«قلم السودان».. ماذا يعني تأسيس كيان للدفاع عن حرية التعبير؟
عاين- 10 أكتوبر 2026
حصل «قلم السودان» على الاعتماد الرسمي ضمن «القلم الدولي»، خلال المؤتمر الثاني والتسعين. ويأتي تأسيس الكيان في وقت يعيش فيه الكتاب والصحفيون والمبدعون السودانيون ظروفاً فرضتها الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، وما صاحب ذلك من نزوح ولجوء وقمع وتضييق وحظر، إلى جانب الاستقطاب والانقسام الذي طال مجالات عديدة.
ويطرح الكيان مساحة للدفاع عن حرية التعبير، وتعزيز الحوار والتعددية، وربط الكتاب السودانيين بنظرائهم في العالم. ويستند «قلم السودان» إلى ميثاق «القلم الدولي»، الذي يقوم على شبكة عالمية تُعنى بحرية التعبير والأدب العابر للحدود، إلى جانب دوره في ربط الكتاب والمبدعين حول العالم.
مساحة للدفاع عن حرية التعبير
وترى الكاتبة والمترجمة إشراقة مصطفى حامد، إحدى المبادرات لتأسيس «قلم السودان»، أن خصوصية الكيان تكمن في طبيعة رسالته، وليس في تركيبته وحدها. وتوضح أن الاتحاد أو الرابطة الثقافية التقليدية قد يكون هدفها الأساسي خدمة الوسط الأدبي وأعضائه، بينما يفترض أن يجمع «قلم السودان»، في إطار «القلم الدولي»، بين خدمة الأدب وحماية حرية التعبير والتضامن مع الكتاب والدفاع عن حق الإنسان في التعبير الحر، ضمن شبكة دولية مستقلة وعابرة للحدود.
قلم السودان ينبغي أن يكون فضاءً لمختلف التيارات الأدبية والفكرية، ومؤمناً بالتعددية والحق في الاختلاف، وأن يوظف الأدب والثقافة جسراً للسلام
إشراقة مصطفى
وتقول إشراقة لـ(عاين): “إن قلم السودان ينبغي أن يكون فضاءً لمختلف التيارات الأدبية والفكرية، ومؤمناً بالتعددية والحق في الاختلاف، وأن يوظف الأدب والثقافة جسراً للسلام والحوار والتواصل بين السودانيات والسودانيين، وبين السودان ومحيطه والعالم، بعيداً عن الإقصاء وفرض رؤية ثقافية أو فكرية واحدة”.
وترى أن استقلال الأدب عن الاستقطاب السياسي هو أحد مبادئ الكيان، إلى جانب الدفاع عن حرية الكتاب والكاتبات دون تحويل المنظمة إلى أداة حزبية، فيما يقوم منظور «القلم الدولي» على الوقوف إلى جانب الكتاب والصحفيين والمبدعين عندما تتعرض حرية التعبير للخطر.
وتعود فكرة تأسيس «قلم السودان»، بحسب إشراقة، إلى عام 2013، حين بدأت الفكرة تتبلور في أوساط مهتمين بالأدب وحرية التعبير، قبل أن تتطور مع مرور السنوات. ومع اندلاع الحرب في منتصف أبريل 2023، برزت الحاجة إلى المضي في تأسيس الكيان، وبدأت مجموعة من المهتمات والمهتمين العمل على المشروع، انطلاقاً من الرغبة في أن يكون للسودانيين صوت داخل منظومة «القلم الدولي».
وبعد التواصل مع «القلم الدولي»، عقدت المجموعة عدة اجتماعات لاستكمال إجراءات التأسيس، وتقول إشراقة: “إن المسار لم يكن سهلاً، لكن المجموعة واصلت العمل حتى اعتماد «قلم السودان» رسمياً ضمن المنظمة”.
وجاء الاعتماد الرسمي خلال المؤتمر الثاني والتسعين لـ«القلم الدولي»، بدعم من «قلم النمسا» الذي رشح الكيان، و«قلم جنوب إفريقيا» الذي قدم تزكيته.
وتقع حرية التعبير في مركز عمل «قلم السودان»، وتوضح، القانونية والمبادرة في تأسيس «قلم السودان» آمال عكاشة في حديثها لـ(عاين)، أن الكيان لا يعتبر مؤسسة قانونية أو سياسية، بل منظمة أدبية فكرية في المقام الأول. ولذلك لا ينص الدستور على توثيق الانتهاكات أو رفع الحالات إلى «القلم الدولي» أو مخاطبة الآليات الأممية، ولا على تقديم استشارات قانونية للمبدعين الملاحَقين في بلدان النزوح واللجوء.
لكن الدستور، بحسب آمال، يتيح إمكانية تطوير مثل هذه الآليات، إذ يجيز للمجلس إنشاء لجان فرعية مخصصة والاستعانة بخبراء من الأعضاء، أو من خارجهم بصفة مساعدة، ومن دون حق تصويت. وبالتالي، فإن تشكيل لجنة للتوثيق أو للمساندة القانونية ممكن، لكنه يحتاج إلى لوائح تنشئها وتحدد مهامها.
ما تتيحه العضوية الدولية
في الجانب العملي، ترى آمال أن عضوية «قلم السودان» في «القلم الدولي» يمكن الاستفادة منها في أكثر من مسار، يبدأ بالتوثيق والرصد، عبر توثيق الانتهاكات واستقاء البيانات لدعم الشهادات حول الكتاب المعتقلين والمختفين قسرياً.
كما يمكن، وفق آمال، الحصول على مساعدة قانونية متخصصة للكتاب المهددين من خلال شبكات قانونية دولية، واستغلال العضوية للضغط على الحكومة السودانية عبر نشر الانتهاكات وإثارة القضايا في المحافل الدولية.
وتشمل إمكانات الاستفادة أيضاً إقامة شراكات للحصول على دعم ومساعدة مالية لتعزيز الأنشطة، والعمل على رفع الوعي بالانتهاكات عبر الحملات والفعاليات الثقافية ووسائل الإعلام، إلى جانب المشاركة في المؤتمرات الدولية لتمثيل القضايا المحلية.
وفي ما يتعلق بحماية الكيان من الضغوط والاستقطاب السياسي، ترى أن الدستور يقدم ضمانات تتصل مباشرة بطريقة الإدارة وتوزيع الصلاحيات. فأعضاء المجلس ممنوعون من شغل أي منصب في منظمات حكومية أو غير حكومية أثناء ولايتهم، فيما تحدد الولاية بثلاث سنوات تُجدد مرة واحدة، مع انتخاب متدرج بعضو واحد كل سنة، بحيث لا يتغير المجلس كله دفعة واحدة.
أعضاء المجلس ممنوعون من شغل أي منصب في منظمات حكومية أو غير حكومية أثناء ولايتهم
آمال عكاشة
وتعتبر الجمعية العمومية هي أعلى هيئة، وتنتخب المجلس وتقر تقاريره وميزانيته، ويحق لثلث الأعضاء الدعوة إلى اجتماع طارئ عند سوء سلوك المجلس. كما تدار الشؤون المالية بمساءلة، إذ تعتمد المعاملات من المدير التنفيذي والأمين، وينفذها أمين الصندوق، وفقاً لـ أ. آمال.
ويفتح الدستور، بحسب أ. آمال، باب العضوية لكل كاتب وكاتبة ملتزم بهدف «القلم»، دون تمييز، من خلال سيرة ذاتية وخطاب تعريفي. ولا يقتصر التعريف على الأدباء بالمعنى التقليدي، بل يشمل الشاعر والروائي والصحفي والمدوّن والباحث والمترجم وكاتب السيناريو. وقد يُرفض طلب العضوية إذا كانت هناك أسباب تدعو إلى الرفض، لكن القرار قابل للاستئناف أمام الجمعية العمومية، سواء من المتقدم، أو من أي عضو نيابة عنه، وهي ضمانة تراها أ. آمال مهمة ضد الإقصاء.
الدستور يتيح للنازحين واللاجئين الانضمام
ولا يشترط الدستور الإقامة، وبالتالي يمكن للنازحين واللاجئين الانضمام. لكنه لا يذكر التصويت عن بُعد صراحة، وهو ما تراه آمال مسألة مهمة لجمعية عمومية موزعة بين الداخل والمنافي. وتقوم آلية التمثيل على صوت واحد لكل عضو وأغلبية بسيطة، مع أغلبية الثلثين لتعديل الدستور.
من جانبه يرى العضو المؤسس لـ«قلم السودان» والصحفي الحقوقي فيصل الباقر في مقابلة مع (عاين)، أن الكيان يسعى إلى الاضطلاع بدور عملي في رصد الانتهاكات وحماية الكتاب والصحفيين والمبدعين المعرضين للمخاطر.
ويقول الباقر: “إن نشأة «قلم السودان» واعتماده ضمن «القلم الدولي» وفروعه المنتشرة حول العالم، في الظرف الاستثنائي الذي يمر به السودان، يأتي في سياق الدور الذي تلعبه هذه المؤسسة في حماية وسلامة الكتاب والكاتبات والصحفيين والصحفيات والمفكرين والمفكرات والمبدعين والمبدعات الذين يتعرضون للمخاطر بسبب آرائهم وتعبيراتهم الأدبية والفكرية”.
ويعتبر الباقر أن الخطوة تمثل رافعة سودانية جديدة لتحقيق الأهداف التي يعمل «قلم السودان» و«القلم الدولي» على تحقيقها في جبهات متعددة، من بينها رصد وتوثيق الانتهاكات بصورة علمية ومهنية واحترافية عالية الجودة.
ويضيف: “سنعمل على المراقبة النشطة لأوضاع الكتاب والكاتبات والصحفيين والصحفيات والمبدعين والمبدعات في السودان، وبخاصة الموجودين في مناطق النزاع المسلح، ومن بينهم المعتقلون والمعتقلات والمختفون والمختفيات قسرياً، إلى جانب الموجودين في معسكرات النزوح وبلدان اللجوء القريبة والبعيدة”.
سنعمل بإرادة جماعية وبما يملكه أعضاؤه من معرفة وخبرات وطاقات إيجابية، لمناهضة التشريعات والقوانين والممارسات التي تحد من حرية الرأي والتعبير والضمير وحرية الإبداع
فيصل الباقر
ويشير إلى أن الكيان سيعمل كذلك على المراقبة القضائية لضمان توفير محاكمات عادلة تتوفر فيها معايير العدالة، وعلى جبهة المناصرة والضغط المحلي والعالمي من أجل إطلاق سراح الكتاب والصحفيين والمبدعين من معتقلي الرأي والتعبير والضمير، وتسليط الضوء على الخروقات القانونية والمحاكمات الجائرة، سواء في السودان أو في العالم.
كما أن «قلم السودان» سيعمل بإرادة جماعية وبما يملكه أعضاؤه من معرفة وخبرات وطاقات إيجابية، لمناهضة التشريعات والقوانين والممارسات التي تحد من حرية الرأي والتعبير والضمير وحرية الإبداع وفقاً لما أكد فيصل الباقر. الذي يقول: “إن قلم السودان سيرفع صوته ضد الحرب الدائرة في السودان، ويرفع رايات وشعارات السلام «دون خوف أو وجل»، مؤكداً أن الكيان لن ينحاز لأي طرف أو جهة أو أصوات تمجد الحرب، أو تكرس منصاتها لدعم الحرب أو استمرارها أو الدعاية لها”.
ويرى الباقر أن هذا الموقف يأتي من صميم فهم أعضاء «قلم السودان» لدستوره، مضيفاً أنهم على استعداد «لسداد فاتورة موقفنا على أكمل وجه»، وأن حملات التخوين وإشانة السمعة لن ترهبهم.
ويؤكد أن «قلم السودان» ليس خصماً على أي منظمة أو مؤسسة أو جماعة سودانية تعمل في الدفاع عن حرية التعبير وسلامة وحماية الصحفيين والكتاب، بل يعتبر نفسه «رافعة جديدة وحديثة التكوين»، تعمل وفق الدستور المجاز من عضوية «قلم السودان» ومن «القلم الدولي».
وفي ظل الاستقطاب وخطاب الكراهية والتضليل الإعلامي الذي أفرزته الحرب، يقول الباقر: “إن قلم السودان سيعمل على الإسهام الجاد والمسؤول في تعزيز الحوار والتعددية والدفاع عن حرية التعبير”.
كما أن الباقر يؤكد أهمية التضامن مع الزملاء والزميلات في العالم، وفي الوقت نفسه حشد التضامن العالمي مع الكتاب والصحفيين والمبدعين السودانيين، معتبراً أن السودان «في هذه اللحظة التاريخية بالذات» يحتاج إلى التضامن والحماية والسلامة. ويضيف: “أن ذلك يأتي في ظل واقع سوداني «مرير ومتردٍّ» يسود فيه خطاب الكراهية والتمييز والجهوية والعنصرية بوتيرة متصاعدة، بل تحول فيه خطاب الكراهية، بحسب تقديره، إلى «مراقي خطاب الإبادة الجماعية»، وهو ما يقول إنهم يشاهدونه ويرصدونه يوماً بعد يوم”.
وفي ما يتعلق بالعضوية في «القلم الدولي»، يرى الباقر أن انضمام «قلم السودان» والاعتراف به من المنظمة سيتيح الاستفادة من الفرص أو الآليات العالمية المعنية بحماية الكتاب والكاتبات والصحفيين والصحفيات والمبدعين المهددين، إلى جانب ترجمة ونشر أعمال الكتاب والصحفيين السودانيين وإيصال أصواتهم إلى الجمهور العالمي.
كما يرى أن العضوية ستتيح تبادل المعارف والخبرات والتجارب العملية مع مراكز «القلم» الأخرى، وبخاصة المراكز التي تتشابه أوضاع أعضائها مع الواقع والتجربة السودانية.
بين الدستور والممارسة
وعلى مستوى العمل الثقافي، تقول إشراقة: “إن قلم السودان أرسل، ضمن شروط التسجيل، خطة لمدة ثلاثة أعوام، وهي خطة مرنة يمكن تعديلها وفقاً للأولويات والقضايا التي تفرض نفسها، ولذلك ستتحدد بعض الأولويات بحسب الظروف”.
وترى أن ترسيخ الحوار الفكري وتعريف الآخر بالسودان يحتاج إلى الترجمة والتشبيك وتمثيل «قلم السودان» دولياً. وتوضح أن العمل في هذا الاتجاه بدأ بالفعل منذ أن كان الكيان مبادرة، وأنه سيواصل تطويره وتعزيزه من خلال «قلم السودان»، خاصة للكتاب والكاتبات من الشباب.
من جهته، يقول الكاتب والروائي والصحفي منصور الصويم: “إن الإعلان الرسمي عن تأسيس «قلم السودان» واعتراف «القلم الدولي» بهذا التأسيس يمثل خطوة مهمة للكتاب والمبدعين السودانيين، بمن فيهم الصحفيون”.
ويشير الصويم إلى أن هذا الإنجاز لم يأتِ فجأة، وإنما جاء ثمرة جهود استمرت عدة سنوات، بذلتها مجموعة من الكاتبات والكتاب من أجل تحقيق هذا التأسيس.
الكيان يمكنه أن يضمن للكاتب السوداني حقوقاً غير معترف بها في الوقت الراهن، وحتى في أزمنة سابقة
منصور الصويم
ويرى الصويم في حديثه لـ(عاين)، أن أهمية الكيان تنبع من كونه يمكن، بطريقة أو بأخرى، أن يضمن للكاتب السوداني حقوقاً غير معترف بها في الوقت الراهن، وحتى في أزمنة سابقة، نتيجة ظروف الحكم في السودان. ويضيف: “أن الحرب زادت معاناة الكتاب، الذين أصبحوا مستهدفين، ولا يجدون الاهتمام الكافي، كما تعرضوا لمضايقات أمنية، وظلت حقوقهم مهضومة”.
ويرى الصويم أن تشبيك «قلم السودان» مع الأقلام الأخرى، وارتباطه الوثيق بـ«القلم الدولي»، يمكن أن يسهم في توفير قدر من الحقوق للكتاب، من خلال تسليط الضوء عليهم وإثارة القضايا المتعلقة بهم، إلى جانب ما يتيحه هذا التشبيك من ترجمة وورش وأنشطة أخرى.
ويشير إلى أن هذه الإمكانات تكتسب أهمية خاصة في ظل ظروف الحرب وما رافقها من نزوح ولجوء، إذ يمكن أن توفر للكاتب والصحفي والمبدع السوداني «قدراً من الطمأنينة والأمن».
ويعتبر الصويم أن تأسيس «قلم السودان» يمثل خطوة مهمة للكتاب والكاتبات السودانيين، داعياً إلى استمرار نشاطهم من داخل الكيان والانضمام إليه، والتعرف إلى دستوره وكل ما يرتبط به، والمساهمة مع زملائهم والآخرين في أن يستمر بقوة، ويحق أمانيهم ومطالبهم ككتاب ومبدعين سودانيين.























