أزمة الوقود تحاصر مزارعي الجزيرة وسط السودان

عاين- 16 مايو 2026

تتملك الحيرة المزارع بالقسم الشمالي في مشروع الجزيرة، إبراهيم خوجلي، مع آلاف المزارعين، وهو يعيش حالة الصعود المستمر لأسعار الجازولين خلال الفترة الماضية نتيجة للحرب المستمرة في البلاد وكذلك نتيجة للحرب الأمريكية الإيرانية.

وتقف ارتفاع أسعار الجازولين كعقبة كؤود، أمام مزارعي مشروع الجزيرة والمشاريع الأخرى في الولاية، والذين يستعدون، هذه الأيام، للتحضير للموسم الصيفي الحالي.

يقول خوجلي لـ(عاين): أن “الجازولين عامل أساسي ومحوري في عملية التحضير الأولى للزراعة، إذ يحتاج المزارع استخدام آليات التحضير التي تعمل بالجازولين”، مبينا أن أسعار الجازولين ارتفعت ثلاثة أضعاف عما كانت عليه في العام السابق، مبينا أن سعر البرميل وصل الموسم الماضي إلى سعر 800 ألف جنيه، لكنه اليوم بسعر 2 مليون و750 ألف جنيه، وهذا ما أدخله ومعه بقية المزارعين في حيرة من أمرهم والتساؤل، هل يغامرون بتحضير الأرض أم عدم الزراعة هذا الموسم.

يبين خوجلي، أن حراثة  فدان وطرحه ونظافة قنوات الري يحتاج إلى ما لا يقل عن 300 ألف جنيه قيمة إيجار الجرار، بالتالي تحتاج الأربعة أفدنة إلى مليون و200 ألف، هذا من دون التحضيرات الأخرى للزراعة وشراء التقاوي، مشيرا إلى ما يصفه بـ “الكارثة” الأخرى المتمثلة في عدم صيانة الترع الرئيسية وهي مهمة إدارة مشروع الجزيرة، ولم تتم نظافة أي ترعة سواء فرعية أو رئيسة، والسبب أيضا هو غلاء الجازولين، وهذا ما يعد مؤشراً على زيادة مخاطر الزراعة هذا العام، ونوه بأن هناك مشاكل أخرى بسبب الجازولين ستنتقل إلى بقية العمليات الزراعية سواء في وقت الحصاد أو نقل المحاصيل الزراعية.

ويضيف المزارع إبراهيم خوجلي، إن المزارع لا يملك أي إمكانيات مادية خصوصا بعد الفشل النسبي في الموسم الشتوي الأخير، حيث قلة الإنتاج وضعف الأسعار ومطاردة البنوك للمزارعين بسداد ما عليهم من مديونيات، رغم تعثرهم الأمر الذي ربما يقودهم إلى السجون، إذا لم تُجَدْوَل المديونيات، وحذر في نهاية حديثه من فشل فوات مواقيت التحضير والزراعة إذا لم يتم إزالة كل تلك العقبات ما يؤدي في النهاية إلى فشل الموسم الصيفي كليا.

تحضير مساحات زراعية ضئيلة

“كل شيء يحدث في مشروع الجزيرة ينبئ بفشل حقيقي للموسم الصيفي، وأن المساحة التي تم تحضيرها أقل مما يتصوره أي شخص”. يقول أما المزارع وعضو تجمع اتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل، طارق أحمد، لـ(عاين).

ويوضح أحمد، أن ميزانية الري المعدة من أضعف الميزانيات، وأن ميزانيات المزارع أشد ضعفا بعد فشل الموسم الشتوي، خصوصا في محاصيل القمح والكبكي في الجزيرة والمناقل، ولم يدخر المزارعون، خصوصا أن تكلفة الفدان الواحد هذا الموسم ربما تصل إلى 1400 جنيه، مشيرا إلى أنه وحسب روزنامة العمليات الزراعية للموسم الصيفي من المفترض أن تكون قد انتهت كل مرحلة تحضير الأرض، خصوصا للقطن والفول السوداني، لكن شيء من هذا القبيل لم يحدث والمزارعون الآن يتفرجون على حواشاتهم في انتظار الفرج، بمن فيهم كبار المزارعين دعك من صغارهم.

ويشير أحمد، إلى أن الحرب الإيرانية الأمريكية انعكست على كل العالم، لكن تأثيرها في الزراعة بالسودان أكبر من غيرها. ويضيف: “نحن ندرك الظروف التي تمر بها البلاد، وندرك أكثر التحديات الاقتصادية العالمية بعد حرب إيران وما يجري في مضيق هرمز، لكن نطالب أطراف شركاء العملية الزراعية في مشروع الجزيرة، لإيجاد مخارج إسعافية اليوم قبل الغد للحيلولة دون فشل الموسم الزراعي، وأعني بشركاء العملية الزراعية، المزارعون الإدارة، البنوك، الشركات العاملة، وزارة المالية، وغيرهم.

وينوه طارق إلى أن واحدة من الحلول هي الوصول إلى صيغة تمويل جديدة، وتقديم دعم مباشر للمزارع، أسوة بما حدث في مشاريع أخرى، كما أنه يجب اتخاذ ترتيبات عاجلة لعلاج الأضرار التي خلفتها الحرب في السودان على مشروع الجزيرة، وخلفتها على المزارع نفسه، فمزارع ما قبل الحرب ليس هو مزارع ما بعد الحرب.

ينظر المزارع حسن تاج الدين، أبعد من ذلك، ويركز على النتائج إذا فشل الموسم الصيفي، ويقول لـ(عاين): “إذا حدث الفشل نتيجة ارتفاع الجازولين، فإن الجزيرة الولاية والسودان ككل موعود بأزمات وغلاء في أسعار المحاصيل، وربما تضطر الدولة إلى استيراد الحبوب الغذائية بأضعاف ما يجب عليها دفعه الآن”. ويشير إلى أن الأزمة ليست في الجازولين وحده، حيث تشهد أسعار التقاوي ارتفاعاً، فالفدان الواحد يحتاج إلى خمسة ظروف من تقاوي القطن سعرها أكثر من 150 ألف جنيه بواقع 30 ألف للقطن، قبل أن يطالب تاج الدين بإطلاق يد البنوك المتخصصة في استيراد تقاوي محسنة، ومنحها رأسمال ميسر لذلك، لتستورد كميات وافرة وبأسعار محفزة، وذلك حتى لا يترك كل شيء لغول السوق.

تطمينات حكومية

يقر مدير إدارة الأمن الغذائي بوزارة الزراعة، عمار حسن بشير، بتأثير الأزمة العالمية على الزراعة في السودان ويقول في مقابلة مع (عاين): إن “أزمة ارتفاع الجازولين هي أزمة عالمية تأثرت بها كل اقتصاديات العالم والمنطقة العربية، ولا شك في أن الأزمة لديها انعكاس على القطاع الزراعي، خصوصا بعد إغلاق مضيق هرمز،

ويقول المسؤول الحكومي: “الأزمة لديها انعكاسات مباشرة على الزراعة في مشروع الجزيرة أو غيره، بتقليص المساحات المزروعة، وربما يؤدي لاحقا إلى التأثير في الأمن الغذائي، وارتفاع أسعار المحاصيل، لكن الدولة وعلى كل مستوياتها تضع كل ذلك في حساباتها، حيث تجتهد  حاليا في توفير الوقود لكل مراحل العملية الزراعية المتدرجة، ولديها خطط أخرى بديلة عبر المخزون الاستراتيجي، وتعمل عدد من اللجان لمواجهة التداعيات الاقتصادية الناتجة من الحرب الإيرانية الأمريكية”.

وتوقع بشير إجراء معالجة أخرى ذات بعد خارجي مثل جهود السعودية في إيجاد مسار جديد للنفط عبر البحر الأحمر، كما أن هناك خروجاً للإمارات من منظمة أوبك كمسار للتحلل من القيود المفروضة من جانب المنظمة على الطاقة.

 وحول احتمال حدوث فجوة غذائية حادة إذا استمر ارتفاع أسعار الجازولين واستمرار تأثيره في مشروع الجزيرة وغيره من المشاريع، يستبعد بشير حسن أي احتمالات لذلك لا على المدى الطويل ولا القصير، أو تأثير كلي على الأمن الغذائي، لأن البلاد لديها عدد كبير من فرص الإنتاج ولديها مخزون استراتيجي، ولن تقف الدولة مكتوفة الأيدي، ولديها القدرة على التدخل في المعالجة السريعة سواء لدعم الموسم الزراعي أو توفير الوقود للمزارعين والمنتجين.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *