المناطق”.
ما يقارب 150 ألف شخص يعتمدون في تنقلهم على المراكب والمعديات النيلية بالولاية
مصدر حكومي بولاية نهر النيل
تواصلت (عاين) مع مسؤول حكومي بولاية نهر النيل للتعليق على حوادث غرق المراكب ومدى متابعة السلطات لمعايير السلامة، والذي أفاد بأن مجلس وزراء الولاية قرر تفعيل أدوات الرقابة فور وقوع الحادث، مشيراً إلى أن هناك إجراءات لا تزال في طور التداول تهدف لضبط عمل المراكب بالولاية، وضمان سلامة المواطنين المتنقلين بين ضفتي النهر.
وحول إنشاء جسور للربط بين المناطق الواقعة على ضفاف النيل، أكد المصدر الحكومي أن هذه المشاريع تقع من ناحية حشد التمويل ضمن اختصاصات الحكومة الاتحادية نظراً لتكلفتها العالية، ومع ذلك، فإن الولاية تضعها في الاعتبار أيضاً ضمن خططها.
وتابع المصدر الحكومي قائلاً: “هناك ما يقارب 150 ألف شخص يعتمدون في تنقلهم على المراكب والمعديات النيلية بالولاية، وهذا رقم ضخم يفرض ضرورة إدراج إنشاء الطرق والجسور ضمن الاستراتيجية القادمة، لتسهيل وصولهم إلى الضفة الأخرى بأمان” مشيراً إلى أن توفير الخدمات التي تدفع السكان للانتقال إلى الضفة الأخرى واحدة من الحلول الاستراتيجية لتقليل الاعتماد على النقل النهري إلى جانب التنسيق مع شرطة الدفاع المدني لمراقبة المراسي لا سيما التي لا تصلها المعديات “البنطون”.





























