حكومتان ومشروعان للدولة.. كيف تمضي (البنادق) في تقسيم السودان؟

عاين- 5 سبتمبر 2026

تتسارع في مناطق سيطرة الجيش السوداني خطوات تنظيم حوار سياسي يهدف إلى تشكيل مؤسسات انتقالية، حيث بدأت إجراءات الحوار رسمياً الأحد الماضي، من خلال مؤتمر صحفي عقدته اللجنة المعنية في الخرطوم، أعلنت خلاله عزمها التواصل مع الأطراف السودانية للمشاركة في الحوار. وفي المقابل، تمضي الحكومة الموازية في نيالا نحو تثبيت مؤسساتها وإظهار قدرتها على ممارسة الحكم، من خلال عقد مجلس وزرائها أول اجتماع بكامل طاقمه، وما تلاه من قرارات تتعلق بإدارة مؤسسات الدولة ما قد يدفع البلاد تدريجياً نحو انقسام فعلي من دون إعلان رسمي.

وتأتي انطلاقة مبادرة الحوار السوداني- السوداني بالتوازي مع إعلان قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، قبل أسبوعين، الاستمرار في الحرب ضد قوات الدعم السريع، إلى حين القضاء عليها عسكرياً وإجبارها على وضع السلاح وتجميع قواتها في مناطق محددة، تمهيداً لمحاكمة من ارتكبوا جرائم منها.

وقالت اللجنة التيسيرية للحوار السوداني – السوداني، إن دورها في المرحلة الحالية يقتصر على تهيئة المناخ وبناء الثقة وإجراء مشاورات أولية مع القوى السياسية والمدنية والمجتمعية داخل السودان وخارجه، وصولاً إلى بلورة رؤية مشتركة حول شروط الحوار ومنهجه وضماناته.

لكن المحلل السياسي علي الدالي، يرى أن أبرز الثغرات في مبادرة الحوار تتمثل في عدم تحديد الأطراف التي يشملها الحوار بصورة واضحة، مشيراً، في مقابلة مع (عاين)، إلى أن الحديث عن “كل القوى السياسية والمدنية والمجتمعية” يظل وصفاً فضفاضاً لا يحدد بصورة مباشرة الجهات المعنية بالمشاركة. متسائلاً حول ما إذا كان ذلك يشمل قوى مثل “تأسيس” و”صمود” والقوى الديمقراطية والإدارات الأهلية في مناطق سيطرة طرفي الحرب.

حوار البرهان

يرى المحلل السياسي صلاح حسن جمعة، أن حوار الخرطوم يمثل “محاولة من البرهان لإطالة أمد الحرب والابتعاد، مثل كل مرة، عن المبادرات الدولية التي تدعو إلى إنهاء الصراع”. ويقول جمعة في مقابلة مع (عاين): “هو يدعو للحوار وفي الوقت نفسه الحرب مشتعلة. البرهان لديه خطتان، واحدة الحوار، فإذا نجح يرغب في أن يكون رئيساً، وإذا فشل فهو باقٍ بقوة السلاح مع من يوافقون خطته”.

أعضاء في لجنة الحوار السوداني- السوداني

ويضيف: أن “الحوار الذي يدعو إليه البرهان يهدف إلى اصطفاف القوى المدنية في حربه ضد الدعم السريع، ولن يؤدي إلى توحيد السودانيين أو القوى السياسية، بينما تظل الدولة “بلا دستور ولا مؤسسات شرعية” وفق قوله.

وتتوافق هذه المخاوف مع موقف قوى سياسية ومدنية سودانية مناهضة للحرب، حذرت من أن الدعوة إلى إجراء حوار داخل مناطق سيطرة الجيش قد تكرس واقع الانقسام العسكري والسياسي القائم في البلاد. والتقى ممثلو قوى إعلان المبادئ، السبت الماضي في نيروبي، بالمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة للسودان، بيكا هافيستو، وأبلغوه موقفهم من دعوة البرهان إلى الحوار السياسي، مؤكدين أن رفضهم لا يمثل موقفاً مبدئياً من الحوار في ذاته، وإنما من طبيعة الإطار المقترح وما يحمله من مخاطر تكريس واقع سياسي وجغرافي أفرزته الحرب.

نشاط مكثف في نيالا

في موازاة ما يجري في مناطق سيطرة الجيش، كثفت حكومة “تأسيس” المؤيدة لقوات الدعم السريع نشاطها في مناطق سيطرتها، في وقت تتجه فيه خطواتها نحو تثبيت مؤسسات حكم موازية. حيث عقدت في 24 أغسطس الماضي، أول اجتماع لمجلس وزرائها بكامل هيئته في مدينة نيالا، برئاسة رئيس الوزراء محمد حسن التعايشي.

وأكدت الحكومة، في بيان، عزمها على مواصلة ما وصفته بمسيرة التأسيس والبناء، والمضي نحو تحقيق أهداف المرحلة الانتقالية ما قبل التأسيسية، من خلال حفظ الأمن وحماية المدنيين وتأسيس مؤسسات قادرة على تقديم الخدمات وتحقيق التعافي الاقتصادي والتنمية.

ويرى صلاح حسن جمعة أن حكومة “تأسيس” في نيالا، شأنها شأن حكومة البرهان، تريد أن تؤسس دولة لإدارة المناطق المسيطرة عليها، معتبراً أن الوضع الحالي يضع السودان أمام حكومتين “كالنموذج الليبي طبق الأصل”. ويقول إن اجتماع مجلس وزراء حكومة “تأسيس” بكامل عضويته لأول مرة يهدف إلى إرسال رسائل بأنها تمتلك، بدورها، حكومة ومؤسسات تدير شؤون الدولة ومواردها وتحافظ على أمن المواطنين.

من السياسة إلى إدارة مؤسسات الدولة

لم يقتصر نشاط الحكومة الموازية على عقد اجتماعات مجلس الوزراء، إذ أعلنت نتيجة امتحانات الشهادة الثانوية التي نُظمت في وقت سابق في مناطق سيطرتها، كأول امتحانات شهادة ثانوية موازية في السودان، بعدما ظلت الامتحانات خلال الفترة الماضية من الحرب تُعقد فقط في مناطق سيطرة الجيش.

وقبيل إعلان نتيجة الشهادة الثانوية، أصدر مجلس الوزراء قراراً بإعفاء مديري جامعات نيالا والفاشر والضعين وزالنجي والسلام وغرب كردفان والجنينة والسودان المفتوحة من مناصبهم، إلى جانب إعفاء مديري المعاهد التابعة لهذه الجامعات ومديري عدد من الكليات التقنية، وحل مجالس الجامعات ومجالس إدارات المعاهد والكليات المشمولة بالقرار.

وكان مديرو الجامعات الذين شملهم القرار قد غادروا إلى مناطق سيطرة الجيش، وافتتحوا مقرات بديلة للجامعات الواقعة في مناطق سيطرة حكومة “تأسيس”، لتتحول المؤسسات التعليمية نفسها إلى أحد مظاهر ازدواجية الإدارة بين مناطق سيطرة طرفي الحرب.

ولا يستبعد المحلل السياسي صلاح حسن جمعة، أن تعمل الأطراف على استخدام المؤسسات الموازية للضغط من أجل تحقيق مكاسب على طاولة التفاوض، خصوصاً بعد فشل الحسم العسكري واستمرار ما وصفه بـ”توازن الضعف”، لكنه يحذر من أن ذلك قد يقود البلاد إلى تقسيم إداري.

تحركات الحكومة الموازية في نيالا قد تصل إلى تشكيل لجنة للحوار تضم قوى سياسية وإدارات أهلية في مناطق سيطرتها.

محلل سياسي

من جهته يتوقع المحلل السياسي علي الدالي أن تستمر تحركات الحكومة الموازية في نيالا حتى تصل إلى تشكيل لجنة موازية للحوار تضم قوى سياسية وإدارات أهلية في مناطق سيطرتها. ويحذر من أن تشكيل مسارين متوازيين للحوار، يعمل كل منهما داخل مناطق سيطرة أحد طرفي الحرب، قد يرسخ انقساماً بحكم الأمر الواقع، بحيث تتحول الترتيبات السياسية الموازية إلى امتداد للانقسام العسكري والسياسي.

جانب من اجتماعات الهيئة القيادية لتحالف (تأسيس)

ويقول: إن “الطرفين قد يستخدمان مخرجات هذه الحوارات لاحقاً كأوراق ضغط على طاولة التفاوض، بحيث يقدم كل طرف رؤيته باعتبارها نتاجاً لمشاركة قوى مدنية ومجتمعية في مناطق سيطرته، إلا أن ذلك، بحسب تقديره، لا يرتبط بإيقاف الحرب بقدر ما يزيد من تعقيد الأزمة”.

وبالفعل أعلن تحالف “تأسيس” يوم الثلاثاء أن اجتماع هيئته القيادية الأخير، أقرّ تكوين آلية سياسية مرجعية للتفاوض وعملية السلام، وتحريك العمل السياسي داخلياً وخارجياً والتواصل مع القوى السياسية. كما أقرّ التحالف تأسيس “الجيش الوطني الجديد”.

ترتيبات لتقاسم السلطة

وكان طرفا الحرب قد اتخذا إجراءات مهدت للانقسام المؤسسي الحالي، حينما شكّل الجيش في مايو 2025 حكومة في بورتسودان، وعيّن كامل إدريس رئيساً للوزراء، وبعد حوالي شهرين من ذلك أُعلنت حكومة موازية مقرها نيالا برئاسة محمد حسن التعايشي. وعلى الرغم من أن الطرفين يقدمان حكومتيهما بوصفهما مدنيتين، فإن مذكرة “الوضع الأمني في السودان” الصادرة عن وزارة الداخلية البريطانية في يوليو الماضي وصفت الوضع بأنه ترتيبات لتقاسم السلطة بين جماعات مسلحة.

وبحسب المذكرة، فإن القرارات التي أصدرها التعايشي بتعيين وزراء ووكلاء وزارات ومسؤولين كبار آخرين، بينهم مديرو عام الشرطة والضرائب والخدمة المدنية وإنشاء مجلس العملة، تأتي بهدف توطيد الهياكل الإدارية الموازية العاملة خارج سلطة الحكومة التي يقودها الجيش.

التقسيم بأمر البنادق

ويرى الباحث في الشؤون السياسية ودراسات السلام فؤاد عثمان، أن هذه العملية تمثل أحد مظاهر انتقال الانقسام إلى مستوى أكثر خطورة. ويقول عثمان في مقابلة مع (عاين): “السودان لا يتجه نحو التقسيم بقرار سياسي معلن، بل يساق إليه قسراً كأمر واقع تفرضه البنادق، وتعمقه خطابات الكراهية والتمزيق الاجتماعي”.

 السودان يساق قسراً نحو التقسيم كأمر واقع تفرضه البنادق وتعمقه خطابات الكراهية

باحث في دراسات السلام

ويرى أن الحرب التي اندلعت كصراع صريح على السلطة بين جنرالين، ثم توسعت وطال أمدها، تحولت إلى كارثة تمس بقاء الدولة نفسها، في ظل استغلال التحشيد القبلي والمناطقي لشرعنة استمرار الحرب وتثبيت نفوذ السلاح.

من جهتها، تقول منظمة اكليد في تقرير نشرته أبريل الماضي إن احتمالات إنهاء الحرب الأهلية في السودان في المستقبل القريب تبدو ضئيلة، وأن سيطرة القوات المسلحة السودانية على شرق البلاد، وسيطرة قوات الدعم السريع على غربها، قد تدفع كل طرف إلى تعزيز مكاسبه والسعي إلى توسيع رقعة نفوذه، لا سيما في كردفان حيث لا تزال المعارك مستمرة.

ويرى الباحث في الشؤون السياسية ودراسات السلام فؤاد عثمان، أن هذه الوقائع، إلى جانب التحركات السياسية والمؤسسية، تدفع باتجاه ترسيخ مشروعي حكم منفصلين. ويضيف “التحركات في بورتسودان، بالتوازي مع إعلان حكومة في نيالا وعقد اجتماعات بكامل طاقمها، لم تعد مجرد مناورات لرفع السقف التفاوضي، بل أضحت خطوات عملية لفرض مشروعي حكم منفصلين على جثة الوطن”. ويؤكد أن “الرهان على حسم عسكري، أو محاولة انتزاع الشرعية عبر فوهة البندقية، هو وهم كامل لن يورث البلاد إلا المزيد من التفتيت”.

صراع على شكل الدولة

وبحسب دراسة صادرة عن مجموعة الأزمات الدولية في أبريل الماضي، أسفر استمرار الحرب عن نشوء سلطتين متوازيتين، إذ جعل الجيش من بورتسودان مركزاً إدارياً فعلياً للحكومة الموالية له، بينما أعلنت قوات الدعم السريع وحلفاؤها حكومة موازية في نيالا. وتشير الدراسة إلى أن طرفي الحرب لا يتنافسان فقط على إدارة المناطق الواقعة تحت سيطرة كل منهما، وإنما يسعى كل طرف إلى توظيف مناطق نفوذه لتعزيز موقعه السياسي والتفاوضي.

ويمتد الخلاف، إلى شكل الدولة نفسها؛ إذ يطالب التحالف السياسي الداعم للدعم السريع، إلى جانب تشكيل حكومة مدنية وجيش وطني جديد، بنظام اتحادي يمنح الأقاليم قدراً كبيراً من الحكم الذاتي عن الحكومة المركزية. ويعني ذلك أن الخلاف بين طرفي الحرب لا يقتصر على من يسيطر على السلطة، وإنما يمتد إلى طبيعة الدولة وترتيبات الحكم فيها، بحسب الدراسة.

ويرى فؤاد عثمان، أن ما يطرح في الخرطوم تحت مسمى “الحوار الداخلي” ليس خطوة نحو السلام، وإنما محاولة لإعادة إنتاج السلطة وحرسها القديم، والالتفاف على إرادة الشعب السوداني عبر صناعة واجهة مدنية شكلية. ويقول عثمان لـ(عاين): “الحوارات لا تدار تحت القصف والملاحقات، ولا تكتسب معناها باستبعاد القوى الفاعلة واختيار مشاركين على المقاس لشرعنة أمر واقع لا يخدم سوى إطالة أمد الأزمة”.

ويشير عثمان إلى أن الخروج من هذا المسار يتطلب، رفض شرعنة الحرب وسلطات الأمر الواقع، والعمل على إيقافها، ومحاصرة خطابات العنصرية والكراهية، والعودة إلى مسار مدني ديمقراطي يعيد للبلاد وحدتها.

وبينما يتحرك الجيش لتنظيم حوار سياسي يسعى من خلاله إلى إعادة تشكيل مؤسسات السلطة في مناطق سيطرته، تمضي الحكومة الموازية في نيالا في بناء وإدارة مؤسساتها الخاصة. وسط مخاوف من أن تعيد الحرب تشكيل الدولة، وتدفع بها تدريجياً نحو الانقسام بحكم الأمر الواقع.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *