نفوق وانعدام دواء.. الماشية ضحية جديدة لحرب السودان
عاين- 26 يوليو 2026
وصلت آثار الحرب في السودان إلى أحد أهم القطاعات الاقتصادية في البلاد، حيث أدى انهيار منظومة التحصين البيطري وتعطل إنتاج اللقاحات وانقطاع الإمداد عن دارفور وكردفان، إلى عودة أمراض وبائية كانت تحت السيطرة لعقود، ما يهدد بخسائر كبيرة في قطاع يشكل مصدر الدخل الرئيسي لملايين الأسر.
وتشير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) إلى أن السودان يضم نحو 115 مليون رأس من الأبقار والأغنام والماعز والإبل، بينما تستحوذ دارفور وكردفان وحدهما على نحو 60 في المائة من القطيع القومي.
وقبل اندلاع الحرب في أبريل 2023، كانت وزارة الثروة الحيوانية تنفذ حملات دورية لتحصين ملايين رؤوس الماشية ضد الأمراض الوبائية، مثل الحمى القلاعية، والتسمم الدموي، والطاعون، وجدري الأغنام والماعز، والأمراض البكتيرية الأخرى، إضافة إلى توفر الأدوية البيطرية نتيجة استمرار سلاسل الإمداد، وهو ما ساعد لسنوات في الحفاظ على صحة قطعان الثروة الحيوانية في كردفان ودارفور.
وبعد الحرب انقلبت هذه الأوضاع رأساً على عقب، وأدى تدمير معامل إنتاج اللقاحات في نيالا بجنوب دارفور وانقطاع سلاسل الإمداد من الخرطوم؛ بسبب الظروف الأمنية والقرارات السياسية لأطراف الحرب، ونزوح الكوادر البيطرية، إلى تعطيل حملات التحصين في دارفور وكردفان، لتصبح ملايين القطعان في مواجهة الأمراض الوبائية ومن ثم النفوق، وفق مربي ماشية وأطباء بيطريين تحدثوا لـ(عاين).
أزمة اللقاحات
في ولاية جنوب دارفور، الخاضعة لحكومة تحالف تأسيس، تعطي قصة معمل إنتاج اللقاحات في نيالا نموذجاً لتأثير الحرب على القطاع البيطري في الإقليم الذي يستحوذ على النصيب الأكبر من الثروة الحيوانية في السودان، إذا خرج المعمل عن الخدمة بسبب نقص المواد الخام وصعوبة الحصول عليها، وهو ما كان سبباً رئيسياً فيما يواجهه القطاع اليوم.
حالات نفوق وسط الماشية في محليات برام والسنطة والردوم، والفردوس، بولاية جنوب دارفور، بسبب غياب اللقاحات والأدوية البيطرية.
طبيب بيطري بجنوب دارفور
ويقول نور الدين آدم محمد الأمين، وهو طبيب بيطري بوزارة الثروة الحيوانية في ولاية جنوب دارفور، إن الولاية تضم نحو 13 مليون رأس من الأبقار، و8 ملايين رأس من الأغنام، و 9 ملايين رأس من الماعز، إضافة إلى نحو 1.5 مليون رأس من الإبل، ما يجعلها إحدى أكبر مناطق الإنتاج الحيواني في السودان.
ويضيف لـ(عاين): أن “معمل إنتاج اللقاحات في نيالا توقف عن العمل مع بداية الحرب عام 2023، الأمر الذي أدى إلى نقص حاد في اللقاحات البيطرية طوال ذلك العام”. وبحسب نور الدين، تمكنت السلطات بعد تشكيل الإدارة المدنية في عام 2024 من إعادة تشغيل المعمل، ونجحت في إنتاج كميات من اللقاحات غطت احتياجات الولاية، ووفرت إمدادات لولايات أخرى في دارفور وكردفان، غير أن المعمل توقف مرة أخرى منذ عام 2025، ولا زال بسبب نقص المواد الخام، لتعود أزمة اللقاحات بصورة أكثر حدة.
“كانت المواد الخام لتصنيع اللقاحات البيطرية تأتي عبر اعتمادات من شركات موردة تابعة للحكومة التي يسيطر عليها الجيش السوداني، وانقطع التواصل معها بعد الحرب”، يقول نورالدين. ويضيف: أن “وزارة الثروة الحيوانية بجنوب دارفور، اجتهدت عبر بعض الأطباء البيطريين خاصة العاملين في منظمة أطباء بلا حدود البيطرية، وأسفرت الجهود عن توفير لقاح التسمم الدموي وابوقنيت والطاعون والفحمية، لكن لم يتمكنوا من توفير لقاح ابوزقالة، ومع ذلك نفدت كل اللقاحات التي تم توفيرها سابقاً، كما أنها لم تغطي كل القطيع مما أدى إلى ظهور بعض الحالات الوبائية”.

وناشد نورالدين المنظمات العاملة في مجال صحة الحيوان للتحرك وتوفير اللقاحات البيطرية بكمية تغطي تعدد الثروة الحيوانية في مناطق دارفور وكردفان.
ويؤكد أن النقص الحالي أدى إلى عودة أمراض مثل التسمم الدموي، والفحمية، وجدري الأغنام، ومرض “أبو زقالة”، خاصة في محليات برام، والسنطة، والردوم، والفردوس، حيث سُجلت حالات نفوق وسط الماشية. ويشير الأمين إلى أن الوزارة حصلت، بالتنسيق مع عدد من المنظمات، على كميات محدودة من اللقاحات خلال أبريل الماضي، لكنها لم تكن كافية لتغطية احتياجات القطيع الضخم في الولاية.
كما يلفت إلى أن أزمة القطاع لم تعد مرتبطة باللقاحات وحدها، بل تشمل أيضًا نقصاً حاداً في الأدوية العلاجية، بعد تعطل وصولها من الولايات الواقعة شرقي السودان، ما دفع بعض الأطباء البيطريين إلى استيراد كميات محدودة عبر تشاد، لكنها ظلت أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية.
ورغم أن منظمة الأغذية والزراعة تمكنت منذ اندلاع الحرب من تطعيم نحو 7.3 ملايين رأس من الماشية، فإن هذه الجهود لم تشمل سوى نحو 6 في المائة من القطيع القومي، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين الاحتياجات وحجم التدخلات الإنسانية. وتقدر المنظمة الأممية أن هذه الحملات ساهمت في منع فقدان نحو 82 مليون لتر من الحليب، بما يعادل توفير كوب من الحليب يومياً لنحو 754 ألف طفل دون سن الخامسة لمدة عام كامل.
تدهور غير مسبوق
وفي محلية الخوي بولاية غرب كردفان، إحدى أكبر المناطق التي تنتشر فيها قطعان الضأن، تقول الطبيبة البيطرية هناء محمد أحمد المعسل، لـ(عاين): إن “قطاع الثروة الحيوانية في المنطقة يشهد تدهوراً غير مسبوق منذ اندلاع الحرب، نتيجة الانهيار شبه الكامل للخدمات البيطرية، وشح اللقاحات والأدوية، إلى جانب تدهور الوضع الأمني الذي أعاق وصول الإمدادات”.
وتوضح، أن المشكلة لا تتعلق فقط بنقص اللقاحات، بل بانقطاع سلسلة كاملة من الخدمات التي كانت تحمي القطعان من الأمراض الوبائية. فالمربي الذي كان يعتمد على الحملات الدورية للتحصين، وعلى وجود طبيب بيطري قريب، أصبح اليوم يواجه المرض بلا مقومات.
لم أعد قادرة على تقديم الخدمات الأساسية للمربين، لأن اللقاحات والأدوية لم تعد تصل إلى المنطقة بسبب انعدام الأمن على الطرق
طبيبة بيطرية بغرب كردفان
وتضيف المعسل: أن “المربين فقدوا جزءاً كبيراً من قطعانهم؛ بسبب انتشار الأمراض في المراعي، وانعدام اللقاحات، كما انعدمت الأدوية البيطرية في بعض المناطق بصورة كاملة. كذلك أصبح نقل اللقاحات والأدوية محفوفًا بالمخاطر؛ بسبب عمليات النهب المسلح وانعدام الأمن على الطرق.
وأصبحت محلية الخوي التي تضم أعداداً كبيرة من سلالة الأغنام المعروفة بـ”الضأن الحمري” اليوم شبه خالية من القطيع بعد النزوح الكبير للسكان؛ بسبب تحول المنطقة إلى مسرح عمليات عسكرية، في سياق الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
وبحسب الطبيبة البيطرية هناء المعسل، فقد أدى نزوح أعداد كبيرة من الأطباء البيطريين إلى مناطق أكثر أمناً إلى تفاقم الوضع، إذ أصبح كثير من المربين يعتمدون على خبراتهم الشخصية في تشخيص الأمراض واستخدام علاجات تباع بشكل عشوائي في الأسواق. وترى أن هذه الممارسات غير العلمية أسهمت في ارتفاع معدلات النفوق وتراجع الإنتاج الحيواني.
“أنا بصفتي طبيبة بيطرية أعمل في محلية الخوي بولاية غرب كردفان، لم أعد قادرة على تقديم الخدمات الأساسية للمربين، لأن اللقاحات والأدوية لم تعد تصل إلى المنطقة بسبب انعدام الأمن على الطرق”، تقول المعسل.
خسائر كبيرة
وتشير الطبيبة البيطرية إلى أن المنطقة تشهد انتشاراً لعدد من الأمراض وسط الثروة الحيوانية، وفي مقدمتها الحمى القلاعية التي تصيب الأبقار، وطاعون المجترات الصغيرة، والالتهاب الرئوي المعروف محليًا باسم “أبو نيني” الذي شهد تفشياً واسعاً وسط قطعان الأغنام والماعز قبل نحو خمسة أشهر، وأدى إلى نفوق نحو 93 في المائة من القطعان المصابة. كما قدرت الطبيبة البيطرية أن الخسائر في بعض المناطق المتأثرة بالأمراض قد تصل إلى نحو 65 في المائة من القطعان المصابة.

ولفتت المعسل، إلى أن جزءاً من الأدوية البيطرية كان قد وصل إلى ولاية غرب كردفان بدعم من منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، إلا أن الكميات كانت محدودة، ولم تلبِّ احتياجات المربين، في ظل اتساع رقعة الأمراض واستمرار تعطل الإمدادات البيطرية.
وتحذر المعسل من انتشار ظاهرة ممارسة المهنة من قبل أشخاص غير مؤهلين، مشيرة إلى بروز ما يعرف محلياً باسم “الكيّارة”، وهم أفراد تلقوا تدريباً ذاتيا، ويزاولون تقديم العلاجات البيطرية وبيع الأدوية من مصادر غير معروفة. وترى أن هذه الظاهرة أصبحت أكثر انتشاراً خلال فترة الحرب بسبب غياب الرقابة وضعف وجود الكوادر المتخصصة.
ومن أبرز الأمراض التي يشكو منها مربو الماشية في دارفور وكردفان، الحمى القلاعية (FMD)، وهي من أكثر الأمراض الفيروسية انتشارا وسط الأبقار، وتؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة وظهور تقرحات في الفم والحوافر، ما يسبب فقدان الشهية وانخفاض إنتاج الحليب وتراجع الوزن، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى نفوق العجول الصغيرة.
كما عاد طاعون المجترات الصغيرة (PPR)، وهو مرض شديد العدوى يصيب الأغنام والماعز، ويتسبب في خسائر اقتصادية كبيرة نتيجة ارتفاع معدلات النفوق وانخفاض الإنتاج، ويعد من أخطر الأمراض التي تواجه القطعان، إضافة إلى التسمم الدموي والفحمية وجدري الأغنام والماعز، إضافة إلى أمراض محلية مثل أم زقالة وأبو قنيت، التي ظلت لعقود ضمن الأمراض التي تستهدفها حملات التحصين الموسمية.
أمراض وافدة
وفي ولاية شرق دارفور، حذرت وزارة الثروة الحيوانية من اتساع رقعة الأمراض الوبائية في ظل استمرار نقص اللقاحات. وأكد مسؤول بالوزارة فضل حجب اسمه لـ(عاين) ظهور أمراض مستوطنة وأخرى وافدة عبر الحدود مع جنوب السودان الأمر الذي بات يهدد عشرات الآلاف من رؤوس الماشية، بينما أدى تدمير المعامل في الخرطوم ونيالا إلى انقطاع الإمدادات المنتظمة من اللقاحات الخاصة بالأمراض الوبائية.
ظهور أمراض مستوطنة وأخرى وافدة عبر الحدود مع جنوب السودان الأمر الذي بات يهدد عشرات الآلاف من رؤوس الماشية.
مسؤول حكومي بشرق دارفور
وأشار المسؤول الحكومي، إلى أنه على الرغم من تنفيذ حملة لتطعيم نحو 90 ألف رأس من الأبقار والأغنام والماعز في منطقة أبو مطارق، الأسبوع الماضي، إلا أن الحملة لا تمثل سوى جزء محدود من الاحتياجات الفعلية للولاية، التي تعد من أهم مناطق إنتاج الماشية في السودان.
من جهته يرى عمران صالح، مربي ماشية في محلية غبيش بغرب كردفان، أن خسارة الحيوانات لا تعني فقط فقدان مصدر دخل للأسر، وإنما لها تأثيرات أخرى مثل فقدان الحليب واللحوم، ما يؤدي بدوره إلى التأثير في الصحة، وربما ظهور أمراض سوء التغذية، حسب قوله.
ودعا في حديثه لـ(عاين) إلى ضرورة توفير اللقاحات من خلال إعادة تشغيل معامل إنتاج اللقاحات، وتأمين وصول الأدوية والكوادر البيطرية إلى مناطق الرعي، مطالباً السلطات في حكومة “تأسيس” التي تسيطر على المنطقة بضرورة استعادة برامج التحصين لإنقاذ قطاع الثروة الحيوانية في دارفور وكردفان.
“في السابق كنا نبيع عدد محدوداً من الضأن أو الأبقار لتأمين احتياجات الأسرة لفترة طويلة بما فيها العلاج والتعليم، لكن اليوم أصبحت كثير من الحيوانات تفقد قيمتها السوقية بسبب المرض والهزال، أو تنفق قبل أن نتمكن من بيعها”، يقول صالح.
يشار إلى أن قطاع الثروة الحيوانية لا يقتصر على الرعاة وحدهم، وإنما يرتبط بشريحة واسعة تضم تجار الماشية، ووسطاء الأسواق، وشركات النقل، والمسالخ، ومنتجي الألبان، ومصدري اللحوم والماشية الحية، مما يجعل خسارة القطاع تنعكس بصورة مباشرة على آلاف الأنشطة الاقتصادية الأخرى.





















