“مهرجان ما كندو الأدبي”.. مشاركة سودانية لأول مرة

عاين- 23 سبتمبر 2026

لأول مرة يكون السودان حاضرًا في مهرجان ما كندو الأدبي، والذي أقيم في العاصمة الكينية نيروبي في الفترة من 18- 21 سبتمبر الجاري، عبر استضافته للروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن.

اختار منظمو المهرجان الأدبي الذي ينظم سنويا في نيروبي، عنوان “البحر والكتابة والصمت” والذي سعى لربط تاريخ أفريقيا بمستقبلها من خلال المنجز الأدبي والفنيّ للقارة كما وهو مفتوح على العالم أجمع خاصة محيط العالم الذي يسعى بدوره للفكاك من هيمنة المركز الذي ارتبطت تجاربه بالاستعمار، وفي ذات الوقت يسعى لتحرير عقله من باثولوجيا الاستعمار. ومحاولة استعادة الذاكرة الثقافية المفقودة، والتي شوّهتها تجارب الاستعمار وما ترتب عليها من تشوّه هوية الأمم التي خضعت لتجارب الاستعمار. ومنذ لحظة افتتاح المهرجان في العاشرة صباحاً الجمعة الماضية

كما شعار هذا العام أعلاه، فإن البحر وبكل دلالته المعرفية، بل وحتى المعجمية منها، قد اختزلت كلها في البحار والمحيطات، خاصة المحيط الهندي، إلى كونها مجرد بوابات ظلت تفضي إلى عالم الرق والاسترقاق وتجارة الرقيق، ولا مناص إلا الردّ بالكتابة، لتفتيت تلك الذاكرة المثقوبة ولكسر الصمت الذي كم أخرج الإنسان من التاريخ، ومن أوسع بواباته أيضاً. الردّ بالكتابة أو قل المقاومة بها، هذا ما حملته النصوص المنجزة من شعر ومسرح ورواية وموسيقى وفنون بصرية.

ثلاثة أيام بنهاراتها ولياليها في العاصمة الكينية نيروبي، شهدت تواصلاً إنسانيا استثنائياً في عشرين جلسة تنوعت في موضوعاتها ولقاءات مفتوحة مع ثلاثة عشر كاتباً وكاتبة من العالم، خلافاً لجلسات التوقيع وتدشين الكتاب ومعرض الكتاب الخاص بمنظمي المهرجان مع بضعة ناشرين ممن شاركوا فيه.

تعددت وتنوعت تلك الجلسات بتنوع ثيمات الموضوعات، بالإضافة إلى جلسات ممتعة يحكي فيها الكتاب والكاتبات عن تجاربهم في الكتابة والنشر ومواجهة العالم الذي يناهضونه بالكتابة، وزعم بعضهم أنهم يتعافون من بؤس ذلك العالم بالكتابة.

السودان حاضرًا

على رأس ضيوف المهرجان هذا العام الروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن، الحاصل على العديد من الجوائز والأكثر شهرة خاصة وسط الضيوف من الكتاب، فقد ترجمت أعماله إلى اثنتي عشرة لغة، وكانت معظمها متوفرة على أرفف الناشرين، خاصة وقد ترجمت روايته “سمهاني” مؤخراً إلى السواحيلية اللغة القومية في جنوب وشرق أفريقيا، والأكثر شيوعاً. وفي أبريل الماضي تم الاحتفاء بنص سمهاني في تنزانياً بمناسبة تدشين ترجمة الرواية. وشاركت في المهرجان أيضا الناشرة السودانية إسراء الريس صاحبة دار الريس للنشر والتوزيع والترجمة.

الروائي السوداني، عبد العزيز بركة ساكن متحدثا في المهرجان- تصوير إعلام مهرجان ماكندو

في ذات سياق هموم الكتابة، عرض بركة ساكن مشروعه السردي، والذي كما ذكرنا قد كشف عن آخره، وشاعت سردياته عن طريق الترجمة، مركزاً على تجربته في التجريب وسعيه لإكماله بأجزائه الأربعة، بدأ من سرديات البلاد الكبيرة وحتى مشروعي المهجر وتحرير العقل.

كان لافتا، شاب نيجيري يوقع كتابين من تأليفه، كتابان في أدب الرحلات، واللافت أكثر حرصه الالتقاء بالسودانيين. الكاتب الشاب من نيجيريا اسمه، عمانويل اديوما، ورد اسم السودان كثيرا في كتابه الأخير وهو أقرب إلى المذكرات، ولكنها في صيغة سردية باهرة، من ضمنها انطباعاته عن مدينة الخرطوم وأهل السودان، حيث أحس بذلك الدفء، وتلك الحفاوة والكرم وسط أهله السودانيين كما حكي في إحدى الجلسات. كانت مشاركاته قوية ومتميزة، ويتحدث بهدوء حديث العارفين عن الأدب والفلسفة والتكنولوجيا وآثارها السالبة المحتملة في الجنوب الكوني.

من بين الحضور كانت الكاتبة الهندية مينا كانداساي، روائية وناشطة وصحافية ومترجمة، أصدرت خمس روايات تنظمها ثيمة واحدة هي أنها تحكي لرفع الوعي النقدي وسط الأقليات المضطّهدة والمهمشة وليرتفع صوت النسويّ عالياً لمقاومة العنف المنهجي، بل والمخطّط كما زعمت في سياق تقديمها لمشروعها السردي. كما في روايتها “آلهة الغجر”.

كان حاضرا أيضا الروائي الجزائري سعيد الخطيبي، الحائز على جائزة البوكر العربية لهذا العام عن روايته “أغالب مجرى النهر”، الخطيبي المقيم في سلوفينيا، ويعمل صحافيا ومترجماً في إحدى وكالات الأنباء، تحدث بإسهاب عن الواقع بالغ التعقيد، والذي يحوّره إلى سرديات كبيرة، ومن همومه في الكتابة ما أسماه “ماذا تعني أفريقيا له ككاتب”، وبتركيز خاص على مكانة البحر في الأدب الأفريقي.

تصوير إعلام مهرجان ماكندو

من ضمن المشاركين كان البرازيلي اتامارفييرا خونيير، الذي أطفأ أجواء مختلفة علي المهرجان، والذي قدم عرضاً وافياً للأدب البرازيلي، وربطه بتاريخها السياسي وسرديات المهاجرين وتجربة الاستعمار والاسترقاق وتشويه وطمس هوية السكان المحليين الثقافية، وختم بإشارات إلى تجربة السيد اتامار وروايتيه الأخيرتين خاصة، وقد تزامن صدورهما في الترجمة الإنجليزية، ومن دار نشر فيرسو البريطانية العريقة- كانتا متوفرتين في المهرجان، وأشار إشارات عميقة إلى الكاتب الأنجولي الكبير خوسيه اغوالوسا والذي يكتب بالبرتغالية. تحمل كتاباته هموم التعدد العرقي والإثني واللساني في مجتمع البرازيل وقضايا قبول الآخر وعلاقات السلطة وتمفصلاتها في واقع بالغ التعقيد.

تخللت المهرجان بضع فقرات موسيقية وقراءات شعرية ومنتديات مفتوحة ونقاشات وسجالات حول كتابة الحياة وحياة الكتابة والالتزام في الكتابة وبكل أجناسها والدعوة لمناهضة أشكال العنف المنهجي كما هو شوق الانسان الأبدي وتوقه للعدل والحرية. كما جاء في ختام البرنامج أن على مواعين الكتابة والابداع مطلقاً ان تتسع لصناعة مستقبل مختلف لمحيط هذا العالم ب “كتابته”، كما هو شعار المهرجان هذا العام: البحر والكتابة والصمت. لِم الصمت طالما أن هنالك ما يمكن الكتابة عنه أو كما قال القس دينوار، لا بد أن أولئك الكتاب والفنانين قد جمعتهم “صلة القرابة المعرفية”، أو كما قال البرازيلي العظيم باولو فريري، وانهم اجتمعوا علي كلمة سواء: لا للصمت ولا لاختزال الكلام، لابد أن نكتب حتي نكون أساسيين بالنسبة لأانفسنا.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *