سقوط متسارع.. ماذا قال اقتصاديون حول الجنيه السوداني؟
عاين- 26 سبتمبر 2026
يواصل الجنيه السوداني تراجعه الحاد والمتسارع أمام العملات الأجنبية في ظل اقتصاد أرهقته الحرب وتراجعت قطاعاته الإنتاجية وصادراته، بينما تتسع الفجوة بين الطلب على النقد الأجنبي والموارد المتاحة بالنظام المصرفي الرسمي.
وفي منتصف سبتمبر، تجاوز سعر الدولار في السوق الموازي حاجز 8,000 جنيه ليلامس نحو 8,400 جنيه، بعد أن كان عند 6,000 جنيه قبل أسابيع قليلة، ومقارنة بنحو 5,000 جنيه في يونيو 2026 وأقل من 600 جنيه قبل اندلاع الحرب، وفق بيانات يستند إليها الباحث في الاقتصاد السياسي السوداني والخبير المصرفي والمالي المستقل عمر سيد أحمد في حديثه لـ(عاين).
وتنعكس هذه الخسارة المباشرة لقيمة العملة الوطنية على المعيشة اليومية للمواطنين عبر غلاء السلع وتآكل القوة الشرائية للأجور والمدخرات، ما يدفع المتعاملين والتجار في الأسواق للتخلص السريع من الجنيه نحو الدولار والذهب والسلع لحفظ القيمة. وبينما تقدم السلطات الحكومية المبرر الرسمي الذي يركز على ارتفاع الطلب وزيادة الواردات مقارنة بالصادرات، يقدم خبراء قراءة تُرجع الانهيار للتوسع النقدي المفرط، وانكماش الإنتاج، وهيمنة الاقتصاد الموازي، وتراجع استقلالية البنك المركزي.
الحرب: انهيار القطاعات الإنتاجية والصادرات
يربط الخبير الاقتصادي كمال كرار التدهور الحاد بمواصلة تمويل الحرب عبر طباعة النقود، معتبراً ذلك السبب الرئيسي الذي تحاول وزارة المالية والبنك المركزي إخفاءه.
التدهور الحاد في قيمة الجنيه السوداني يمثل نتيجة مباشرة لمواصلة تمويل الحرب عبر المزيد من طباعة النقود
كمال كرار
ولا يختزل كرار في حديثه لـ(عاين) التراجع بالمضاربة أو ارتفاع الطلب بالسوق الموازي، بل يضعه ضمن اختلال أعمق نتج عن الحرب وتراجع الإنتاج والصادرات وانكماش موارد النقد الأجنبي، مع اتساع احتياجات الدولة التمويلية واستمرار الضغوط التضخمية.
ويضيف كرار أن الحرب أدت إلى انهيار القطاعات الإنتاجية الرئيسية، وفي مقدمتها الزراعة والصناعة، وهو ما تسبب في نضوب تدفقات النقد الأجنبي الرسمية. وفي ظل اضطراب الأسواق وغياب المعالجات الهيكلية، ازدهر السوق الموازي باعتباره المصدر الفعلي والوحيد لتغطية طلبات المستوردين وتأمين السلع والواردات الأساسية. ويرى كرار، أن الانخفاض المتواصل يدفع المواطنين لشراء الدولار لحماية مدخراتهم.

ويتقاطع تشخيص كرار مع قراءة الخبير الاقتصادي محمد الناير، الذي يرى في حديثه لـ(عاين) أن التراجع يرجع لعوامل تتصدرها الحرب، والتي تؤدي عادةً في أوقات النزاعات المسلحة لتدهور العملات الوطنية وتفاقم معدلات التضخم والفقر والبطالة.
ويضيف الناير: أن “تراجع الإنتاج، وتدني الصادرات، والاعتماد المفرط على الذهب كمورد يتيم، إلى جانب اتساع فاتورة الواردات، أسهمت في رفع عجز الميزان التجاري وألقت بظلالها على سعر الصرف”. كما يرى أن الاستدانة من النظام المصرفي تُعد محركاً أساسياً للهبوط.
وفي المقابل، يرى التفسير الحكومي على لسان وزير المالية والتخطيط الاقتصادي جبريل إبراهيم أن تراجع الجنيه يعود أساساً لارتفاع الطلب على النقد الأجنبي وزيادة الواردات مقارنة بالصادرات، مشيراً إلى أن الاضطرابات الجيوسياسية في منطقة الخليج ومضيق هرمز وباب المندب زادت الضغوط.
ويؤكد إبراهيم اعتماد الحكومة على شراء الذهب وتصديره لتوفير النقد الأجنبي مع تحاشي الشراء من السوق الموازية، مبيناً أن القرارات الحكومية تحتاج وقتاً لتظهر مخرجاتها.
التوسع النقدي وضغوط عرض النقود
يقدم الخبير عمر سيد أحمد تحليلاً نقديًا يعتمد على الأرقام الرسمية لتفسير العلاقة المباشرة بين التوسع في عرض النقود وتمويل العجز الحكومي وبين تدهور سعر الصرف.
وبحسب بيانات النشرة الإحصائية لبنك السودان التي يستند إليها سيد أحمد، ارتفع عرض النقود الواسع من نحو 4.93 تريليون جنيه نهاية عام 2022 إلى نحو 24.84 تريليون جنيه نهاية عام 2025، ما يعني تضاعف الكتلة النقدية بأكثر من خمس مرات دون نمو حقيقي في الإنتاج والسلع المتاحة. ويشرح سيد أحمد أن ضخ هذه الكميات باقتصاد يعاني انكماش الإنتاج ونقص الدولار يدفع السيولة فوراً نحو المضاربة واقتناء العملات الصعبة والذهب والسلع، فيضعف الرغبة بالاحتفاظ بالجنيه.
أهداف بنك السودان متسقة مع استقرار سعر الصرف في التصريحات، لكنها متناقضة تماماً في التطبيق
عمر سيد أحمد
ويرى سيد أحمد، أن التوسع النقدي كان العامل المحوري بتسريع الانهيار، متفاعلاً مع ظروف الحرب، وتصاعد تهريب الذهب، واحتجاز العائدات خارج البنوك، وانهيار الثقة بالجهاز المصرفي. ويتضح ذلك بتسلسل قفزات سعر الصرف؛ حيث انتقل سعر الدولار من أقل من 600 جنيه قبل الحرب إلى أكثر من 5,000 جنيه في يونيو 2026، ثم اخترق حاجز 8,000 ووصل لـ 8,400 جنيه في سبتمبر، وهو ما يعني عملياً فقدان الجنيه السوداني لنحو 92.5% من قيمته الإجمالية أمام الدولار الأمريكي منذ بدء الحرب المسلحة.
تناقضات السياسة النقدية وانعدام الاستقلالية
في تقييمه الفني لسياسات البنك المركزي، يصف عمر سيد أحمد أهداف بنك السودان بشأن استقرار الصرف بأنها تبدو متسقة في تصريحات الخطاب الرسمي، لكنها تتناقض كلياً على مستوى التطبيق العملي. فمن غير المنطقي كبح السوق الموازي مع استمرار تمويل العجز وضخ السيولة، كما يستحيل جذب حصائل الصادرات دون تقديم أسعار واقعية وخدمات موثوقة وتوفير العملة الأجنبية للمستوردين. وتتبدى الأزمة بشراء البنك المركزي للذهب والحصائل بالعملة المحلية، ما يضيف سيولة يعود جزء منها للمضاربة بغياب أدوات امتصاص فعالة.
ومن هذا المنطلق، يرى سيد أحمد، أن الإجراءات الأمنية والإدارية تعالج الأعراض الظاهرية وتُبقي الأسباب النقدية دون مساس.

ويضع سيد أحمد أصل المشكلة في خضوع السياسة النقدية لاحتياجات الإنفاق الحكومي والعسكري، بالتوازي مع سيطرة شبكات ومؤسسات مرتبطة بالسلطة العسكرية على قطاعات حيوية من الذهب والتجارة الخارجية والاقتصاد الموازي.
ويرى أن ذلك يحد من استقلالية البنك المركزي وسيطرته على الكتلة النقدية وقدرته على تحقيق استقرار مستدام للصرف.
السوق الموازي كواقع مهيمن
يقدم عمر سيد أحمد، قراءة متعمقة لواقع السوق الموازي، مؤكداً أن الحملات الأمنية والقرارات القسرية لا تملك محو هذا السوق أو إلغائه، لأن السوق الموازي لم يعد سوقاً هامشية تقتصر على المضاربين، بل تحول إلى الاقتصاد الفعلي والرئيسي الذي يوفر النقد الأجنبي للمستوردين والتجار ويحدد أسعار السلع.
ويستند لتقديرات تفيد بأن الاقتصاد الموازي يغطي أكثر من 85% من النشاط الاقتصادي، وأن أكثر من 95% من الكتلة النقدية توجد خارج البنوك. ورغم أن النسبتين تنطويان على تقديرات تحتاج لتوثيق إحصائي، إلا أنهما تعكسان شلل القنوات الرسمية.
ويوضح أن الحملات الأمنية لا تعالج العلة لأنها لا تلغي الطلب الحقيقي لتمويل الاستيراد المعيشي، ولا يمكنها إعادة الذهب والحصائل للبنوك بالقوة، بل قد تدفع السوق لسرية أكبر وترفع علاوة المخاطرة. ويضاف لذلك أن تعدد أسعار الصرف وعجز البنوك عن تلبية الطلب يجعل السعر الموازي المرجع الفعلي للتسعير.
تعطل أدوات البنك المركزي وقنوات الانتقال
يفكك عمر سيد أحمد واقع أدوات بنك السودان النقدية، مبيناً أنها لا تزال موجودة ناصةً قانونياً؛ مثل الاحتياطي الإلزامي، وتنظيم الائتمان المصرفي، وأدوات امتصاص السيولة، وإدارة النقد الأجنبي، إلا أنها فقدت معظم فاعليتها وتأثيرها المباشر على الميدان الاقتصادي والمالي والمصرفي في البلاد. ويُرجِع سيد أحمد هذا التعطل لخروج الكتلة النقدية خارج البنوك، وتراجع كفاءة المصارف، وضعف الشمول المالي، وتآكل الاحتياطيات الأجنبية الرسمية المتاحة لدى البنك المركزي.
وفي السياق ذاته، يلفت سيد أحمد إلى أن البنك المركزي، بعد عقود من الأسلمة الشاملة للقطاع المصرفي، لا يمتلك سعر فائدة مرجعياً فعالاً لامتصاص السيولة والسيطرة على الائتمان. وفي المقابل، لم تتطور الأدوات الإسلامية البديلة لتشكل سوقاً نقدية عميقة تنقل أثر السياسة النقدية إلى الاقتصاد. ويخلص سيد أحمد إلى أن الأزمة تكمن في فقدان قنوات انتقال السياسة النقدية وتكبيل قدرة البنك بضغوط الإنفاق العسكري وخروج الموارد عن سيطرته.
إدارة الموارد وتجاوزات القطاع الخاص
تتشابك قضية إدارة الموارد وحصائل الصادر؛ فبينما يكتفي التفسير الحكومي بالإشارة للاعتماد على شراء الذهب وتصديره، يضع الخبير محمد الناير رؤية إجرائية تنطلق من أن التعدين التقليدي يستحوذ على 80% من إنتاج الذهب مع عجز الدولة عن ضبطه. ويطالب الناير بإنشاء بورصة محلية للذهب وتقديم أسعار تشجيعية للمعدنين لإغلاق منافذ التهريب وجذب الموارد رسمياً، مشدداً على أن تنظيم هذا الملف يملك أثراً سريعاً لتخفيف الأزمة.

وعلى صعيد الاستيراد، يوصي الناير بأن تتولى الدولة استيراد المحروقات بتسهيلات خارجية، بما يرفع عبء طلب الدولار عن القطاع الخاص. وينبه الناير للتجاوزات بـ حصائل الصادر عبر تأسيس شركات ورقية ثم إلغائها للتملص من توريد عائدات النقد الأجنبي للبنك المركزي، داعياً لقرارات حازمة بالتوازي مع تقديم البنوك لأسعار واقعية لجذب المصدرين كما يرى سيد أحمد. ويضيف الناير خطوة حاسمة تتمثل في استبدال العملة الوطنية لمكافحة التزوير وسحب الكتلة المنهوبة المتداولة خارج المصارف.
المآلات وسيناريوهات المستقبل
يحذر عمر سيد أحمد، من أن استمرار التوسع النقدي بظل انكماش الإنتاج وضآلة التدفقات سيقود الاقتصاد لمحطات أشد خطورة. ويؤكد أن أي انخفاض وقتي بسعر الدولار لن يغير المنحنى الصعودي العام ما دامت الجنيهات المطبوعة تنمو بنسب تفوق نمو الإنتاج وموارد الدولار. ويستدل بالقفزة السريعة من 5,000 جنيه في يونيو إلى أكثر من 8,000 و8,400 جنيه في سبتمبر كدليل على انهيار غير خطي.
ويرى سيد أحمد أنه كلما تآكلت الثقة بالعملة الوطنية، اتجهت السيولة فوراً للدولار والذهب والسلع، ما يجعل أي ضخ جديد للسيولة قادراً على إحداث قفزات أكبر بالسعر. ويمتد هذا المسار ليحدث تضخماً أشد وتآكلاً للأجور مع اتساع تسعير العقارات بالدولار وتعمق الدولرة الفعلية.
إذا استمر الإصدار النقدي مع انهيار الثقة، فقد يفقد الجنيه تدريجياً وظائفه بوصفه مخزناً للقيمة ووحدة للحساب
عمر سيد أحمد
ويحذر سيد أحمد من أنه إذا استمر التمويل التضخمي مع انهيار الثقة، فإن الجنيه يواجه خطر الفقدان التدريجي لوظائفه كمخزن للقيمة ووحدة للحساب، ليتحول لمجرد وسيلة مقايضة مؤقتة.
شروط وقف التدهور واختلاف الأولويات
تتقاطع إفادات الخبراء عند حقيقة أن استقرار الصرف يتطلب معالجة الاختلالات الهيكلية التي تولد الطلب المفرط على العملة الصعبة وتضعف الثقة بالجنيه.
فمن جانبه، يؤكد كمال كرار أن المعالجة تبدأ بوقف الحرب فوراً لاستعادة عافية القطاعات الإنتاجية، وزيادة الصادرات، وتوسيع الإيرادات غير التضخمية، والوقف التام لتمويل العجز بطباعة النقود، وإصلاح سوق الصرف. بينما يضع محمد الناير أولوياته في الإجراءات السريعة كإحكام السيطرة على الذهب، واستيراد الوقود، وحسم تجاوزات حصائل الصادر، واستبدال العملة، لتليها برامج متوسطة الأجل لزيادة الإنتاج. وبينما تتمسك الحكومة بأن آثار قراراتها تحتاج زمناً للظهور، يظل مستقبل الجنيه مرهوناً بقدرة الميدان على إيقاف النزاع، وتقليص الإصدار النقدي، وإعادة النشاط الاقتصادي والموارد لقنوات الجهاز المصرفي الرسمي.





















