حشود (الخرطوم ونيالا).. صراع الشرعية والتأييد الجماهيري

عاين- 5 أكتوبر 2026

مع تصاعد الضغوط الدولية لإنهاء الحرب في السودان ودفع طرفيها نحو التفاوض، برزت الحشود الجماهيرية في مناطق سيطرة كل طرف كأداة لإظهار التأييد الشعبي وتوظيفه في تعزيز روايته السياسية أمام الداخل والخارج، حيث خرجت الحشود في الخرطوم ونيالا تحت رعاية السلطات بالمنطقتين في محاولة لتعزيز سردية شرعية تمثيل البلاد.

وجاء الحشد الذي خاطبه قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان في ستاد الخرطوم في 26 سبتمبر الماضي، بعد أيام من رفض الولايات المتحدة منحه تأشيرة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي أعقاب إعلان واشنطن أن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وقيادتيهما لا تمثلان سلطة شرعية ودستورية في السودان.

حول الحشد في الخرطوم يقول أحد المشاركين فيه لـ(عاين) إنه ذهب إلى ستاد الخرطوم لحضور حفل لفنان الراب السوداني “مونتيانقو”، ولم يكن يعلم أن البرهان سيخاطب المناسبة. ويضيف: أن” الحضور فوجئ بوصول قائد الجيش، بينما كان البعض يرقص داخل الملعب، قبل أن يطلب منهم أفراد الأمن العودة إلى المدرجات”.

وعند وصوله، صعد البرهان إلى المنصة وأمسك بالميكروفون، وبدأ خطاباً رد فيه على رفض واشنطن منحه التأشيرة، وقال مشيراً إلى الحشد إنه سيبقى معهم في السودان ولن يذهب إلى أي مكان، في رسالة بدت موجهة إلى إظهار التفاف الجماهير حوله في مواجهة الضغوط الخارجية.

وجاء حشد الخرطوم بعد يوم من مسيرات خرجت عقب صلاة الجمعة في الخرطوم ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجيش دعماً للبرهان، وحظيت بتغطية الإعلام الرسمي الذي قدمها باعتبارها تعبيراً عن التأييد الشعبي له. وردد المشاركون شعارات عن السيادة الوطنية ورفض الضغوط والتدخلات الخارجية، مؤكدين أن مستقبل السودان وقراراته شأن سوداني خالص.

الحشد المضاد

وبعد أيام من حشد الخرطوم، نظمت مطلع أكتوبر الجاري حكومة “تأسيس” المؤيدة لقوات الدعم السريع حشداً في نيالا، عاصمة الحكومة، تحت شعار “مليونية التعافي”، خاطبه رئيس الوزراء محمد حسن التعايشي. لكن ظروف تنظيم الحشد كانت مختلفة عن الخرطوم، فقد أغلقت سلطات نيالا الأسواق، وعطلت المدارس لدفع السكان إلى المشاركة، وفق قرار صادر عن المدير التنفيذي للمحلية تلقته (عاين). كما قال مصدر محلي إن قوات الدعم السريع انتشرت مبكراً في الأسواق لمنع التجار من فتح متاجرهم تنفيذاً للقرار.

البرهان خاطب حشداً جماهيرياً في ستاد الخرطوم 26 سبتمبر 2026

وبحسب المصدر نفسه، لم تكن المناسبة منفصلة عن حشد الخرطوم، بل جاءت للرد عليه وإظهار أن حكومة “تأسيس” لديها قاعدة شعبية يمكن أن تستخدمها في مساعي الحصول على اعتراف إقليمي ودولي. وخلال الحشد قال مكتب التعايشي إن “قوى شعبية ومدنية ومبادرات مجتمعية سلمت رئيس الوزراء مذكرة تضمنت مطالب تتعلق بالأمن، وإنهاء المعاناة، وإعادة بناء الدولة، والخدمات، والتعليم، والصحة، وعودة النازحين، ودعم الزراعة والنشاط التجاري، إلى جانب الدعوة إلى زيادة المساعدات الإنسانية”.

وأكد التعايشي، لدى تسلمه المذكرة أن حكومته تعمل على تنفيذ مطالب الشعوب، باعتبارها صاحبة الشرعية الأساسية، فيما أكدت القوى المدنية استعدادها للمشاركة في الجهود الرامية إلى بناء دولة قائمة على الحرية والعدالة والمواطنة المتساوية وسيادة القانون.

وكانت حكومة “تأسيس” قد وسعت بناء مؤسساتها الإدارية الموازية، من بينها مجلس الأقاليم وديوان للضرائب ومجلس للعملة، رغم عدم حصولها على اعتراف إقليمي أو دولي.

نزع الشرعية عن الطرفين

وجاءت هذه التعبئة الجماهيرية بعد أن نزعت واشنطن صفة التمثيل الشرعي عن طرفي الحرب للسودان. فقد قالت وزارة الخارجية الأميركية إن الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وقيادتيهما لا يمثلون حكماً شرعياً ودستورياً للسودان، ودعت الطرفين إلى قبول هدنة إنسانية فورية والانخراط في حوار سياسي شامل يقود إلى حكومة مدنية.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية إن الطرفين لم يقدما التزامات جادة بوقف القتال، بل كثفا عملياتهما العسكرية واستخدام الطائرات المسيرة، فيما أكد المبعوث الأميركي مسعد بولس بدوره أن الجيش والدعم السريع لا يمثلان حكماً شرعياً للسودان، داعياً في الوقت نفسه إلى زيادة كلفة الحرب وتوسيع حظر الأسلحة.

وينظر إلى الحشدين الجماهيريين بأنهما محاولة إثبات وجود قاعدة اجتماعية يمكن تقديمها في مواجهة المواقف الدولية التي ترفض منح أي من الطرفين حق التحدث باسم السودان بصورة حصرية. يرى المحلل السياسي علي الدالي، أن الحشود ترتبط بصورة مباشرة بمحاولة إثبات الشرعية وإيصال رسالة إلى الخارج، خصوصاً بعد التصريحات الأميركية التي أكدت عدم شرعية طرفي الحرب.

وبحسب الدالي، الذي تحدث لـ(عاين) يحاول الطرفان استخدام الجماهير لإثبات شرعية غير موجودة أصلًا، وإن كان وضع الخرطوم، من وجهة نظره، أفضل من نيالا، باعتبار أن حكومة البرهان تتعامل معها أطراف دولية بوصفها حكومة أمر واقع ولديها تمثيل دبلوماسي وسياسي، بينما تسعى نيالا إلى تعويض غياب الاعتراف بحشد جماهيري.

ويذهب الدالي، إلى أن دخول البرهان إلى ستاد الخرطوم جاء في سياق الأزمة التي أحدثتها رفض تأشيرته لنيويورك، معتبراً أن خطابه بدا مرتجلاً وسريعاً، وأن الحشد استُخدم للرد على الأزمة وإظهار الشرعية، كما يشير إلى أن تحول المناسبة من حفل غنائي إلى خطاب سياسي تسبب في ارتباك لدى الجمهور واللجنة المنظمة.

وفي المقابل، يرى الدالي أن تحركات نيالا جاءت أيضاً في سياق البحث عن الشرعية، إلى جانب محاولة رفع الروح المعنوية للقوات الموجودة في الميدان بعد التطورات العسكرية الأخيرة، معتبراً أن رسالة الطرفين تختلف في دوافعها، لكنها تلتقي في توظيف الجماهير سياسياً.

هل يكفي الحشد لصناعة الشرعية؟

يرى الباحث في دراسات السلام فؤاد عثمان، أن ما جرى في الخرطوم ونيالا يمثل محاولة لـ”هندسة الحشود” وتوظيف منصات الجماهير من قبل قادة الحرب للهروب من واقع أن الشرعية السياسية لا يمكن أن تُبنى بالقوة العسكرية أو عبر تجمعات منظمة.

ويقول عثمان في مقابلة مع (عاين) إن هذه الممارسات تستعيد أدوات استخدمها النظام السابق للحصول على شرعية مفقودة، عبر استغلال حاجات المواطنين والشحن القبلي والجهوي تحت تأثير السلاح، معتبراً أن الحشود الحالية لا تستطيع تغيير معادلة الحرب أو منح أي طرف شرعية سياسية أو دولية.

التعايشي خاطب حشداً جماهيرياً في نيالا مطلع أكتوبر 2026

ويربط عثمان الشرعية الفعلية بوقف الحرب وإنهاء الكارثة الإنسانية، ثم ترك المجال أمام السودانيين لتأسيس سلطة مدنية ديمقراطية. لكن المحلل السياسي صلاح حسن جمعة، يرى أن تجمعات الخرطوم ونيالا جزء من معركة موازية للمعارك العسكرية، عنوانها الشرعية والتمثيل السياسي، إذ يسعى كل طرف إلى إظهار امتلاكه قاعدة جماهيرية تمنحه غطاءً سياسياً في ظل الانقسام الداخلي وتراجع الثقة في المؤسسات، إضافة إلى غياب الاعتراف الدولي بأي من السلطتين.

ويقول جمعة في مقابلة مع (عاين) إن حجم الحشد وحده لا يكفي لإثبات الشرعية، لأن الأمر يرتبط بحرية المشاركة، والظروف التي جرت فيها التعبئة، ومدى تمثيل المشاركين لمختلف مكونات المجتمع السوداني.

ويضيف أن “جمهور ستاد الخرطوم ذهب أساساً لحضور حفل غنائي قبل أن يفاجأ بدخول البرهان، بينما جاءت حشود نيالا في ظل إغلاق الأسواق وتعطيل المدارس، مع مشاركة واسعة من طلاب المدارس، وهو ما يضع علامات استفهام حول طبيعة المشاركة ومدى كونها طوعية”.

رسائل الداخل والخارج

“الحشود لا تُقاس بعدد المشاركين فقط، بل بالظروف التي صنعتها وبقدرتها على تمثيل المجتمع خارج اللحظة التي جرى فيها تنظيمها”. يقول جمعة. ويرى أن حشود الخرطوم ونيالا تحمل رسالتين متوازيتين، الأولى موجهة إلى الداخل لإثبات قدرة كل طرف على الحشد، والثانية إلى الخارج لإظهار أن لديه قاعدة اجتماعية يمكن أن تؤثر في أي تسوية سياسية مقبلة.

أما عثمان، فيرى أن لجوء قادة الحرب إلى هذه الأدوات يكشف، في المقابل، إدراكاً لعجز القوة العسكرية وحدها عن تأسيس دولة أو الحصول على اعتراف، وأن هذه الحشود لن تمنح أي طرف صكاً لتمرير مشروعية الحرب أو فرض الأمر الواقع.

ويأتي الصراع حول الشرعية في وقت يتمسك فيه الاتحاد الأفريقي بموقفه الممتد منذ انقلاب 21 أكتوبر 2021، عندما أطاح المكون العسكري، الذي كان يضم وقتها الجيش وقوات الدعم السريع، بالشركاء المدنيين في الحكومة الانتقالية التي تشكلت عقب سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير، ومنذ ذلك الوقت، ظلت عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي معلقة، باعتبار ما جرى انقلاباً عسكرياً.

ومنذ تعليق العضوية، سعى العسكريون عبر إجراءات مختلفة إلى رفع التجميد، لكن تلك المساعي لم تنجح، وبعد اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، شكل البرهان حكومة مدنية برئاسة رئيس الوزراء كامل إدريس، باعتبارها حكومة تتماشى مع مطالب الاتحاد الأفريقي المتعلقة بوجود سلطة مدنية، إلا أن ذلك لم يؤدِ إلى رفع تعليق عضوية السودان.

وظل الاتحاد الأفريقي يربط أي تقدم في هذا الملف بوقف الحرب، ما يعني أن تشكيل حكومة مدنية من جانب واحد لم يكن كافياً، لتغيير موقف المنظمة من السلطة القائمة في الخرطوم، كما رفض الاتحاد الاعتراف بحكومة “تأسيس” باعتبارها مؤسسات موازية قد تقود لتقسيم السودان.

وعلى الرغم من أن طرفي الحرب يسعيان إلى تقديم الحشود باعتبارها تعبيراً عن قاعدة شعبية ودليلاً على قدرة كل منهما على تمثيل السودانيين، فإن مسار الاعتراف الإقليمي والدولي يبدو أنه لا يقوم على حجم التجمعات وحده، وإنما يرتبط أيضاً بطبيعة السلطة القائمة، ومسار إنهاء الحرب، والانتقال إلى حكم مدني.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *