“حرب عملات”.. ماذا وراء الجنيه (الغامض) بمناطق الدعم السريع؟

عاين- 13 يوليو 2026

مؤخرًا، بدأت الأسواق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، لا سيما في إقليم دارفور، تشهد تداول أوراق نقدية مطبوعة حديثاً، رغم أنها تحمل تاريخاً قديماً يعود إلى عام 2022 وممهورة بتوقيع محافظ البنك المركزي السابق، قبل اندلاع الحرب، حسين يحيى جنقول. والذي يقود حالياً بنكاً مركزياً موازياً تحت مظلة ما حكومة “تحالف السودان التأسيسي“.

هذا الضخ المفاجئ للسيولة النقدية جاء كضربة ارتدادية لقرار حكومة بورتسودان (التي يقودها الجيش) بسحب الفئات القديمة من فئتي الألف والخمسمئة جنيه واستبدالها بأخرى جديدة، وهو ما ردت عليه قوات الدعم السريع بحظر العملة الحكومية الجديدة. هذا المشهد يضع السودانيين أمام واقع مرير يتمثل في منظومة نقدية مشطورة، ومستقبل اقتصادي ينهار فيه الجنيه متجاوزاً حاجز الخمسة آلاف مقابل الدولار الواحد، وسط تساؤلات حائرة حول سيادة مالية ممزقة ومخاوف كبيرة من انقسام مالي يمهد لانفصال حقيقي للبلاد.

طباعة عملة بتوقيع من الماضي

إن تداول أوراق نقدية جديدة ومجهولة مصدر الطباعة، بتوقيع قديم وتاريخ يعود إلى عام 2022 في مناطق الدعم السريع، يتجاوز كونه خطة فنية لفك شح السيولة، ليمثل خطوة سياسية استراتيجية لترسيخ دعائم حكومة موازية تمهد للانفصال المالي التام. وتكشف القراءة الفنية لهذه الخطوة عن حيلة قانونية اعتمدتها سلطة الأمر الواقع في دارفور؛ فاختيار تاريخ عام 2022 وتوقيع حسين يحيى جنقول (المحافظ الشرعي للبنك المركزي قبل الحرب)، يهدف بالأساس إلى إعفاء هذه العملة من تهمة التزوير الفوري ومنحها غطاءً شرعياً يوهم المواطن والتاجر بأنها أموال كانت مخزنة في خزائن الدولة قبل النزاع، وليست عملة مطبوعة حديثاً خارج النظام الرسمي.

وفي مدينة نيالا، العاصمة الإدارية لـ “حكومة تأسيس”، يؤكد مصرفي محلي لـ(عاين)، أن هذه الأوراق طُبعت حديثاً في مطابع خارجية دون أدنى شك، بالنظر إلى جودتها وملمسها الخالي من أي أثر للتداول المسبق. ومما يؤكد البعد الاستراتيجي لظهورها هو التوقيت، إذ تدفقت هذه الأموال إلى الأسواق بعد فترة وجيزة جداً من تعيين جنقول رئيس للبنك المركزي الموازي التابع للدعم السريع في الحادي والعشرين من مايو الفائت.

وعند مواجهة القيادي في تحالف السودان التأسيسي، حسب النبي محمود، بأسئلة حول منشأ هذه الأموال، فضل الامتناع من تحديد مصدر الطباعة الحقيقي، مكتفياً بالقول لـ (عاين): إن “أي ترتيبات تتعلق بإدارة النقد أو توفير السيولة تستند إلى خطط فنية مدروسة جيداً تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وتلبية احتياجات المواطنين والأسواق، متسقاً مع اتهامه لحكومة بورتسودان بخنق المدنيين واستخدام العملة كأداة حرب، بينما لزم البنك المركزي الموالي للجيش الصمت، ولم يرد على طلبات التعليق التي قدمتها له (عاين).

الدولار للمقاتل والكاش الغامض للمدنيين

بينما ترفض قيادات تحالف تأسيس الحديث عن مكان طباعة العملة مستعصمة بكلمة واحدة تفيد بأن هذا الأمر “سري للغاية”، تتبدى ملامح ترسيخ انقسام سياسي فعلي يحول مناطق السيطرة إلى أشباه دول من خلال الطريقة التي تُدار بها الرواتب. وهنا تكشف الشهادات الميدانية التي جمعتها (عاين) عن طبقية في توزيع النقد؛ فحكومة تأسيس تعمد إلى صرف رواتب عناصرها العسكرية ومقاتلي الدعم السريع بالدولار الأمريكي، بينما تضخ الجنيه الغامض أو التحويلات الرقمية لقطاعات مدنية معينة مثل موظفي المحليات والمعلمين. هذا التمييز يعكس رغبة سلطة الأمر الواقع في التخلص من عبء السيولة الورقية غير المعترف بها دولياً عبر رميها في السوق المحلي ليتداولها المدنيون، بينما يُحتفظ بالعملة الصعبة للدعم اللوجستي والعسكري الخارجي.

سوق الفاشر – مايو 2024

فمن ولاية جنوب دارفور، يرى الناشط الاجتماعي عمر بابكر في مقابلة مع (عاين)، أن هذه العملة لم تخلق أي أثر حقيقي في السوق أو المعاملات التجارية الواسعة بقدر ما هي أداة دعاية سياسية، مستدلاً على ذلك بأن القوة العسكرية للتحالف لا تعتمد عليها مالياً، بل تقبض بالدولار. ذات الأمر أكده معلم من مدينة الفاشر بشمال دارفور، مشيراً إلى أن آخر راتب تسلمه المعلمون كان بالعملة الخضراء مع انعدام تام للكاش المحلي الجديد في أسواق المدينة الخاضعة لخيارات معيشية بالغة القسوة.

وفي ولاية شرق دارفور (محلية ياسين)، يقول التاجر يعقوب الحسين إن العملة الجديدة غائبة عن الأسواق، ولم تساهم في حل أزمة القوة الشرائية المنهارة؛ بسبب تخطي الدولار عتبة الخمسة آلاف جنيه، حيث تم تحويل رواتب معظم الموظفين إلى أرقام في تطبيقات الهواتف التي تلتهم عمولاتها 20% إلى 25% من قيمتها الأصلية لمن يريد الحصول على كاش. الناشط السياسي أبوبكر عباس، من مدينة الجنينة في غرب دارفور أكد يؤكد تداول العملة الجديدة بتوقيع جنقول وتداولها بشكل عادي بين موظفي المحلية وبعض المعلمين وجزء محدود من قطاعات الدعم السريع، معرباً عن أمله في أن يقبلها التجار بالكامل لتسهيل البيع والشراء اليومي للمواطن المحاصر بالتضخم.

حرب التطبيقات البنكية

في ظل العزلة النقدية وحظر الطبعات الحكومية الجديدة، تحولت التطبيقات الإلكترونية البنكية وشبكات التحويل البديلة إلى الشريان الاقتصادي الوحيد الذي يربط وجدان واقتصاد المواطنين عبر خطوط القتال، ويمنع التجزئة الكاملة. في سوق النعام الحدودي مع جنوب السودان والذي يقع في منطقة تخضع لسيطرة الدعم السريع يعتمد التجار والمواطنون وحتى أفراد قوات الدعم السريع على تطبيق “بنكك” التابع لبنك الخرطوم لتدبير شؤونهم وجباياتهم اليومية. وعلى الرغم من محاولة حكومة تأسيس إدخال نظام مالي منافس يسمى “بنك المستقبل” واستخدامه لصرف بعض رواتب شهر مايو، إلا أن النظام الرسمي لبنك الخرطوم لا يزال سيد الموقف.

ويشير المحلل الاقتصادي أحمد بن عمر في حديثه لـ (عاين)، إلى مفارقة تقنية، حيث يرى أن هذه التطبيقات الرقمية لم تساعد على تجزئة البلاد مالياً، بل على العكس ساهمت في توحيد العمل المصرفي تحت مظلة مركزية واحدة، وبناءً على ذلك كسبت الحكومة في بورتسودان جولة استراتيجية واقتصادية من خلال التحكم في حركة الأموال وتتبعها عبر النظام المصرفي الشرعي المعترف به؛ لأن التجار في دارفور وكردفان لا يمكنهم المخاطرة باستخدام غطاء مصرفي غير رسمي يهدد بذهاب ثرواتهم وأموالهم سراباً في أي لحظة.

مسار التقاضي وتتبع الأموال قد يستغرق وقتا طويلا

ويوضح أحمد بن عمر، أن طبيعة حركة التجارة والتمويل تختلف جذرياً بين مناطق السيطرة؛ فبينما تحكم مناطق الجيش حركة تجارية خارجية ضخمة بميزان تجاري يصل إلى خمسة أو ستة مليارات دولار، مما يجعل سعر الصرف هناك أداة لتمويل حركة الاستيراد والتصدير الدولية، تنامى في مناطق الدعم السريع سوق موازٍ لسنوات طويلة اتخذ أنماطاً ترتكز على الاكتناز الحذر وتلبية المعاملات اليومية البسيطة والتهريب، حيث تعجز هذه الأسواق عن توفير مبالغ ضخمة لتمويل شحنات تجارية كبرى كباخرة بعشرين مليون دولار مثلاً، وهو ما جعل التداول الفعلي الكبير هناك ينحو سريعاً نحو الدولار أو عملة “السيفا” (الفرنك الأفريقي المستخدم في دول الجوار وتشاد).

ويضيف بن عمر: أن “سياسة البنك المركزي في بورتسودان بتحجيم السيولة وتغيير العملة كانت ضربة قاضية تهدف إلى تجفيف الكاش وإجبار الناس على المعاملات الرقمية، وهو ما خنق مناطق الدعم السريع مالياً، وجعلهم يفتقرون لكتل نقدية مادية لإدارة عملياتهم، خصوصاً مع استحالة نقل كتل نقدية ضخمة مادياً بعد أن فقدت العملة الورقية قيمتها، حيث بات المليار يسمى “ألفاً” والتريليون يسمى “ملياراً” بلغة السوق الشائعة، مما يجعل من فكرة طباعة عملة ورقية جديدة خطوة متأخرة وغير مؤثرة اقتصادياً أمام المد الرقمي والدولاري.

سيناريوهات الانقسام

يرى أستاذ الاقتصاد الدولي الرشيد عثمان في مقابلة مع (عاين)، إن خطوة الدعم السريع بطرح عملة وإعادة ضخ أموال مجهولة المصدر دون بناء نظام مصرفي متكامل ومتشابك دولياً هي خطوة سياسية متمحورة حول الدعاية والتسويق وفرض الأمر الواقع، وليست خطوة فنية قابلة للحياة؛ لكون أي بنك مركزي ينشأ في نيالا لن يحظى بأي اعتراف دولي، وستظل عملته تفتقر للغطاء الحمائي وعلامات الأمان ضد التزوير الواسع. وبسبب غياب هذا الاعتراف الدولي، فإن هذا الإجراء سيعمق مستويات التضخم، ويعزل سكان تلك المناطق تدريجياً عن النظام المصرفي العالمي، مما يجعل ملف العملة الوطنية أحد أصعب معوقات أي تسوية سياسية أو اقتصادية لتوحيد السودان مستقبلاً.

ويضيف الرشيد: “عند مقارنة هذا المأزق بنماذج الانقسام النقدي الأخرى في المنطقة، يظهر الوضع السوداني تعقيداً فريداً؛ ففي الحالة الليبية كان توحيد البنك المركزي أسهل نسبياً لاعتماد الاقتصاد على عوائد النفط التي تديرها جهة موحدة تحظى برضا دولي، أما في الحالة اليمنية فلا يزال الانقسام النقدي والمؤسسي بين صنعاء وعَدَن معقداً ومستعصياً على الدمج حتى الآن، ويتسبب في انهيارات متتالية للقوة الشرائية. وفي السودان تبدو الصورة أكثر قتامة لغياب أي قراءات واضحة حول حجم انتشار هذه العملة الموازية”.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *