“عدالة مؤجلة”.. كيف يتحول الإبلاغ عن العنف الرقمي إلى خطر على السودانيات؟

أنتجت مراسلة لـ(عاين) هذا التقرير بالتعاون مع مؤسسة “طومسون فاونديشن”
عاين- 24 أكتوبر 2026
منذ اندلاع الحرب في السودان، تحول الفضاء الرقمي أداة للملاحقة والتهديد لاسيما بحق النساء الناشطات ووالسياسيات والصحافيات والفاعلات في المجال الإنساني. ومع اتساع نطاق العنف الرقمي ضد النساء تعاني المنظومة العدلية من حالة شلل بسبب الحرب. ما اضطر العديد من النساء اللائي واجهن تهديدات لمغادرة البلاد.
تقف خلف عمليات العنف الرقمي، شبكة منظمة من المجموعات والصفحات الرقمية التي انتشرت إبان سيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة من الخرطوم والجزيرة وسنار، وتمدد النزاع المسلح في مختلف الولايات. ومن ثم تحولت إلى أداة لملاحقة النساء الناشطات، السياسيات، الحقوقيات، والفاعلات في غرف الطوارئ والمبادرات المدنية، بل وحتى العاملات في الأسواق اللاتي فرضت عليهن ظروف الحرب البقاء لتأمين القوت اليومي أو تقديم خدمات للمدنيين المحاصرين، حيث جرى تصنيفهن كـ “متعاونات” لمجرد التعبير عن آرائهن حول استمرار الحرب أو قيامهن بواجبهن الإنساني.
وقد شهد الفضاء الرقمي بروز منصات على مواقع التواصل الاجتماعي متخصصة في التحريض المباشر، من بينها صفحة «حراس جبل أولياء»، وقنوات وصفحات تتبنى صيغ «اكشف متعاون»، و«أفضح متعاون»، وصفحات محلية تحت وسوم «متعاونين بلوا رأسكم» موزعة على مدن السودان المختلفة. تعتمد هذه الصفحات على نشر صور النساء مرفقة بمعلومات تفصيلية ودقيقة تشمل عناوين منازلهن، طبيعة أعمالهن، وأماكن تحركهن؛ وهي معلومات تُقدم كملفات استخباراتية جاهزة تسهل على الأجهزة الأمنية والعسكرية القبض عليهن عند نقاط التفتيش والارتكاز.
7 بلاغات ولا حماية
من مقر إقامتها في مدينة كسلا شرقي السودان، كانت الصحفية سمر سليمان تتابع بقلق تدفق الرسائل عبر شاشة هاتفها، إذ سرعان ما تحولت تلك الرسائل إلى حملة تشهير شرسة، تضمنت نشر صورها الخاصة وتهديدات طالت سلامتها الشخصية، بسبب عملها الصحفي وموقفها المناهض للحرب وتوثيقها لأوضاع النازحين الفارين من النزاع. تعرضت سمر، للإساءة والتنمر وانتهاك الخصوصية إلى نشر صورتها الشخصية عبر منصات التواصل الاجتماعي واتهامها بالعمالة. ولم يقف المعتدون عند حدود مهاجمة مواقفها المهنية والمدنية، بل انتقلوا إلى حياتها الخاصة.

أمام هذا الاستهداف، حملت سمر ما جمعته من أدلة، وتوجهت إلى قسم الشرطة بمدينة كسلا، معتقدة أن استقرار الوضع الأمني هناك يسمح بحمايتها وتمكنها من فتح بلاغات والوصول إلى الأشخاص الذين يقفون خلف الحسابات والأرقام المعتدية. قيدت سمر سبعة بلاغات جنائية ضد أرقام وحسابات، وطالبت بالكشف عن أصحابها ومحاسبتهم، غير أن تلك البلاغات لم تمنحها أي نوع من الحماية. ومع كل محاولة لمتابعتها، كانت تصطدم بتجمد الإجراءات وعقبات متتالية، بينما واصلت التهديدات تصاعدها حتى بلغت تهديداً مباشراً بالقتل تلقته عبر الهاتف من شخص قدم نفسه باعتباره وزيراً سابقاً في حكومة الإنقاذ، توعدها صراحة بأنهم سيستلمون مقاليد البلاد، وأنها «سوف يتم نفيها، ولن ترى السودان إلا على الخريطة».

أدركت سمر، أن بقاءها داخل السودان لم يعد خياراً آمناً؛ فغادرت البلاد حاملة معها مستندات بلاغاتها السبعة، لتكتشف أن حملات التشهير استمرت في ملاحقتها حتى بعد وصولها إلى أوغندا، حيث تعذر عليها تحريك إجراءات قانونية هناك بشأن جرائم بدأت ونُفذت داخل السودان، ليظل المعتدون طلقاء ومجهولي الهوية بالنسبة إليها.
حين تتحول الشكوى إلى تهمة
فوجئت الناشطة الحقوقية الزينة محمد وهو -اسم مستعار – بصورتها تتصدر منشوراً تداولته صفحات على فيسبوك، بدأت الحملة من صفحة تحمل اسم «حراس جبل أولياء». اقترنت الصورة باتهامات صريحة تتعلق بارتباطها بما يُعرف بحكومة «تأسيس»، والمشاركة في اجتماعات سياسية عُقدت في العاصمة الأوغندية كمبالا، والضلوع في جمع معلومات استخباراتية. ولم يلبث المنشور حتى أُعيد تداوله على نطاق واسع في منصات التواصل الاجتماعي، وانتقل إلى مجموعات أخرى وحسابات شخصية نشطة، ما وسّع دائرة الاستهداف، وجعلها في مواجهة حملة تشهير وتضليل شرسة.

عندما توجهت الزينة إلى قسم الشرطة في صبيحة اليوم التالي لانتشار المنشور لفتح بلاغ رسمي وطلب الحماية وملاحقة القائمين على الحملة، انقلبت الإجراءات في مواجهتها؛ إذ باشرت الشرطة استجوابها هي ذاتها على خلفية الاتهامات المتداولة رقمياً، وانتهى الأمر باحتجازها والتحقيق معها لمدة أسبوعين. ورغم أن التحريات لم تثبت صحة الاتهامات الموجهة إليها، وأُطلق سراحها لاحقاً، فإن ذلك اقترن بمطالبتها بالتوقف عن النشاط العام وإغلاق الموضوع، لتقف عاجزة عن مواصلة أي إجراء ضد أصحاب الصفحة والحسابات التي أطلقت الحملة وشوهت سمعتها.
حين تتحول الشاشة إلى ساحة للانتقام
الصحفية زمزم خاطر واجهت حملات عنف رقمي ممنهجة شملت التشهير وتوجيه اتهامات بالعمالة والخيانة ونشر عبارات مسيئة وتهديدات متواصلة شاركت فيها صفحات ومجموعات متعددة وأشخاص معروفون من بينهم إعلاميون. تصاعد الاستهداف بعد نشرها منشوراً ناقداً على صفحتها الشخصية عن قصف طائرة مسيرة لحفل زفاف في بلدة كتم، انتقدت فيه تمركز مركبة عسكرية وسط تجمعات المدنيين. تحول المنشور إلى ذريعة لحملة تحريض واسعة استهدفت سمعتها، وتجاوزتها إلى تهديد محيطها العائلي.

وبعد حملات التشهير الإلكترونية، داهمت قوة تابعة لقوات الدعم السريع منزل أسرتها في كتم في أبريل/نيسان 2026، واحتجزت عدداً من أفراد الأسرة لنحو خمسة أشهر على خلفية منشوراتها، قبل إطلاق سراح شقيقتيها (أسماء وإكرام) في سبتمبر/أيلول (وهو ما وثقته مؤسسات حقوقية وتناولته وسائل الإعلام).
وأمام هذا الواقع، رأت زمزم أن التوجه إلى المسار القانوني غير ممكن في ظل غياب جهة مستقلة وآمنة يمكنها استقبال الشكوى وتوفير الحماية؛ إذ لا يمكن التقدم ببلاغ ضد أشخاص يمثلون سلطة الأمر الواقع المسلحة على الأرض، مما دفعها إلى التحفظ والصمت تجنباً لمضاعفة الخطر على أسرتها.
نتائج استبيان.. قضايا لا تصل العدالة
أظهرت نتائج الاستبيان الذي أُجري ضمن هذا التحقيق عن العنف الرقمي في السودان، وشمل 30 امرأة تعرّضن للعنف الرقمي، أن أبرز أشكال الانتهاكات تمثّلت في نشر المعلومات والشائعات، وتوجيه الاتهامات، والتشهير والإساءة إلى السمعة، إلى جانب التهديدات.

وأكدت النساء الثلاثون عدم تمكنهن من الوصول إلى العدالة، وأشرن إلى أن ظروف الحرب وضعف استجابة المنظومة العدلية أسهما في تعقيد فرص الإنصاف. كما كشفت الإفادات عن مخاوف من تقديم الشكاوى، خشية أن تتحول الناجية من ضحية للعنف الرقمي إلى متهمة، أو أن تتعرض للاعتقال، ما يشكّل عائقاً إضافياً أمام الإبلاغ عن الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها.
توضح سكرتيرة الحريات في نقابة الصحفيين السودانيين، أن معظم الصحفيات اللاتي تعرضن للعنف الرقمي لم تصل قضاياهن إلى المحاكم بسبب الشلل الذي أصاب المنظومة العدلية في السودان خلال الحرب، إلى جانب توظيف القوانين للضغط على الصحفيين. وتؤكد فضل السيد أن النقابة لم ترصد حتى الآن أي حالة لصحفية تعرضت لعنف رقمي، واستطاعت نيل حقها عبر مسار قضائي مكتمل. بل إن النقابة قدمت في حالات عدة النصيحة للصحفيات بعدم فتح بلاغات جنائية، خشية أن تنقلب الإجراءات إلى مصدر خطر إضافي عليهن.
فيما توضح رئيسة مؤسسة التكنولوجيا النسوية يسرى حسن. أن الصحفيات والناشطات والنساء الفاعلات في الشأن العام يمثلن الفئات الأكثر عرضة للعنف الرقمي الذي يتخذ أشكالاً متعددة، من التنمر والتشهير واستغلال الصور إلى الإساءة ذات الطابع الجنسي والاحتيال. وتستند يسرى حسن إلى رصد المؤسسة لأكثر من 80 حالة عنف رقمي ضد نساء تصاعدت وتيرتها عقب اندلاع الحرب، بعدما استُخدمت الحسابات والمنصات للتشهير بالنساء والتشكيك في سمعتهن ومواقفهن المدنية.
وتؤكد يسرى حسن، أن الأزمة تمتد إلى صعوبة الوصول إلى العدالة؛ إذ أظهرت دراسة ميدانية أجرتها المؤسسة مع ناجيات ضعف شديد في ثقتهن باللجوء إلى التبليغ نتيجة تعطل المؤسسات القضائية وبطء الإجراءات والتماطل، فضلاً عن الوصمة الاجتماعية التي تحاصر المرأة الشاكية، وتجعل خوض الإجراءات عبئاً يهدد أمانها الشخصي.
انهيار العدالة
يوضح المحامي والخبير القانوني زكريا محمد، المتابع لقضايا الانتهاكات في السودان، أن الحرب لم تعطل وصول النساء إلى العدالة فحسب، بل أضعفت ودمرت المؤسسات المسؤولة عن استقبال البلاغات وحماية الضحايا. فقد تعرضت أقسام الشرطة في مناطق واسعة من الخرطوم، أم درمان، دارفور، والجزيرة للتدمير أو الإخلاء القسري، ما أسفر عن ضياع ملفات وبلاغات وأدلة جنائية، فضلاً عن تفكك وحدات حماية الأسرة والطفل وتشتت الكوادر المدربة على التعامل مع قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي.
ويشير زكريا إلى أن شلل المحاكم والنيابات ونزوح كوادرها ضاعفا تعقيد قضايا العنف الرقمي؛ إذ يتطلب الوصول إلى أصحاب الحسابات والأرقام المجهولة إجراءات تتبع فني وتنسيقاً مع شركات الاتصالات وإدارات المنصات الخارجية. وتشتد الصعوبة في ظل تدمير البنية التحتية للاتصالات، انقطاع الشبكات، وتفتت السيطرة الجغرافية، إلى جانب تعرض الأدلة الرقمية للتلف والزوال إذا لم تُحفظ فور وقوع الجريمة.
ويضيف المحامي أن أحد أبرز التحديات يتمثل في انقلاب مسار الإبلاغ قبل الوصول إلى التحقيق الفني؛ إذ تفاجأ المرأة الشاكية بأن أجهزة التحقيق تضع شكواها جانباً، وتباشر استجوابها هي والتحقق من موقفها السياسي بناءً على مضمون المنشورات المعتدية، مما يجعل التوجه إلى الشرطة مصدراً مباشراً للخطر ويدفع النساء إلى التردد في التبليغ.
تثبت الوقائع الموثقة في هذا التحقيق أن العنف الرقمي الموجه ضد النساء والصحفيات في السودان تحول من انعكاس افتراضي للنزاع المسلح إلى سلاح ميداني ممنهج يستثمر في انهيار مؤسسات العدالة والأعراف الاجتماعية لإسكات الأصوات المدنية المستقلة وتصفية الحضور النسوي في الشأن العام. وأدت حالة التفكك المؤسسي لأجهزة الشرطة والقضاء إلى تحول الشاكية من متضررة تطلب الحماية إلى موضع اتهام واستجواب أمني، مما جعل اللجوء إلى القانون مخاطرة ذاتية تدفع الضحايا للتحفظ والصمت القسري.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *