عام على مجزرة الفاشر.. جرائم موثقة في انتظار عدالة غائبة

عاين- 25 أكتوبر 2026
بعد عام من اقتحام قوات الدعم السريع لمدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور وارتكابها انتهاكات واسعة ضد المدنيين، يتذكر نصر عيسى وهو أحد سكان المدينة كيف تحولت كل طرقات الفرار من المدينة إلى مصائد للشباب، ما اضطر الكثيرون لسلوك مسارات نائية وشديدة الخطورة مشياً على الأقدام لشهور طويلة باتجاه الحدود الغربية، حتى وصلوا إلى (الطينة) ومنها إلى الأراضي التشادية.
وفي ذاكرة نصر أيضا، تتجسد بشاعة الحرب في مشاهد لا مجال لأن يمحيها الزمن، حيث فرضت ظروف الفرار القاسية ومطاردات الموت على بعض العائلات اتخاذ قرارات مؤلمة، كترك كبار السن والجرحى والذين عجزوا عن مواصلة السير، تحت ظلال الأشجار مع القليل من الماء، والمضي قدماً في الفيافي إنقاذاً لأرواح الأطفال والنساء من البطش المتربص بهم.
لكن الألم الأكبر بالنسبة لنصر عيسى وهو ناشط في منظمات المجتمع المدني بمدينة الفاشر، يكمن في خيبة الأمل بغياب العدالة والمحاسبة، موجهاً لومه لطرفي النزاع لتقاعسهما عن محاسبة المنتهكين.

ويستدل نصر في في حديثه مع (عاين) بنموذج سماه ب”الصارخ”، حيث إن أحد أبرز القادة المتورطين في جرائم ضد الإنسانية بالفاشر (لم يسمه) هو المسؤول عن إغلاق (خزان قولو) وحرمان مئات الآلاف من المياه في جريمة موثقة، يعيش حراً طليقاً بعد انضمامه إلى صفوف الجيش دون أي مساءلة، مما يثبت أن دماء الضحايا لا تزال ثمناً للمساومات العسكرية والسياسية، على حد تعبيره.

(النور قبة) مع الجيش.. صفقة حرب فاتورتها الضحايا
جنود من الدعم السريع في الفاشر- الصورة مواقع التواصل الاجتماعي

تتطابق شهادة نصر عيسى، مع تقارير دولية وحقوقية أكدت وقوع انتهاكات جسيمة ترتقي لجرائم الحرب. فقد وثق مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان (OHCHR) عمليات إعدام ميداني وتصفيات استهدفت الشباب والناشطين على أسس عرقية أو سياسية، فضلاً عن تعمد تجويع المدنيين وتعطيل مصادر المياه كمحطة (خزان قولو). من جانبها، وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش عمليات قتل جماعي ومطاردات للفارين قرب الساتر الترابي، مشددة على أن غياب المحاسبة الوطنية يشجع على استمرار الانتهاكات، ويستوجب تحقيقات دولية مستقلة لتقديم الجناة إلى العدالة بغض النظر عن تحالفاتهم.

الأولوية المطلقة يجب أن تكون للعدالة الجنائية والمحاسبة الفردية قبل الحديث عن العدالة الانتقالية

شوقي يعقوب

من جهة أخرى، يرى حقوقيون وباحثون مستقلون أن البيئة الحالية تفتقر لأدنى مقومات العدالة. حيث يؤكد القانوني والمدافع عن حقوق الإنسان، شوقي يعقوب، في حديثه لـ(عاين)، أنه “لا يوجد أي نظام قانوني أو عدلي يعمل بصورة صحيحة في السودان بشكل عام حالياً”، مشدداً على أن الأولوية المطلقة يجب أن تكون “للعدالة الجنائية والمحاسبة الفردية قبل الحديث عن العدالة الانتقالية”، التي اعتبر أن الحديث عنها في الوقت الراهن “مجرد استهلاك سياسي”، لكونها تتطلب حالة سلام واستقرار كاملين ووقفا نهائياً للحرب، ولا يمكن أن تتحقق بدونهما.

مطبخ جماعي في مدينة الفاشر يقدم وجبات مجانية- ارشيف

وفي ذات الاتجاه، يمضي الباحث السياسي والناشط المدني، عبد الله آدم خاطر، حيث يشدد لـ(عاين) على صعوبة إجراء محاكمات عادلة تحت وطأة رصاص الحرب، معتبراً أن توثيق الجرائم رغم أهميته “لن يفضي إلى مصالحة أو عدالة انتقالية ذات قيمة دون الاتفاق على وقف العدائيات على أقل تقدير”. وأشار خاطر، إلى أن دارفور تعيش في ظل تعتيم إعلامي حاد تغيب الحقائق، ولا تتوفر معلومات كافية عن الأوضاع بها، وهو ما أعتبره أنه “وضع غير طبيعي ويستحيل معه التأسيس لأي مسار عدلي أو إحقاق للحقوق”.
العدالة أولاً
في خضم هذا التشابك بين الواقع الميداني والرؤى القانونية، يشدد الناطق الرسمي باسم تنسيقية النازحين واللاجئين، آدم رجال، في حديثه لـ(عاين) على أن “العدالة والمساءلة تمثلان ركيزة أساسية لا غنى عنها لمعالجة الآثار الكارثية لما جرى في الفاشر”، رافضاً أي محاولات لتأجيلها إلى ما بعد انتهاء الحرب. ويرى رجال أنه بعد مرور عام كامل على تلك الأحداث، لا تزال التقارير والشهادات الموثقة “بحاجة ماسة إلى تحقيقات مستقلة وشفافة”، وجمع للأدلة وحمايتها لتحديد هوية المسؤولين وفقاً للقانون وضمان محاكمات عادلة لكل من ثبت تورطه في جرائم محددة.

العدالة هي الشرط الجوهري الأوحد لبناء الثقة وتمهيد الطريق نحو سلام عادل ومستدام 

آدم رجال

غير أن الإشكالية الحقيقية، بحسب رجال، تكمن في البطء الشديد في الإجراءات وغياب النتائج الملموسة، وهو ما يعمق شعور الضحايا بأن حقوقهم لا تجد الاهتمام الكافي، على حد تعبيره. مؤكداً أن “العدالة ليست مجرد مطلب سياسي أو إعلامي، بل هي ضرورة ملحة لا تحتمل التأجيل لحفظ الأدلة القائمة وحماية شهود العيان”، معتبراً أنها الشرط الجوهري الأوحد لبناء الثقة وتمهيد الطريق نحو سلام عادل ومستدام.
ترتيبات حكومة “تأسيس”
في المقابل، تقدم السلطات القائمة رواية مختلفة، إذ يؤكد وزير الإعلام بـ (حكومة تأسيس)، خالد دناع، في إفادته لـ(عاين) من نيالا عاصمة الحكومة، أن المنظومة القضائية والنيابية تعمل بشكل طبيعي و”بحياد تام حيث تحاسب المتورطين من الطرفين بصورة منتظمة ومستمرة”. موضحاً أن الإجراءات القانونية تمثل “أولوية قصوى” لحكومته في الوقت الراهن، ولا يمكن تأجيلها تحت أي ظرف.

ترتيبات تجريها حكومة تأسيس لترسيخ قواعد العدالة الانتقالية

وزير بحكومة تأسيس

وفيما يتعلق بالانتهاكات والجرائم الموثقة، كشف دناع عن ترتيبات تجريها حكومة تأسيس لترسيخ قواعد العدالة الانتقالية عبر تدريب الكوادر القانونية والطواقم الفنية المتخصصة للقيام بواجباتها في هذا الإطار التوثيقي والقضائي، مبيناً في ذات السياق أن “هذه العملية تتطلب وقتاً وآليات معقدة لضمان ظهور نتائجها النهائية بصورة إيجابية”.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *