“صحارى تبتل وحرارة ترتفع”.. هل يواجه السودان تطرفًا مناخيًا؟
عاين- 2 يوليو 2026
بدا المزارع السوداني محمد إبراهيم يائسا من الاستمرار في زراعة النخيل الذي اشتهرت به الولايتان الشمالية ونهر النيل في ظل التهديد الكبير الناتج عن تزامن هطول أمطار غزيرة في أوقات الحصاد وهو ما يسبب تلفا للمحصول النقدي الأهم في المنطقة.
“خلال السنوات الأخيرة زادت نسبة معدلات الأمطار، وأصبحت تؤثر في محصول البلح، وتسبب تلفًا في الثمار قبل أوقات قصيرة من مرحلة النضج، وحتى الثمار التي تستطيع المقاومة تصبح عرضة للتسوس بسرعة”. يقول إبراهيم في مقابلة مع (عاين) ويضيف:” في السابق كانت تأتي أمطار خفيفة وهي مفيدة لأشجار النخيل لجهة أنها تغسل الأشجار، وتزيل الحشرات الضارة كالنمل والعنكبوت، لكن ما حدث خلال السنوات الماضية أصبح يؤثر بشكل مباشر على الثمار”.
في حال استمرار معدلات الأمطار يصبح مزارعو النخيل في المنطقة أمام خيارين صعبين-وفقا لـ إبراهيم وهو مزارع نخيل في الولاية الشمالية- فالأول يتمثل في تعزيز حماية ثمار النخيل عبر تغطيتها بأكياس بلاستيكية خاصة بالتمور، وهذا الأمر يضيف أعباء إضافية على المزارعين، أما الخيار الثاني فهو استبدال فسائل النخيل بفسائل مستوردة تنضج قبل موسم الأمطار كالتمور السعودية المعروفة بـ “البرحي، والمجدول، والشيشي، ونبتة علي، والسكري، والخنيزي، والخضري”. ويرى إبراهيم، أنه إذا استمرت الأمطار بالمعدلات المرتفعة في الأعوام السابقة، ستصبح زراعة النخيل ليست ذات جدوى.
خلال السنوات الماضية تغيرت ملامح الطقس عموما في السودان، أمطار غزيرة تضرب مناطق عُرفت تاريخياً بندرة الهطول، ودرجات حرارة تسجل مستويات ارتفاع قياسية، وسيول تجرف قرى ومزارع، فيما تتكرر مواسم الجفاف في مناطق أخرى. وفقا لهذه المعطيات يرى خبراء، مناخ وأرصاد تحدثت إليهم (عاين)، أن السودان دخل فعليًا مرحلة التطرف المناخي، ولم يعد معزولاً عن التحولات المناخية المتسارعة عالميًا.
في ولاية نهر النيل المجاورة للولاية الشمالية تجيب تقارير رسمية صادرة عن وحدة الإنذار المبكر الحكومية في الولاية والتي اطلعت عليها (عاين)، وتكشف عن تأثيرات مباشرة للتغيرات المناخية في الولاية منها ظهور حشائش جديدة في منطقة البحيرة لم يعرف عنها أي معلومات، بجانب ظهور الفئران بكميات كبيرة في موسم أمطار 2024. بعد زراعة الأودية بالذرة. وعدم ظهور آفة الجراد في خريف 2025، إضافة إلى ظاهرة الجريان الشديد للسيول بأودية ولاية نهر النيل في خريف 2024.
السودان يتجاوز حدود التذبذب المناخي
“نعم السودان بات يواجه تطرف مناخي”. يقول خبير الأرصاد الجوية السوداني، محمد الشريف ردا على سؤال (عاين) حول التحولات المناخية بالبلاد. ويشير إلى أن إجابته باتت أقرب إلى اليقين منها إلى الاحتمال مستدلاً بالفيضانات والسيول المتكررة وموجات الحر ودرجات الحرارة المرتفعة بدرجات قياسية ومتكررة بجانب التذبذب الكبير في توزيع الأمطار، والجفاف وتأخر هطول الأمطار، والعواصف الترابية. ويقول: هذه مؤشرات لتطرف مناخي”.

ولا تبدو هذه المؤشرات مجرد انطباعات ميدانية، بل تجد سنداً علمياً في الدراسات المناخية الحديثة التي ترصد تغيرات متسارعة في مناخ السودان خلال العقود الأخيرة. ويتوقع في هذا الاتجاه، الخبير السوداني في قضايا المناخ، إسماعيل الجزولي، أن يشهد السودان نقصاناً في معدل هطول الأمطار يصل إلى ستة مليمترات، وهو تراجع قد يبدو محدوداً في الأرقام، لكنه يحمل آثاراً كبيرة على بلد يعتمد ملايين سكانه على الزراعة المطرية والرعي.
ويقول إسماعيل وهو ورئيس سابق للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ لـ(عاين): إن “متوسط درجة الحرارة في السودان في ارتفاع بشكل ملحوظ.
ويضيف: “إذا لم يتعامل العالم بجدية بمشكلة تغير المناخ والعمل الجاد للحد من آثارها السالبة، فمن المتوقع أن ترتفع درجة الحرارة في السودان إلى مستويات قياسية”.
وفي السياق يرى الخبير البيئي والغابي، طلعت دفع الله عبد الماجد أن ما تشهده البلاد اليوم تجاوز حدود التذبذب المناخي الطبيعي، ويقول لـ(عاين): “إن السودان دخل بالفعل مرحلة من التطرف المناخي المتزايد، تتمثل في التناوب المتكرر بين موجات جفاف قاسية وفيضانات مدمرة، مع ارتفاع مطرد في درجات الحرارة”.
وتعزز هذا التقييم تقارير دولية صنّفت السودان ضمن أكثر دول العالم هشاشة في مواجهة تداعيات تغير المناخ، في ظل تزايد التقلبات الجوية وارتفاع وتيرة الظواهر المتطرفة مقارنة بما كان سائداً خلال النصف الثاني من القرن الماضي.
تغيير المناخ ونقص الغذاء
وتكمن خصوصية الحالة السودانية في تداخل المخاطر المناخية مع تحديات اقتصادية وتنموية وأمنية قائمة أصلاً، ما يجعل آثار الظواهر المناخية أكثر حدة من كثير من الدول الأخرى. فاعتماد ملايين السكان على الزراعة المطرية والرعي التقليدي يجعل أي تغير في كميات الأمطار أو درجات الحرارة ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي ومستويات الدخل والاستقرار الاجتماعي.
وفي هذا الاتجاه، يشير إسماعيل الجزولي إلى أن تغير المناخ يؤدي إلى نقص الغذاء وتفشي المجاعات وما يتبعها من نزوح ولجوء واستغلال غير رشيد للموارد الطبيعية. كما أن تراجع الإنتاج الزراعي والموارد الأخرى يؤدي إلى تفاقم النزاعات والصراعات المرتبطة بالموارد.
ويضيف في مقابلة مع (عاين): أن “الفيضانات والسيول تتسبب في تدمير القرى والمناطق المأهولة بالسكان، وتجبر السكان على النزوح نحو المدن، ما يزيد الضغط على الخدمات المتدهورة أصلاً، ويؤثر في الاستقرار الاجتماعي والأمني”.

ووفقا لـ إسماعيل، فإن تباين وتغير المناخ سيكون له تأثير خطير على الزراعة والأمن الغذائي. فعدم وجود المياه مقترناً مع درجات الحرارة العالية التي تصل إلى 45 درجة مئوية في بعض فترات العام يعد من العوامل التي تعيق الإنتاج الزراعي.
ويضيف: أن “الجفاف يهدد نحو 12 مليون هكتار من الزراعة المطرية الآلية و6.6 مليون هكتار من الزراعة المطرية التقليدية، فيما يؤدي ارتفاع الحرارة ونقص المياه إلى انخفاض مساحة الغابات والمساحات المزروعة وتراجع إنتاجية المحاصيل وتكرار موجات الجفاف والنقص الحاد في مياه الشرب وتغيير مواعيد زراعة المحاصيل السنوية”.
وبحسب الجزولي، أنه خلال الفترة بين 2030 و2060 يتوقع أن تتناقص إنتاجية الذرة في منطقة كردفان بنسبة تتراوح بين 13 و82 في المائة، فيما قد تتراجع إنتاجية الدخن بنسبة تتراوح بين 20 و76 في المائة، بينما تنخفض إنتاجية الصمغ العربي بنسبة تتراوح بين 20 و25 في المائة.
ولا تقتصر التداعيات على المحاصيل التقليدية فحسب، بل تمتد إلى سلاسل القيمة الزراعية بأكملها، بدءاً من الإنتاج والحصاد وصولاً إلى التخزين والنقل والتسويق، مع اضطرار المزارعين لتحمل تكاليف إضافية للتكيف مع الظروف المناخية الجديدة.
تأثيرات على مصادر المياه وانتشار الأوبئة
لا تتوقف التداعيات عند حدود الزراعة. فبحسب الجزولي، يؤثر تغير المناخ بصورة مباشرة على المياه السطحية والجوفية نتيجة تناقص الأمطار وارتفاع درجات الحرارة وما يصاحبه من زيادة معدلات التبخر.
وتشير دراسات -وفقا لإسماعيل- إلى أن إمدادات مياه النيل قد تتراجع بما يتراوح بين 20 و30 في المائة خلال العقود الأربعة المقبلة، فيما قد ينخفض مخزون المياه الجوفية بنحو 40 في المائة، مع توقعات بأن تكون مناطق كردفان من أكثر الأقاليم تأثراً.

ويحذر مختصون من أن الضغوط المتزايدة على الموارد المائية قد تصبح واحدة من أكبر التحديات التنموية خلال العقود المقبلة، خاصة مع النمو السكاني المتسارع وازدياد الطلب على المياه للأغراض الزراعية والحضرية.
كما يساعد تغير المناخ في انتشار الأوبئة والأمراض المرتبطة بالمياه، وعلى رأسها الملاريا، بما ينعكس سلباً على الإنتاجية والاقتصاد الوطني.
ولا تقتصر التداعيات على الإنسان وحده، إذ تمتد إلى النظم البيئية والمحميات الطبيعية والمناطق الساحلية على البحر الأحمر، حيث تتزايد مخاطر التعرية الساحلية والعواصف، وتتراجع أشجار المانغروف، وتتأثر الثروة السمكية بارتفاع درجات حرارة المياه ومستوى سطح البحر وملوحته.
كما يشير الجزولي إلى أن تغير المناخ يترك تأثيرات واضحة على المحميات الطبيعية والحظائر القومية؛ بسبب تأثيره في المياه والغذاء ودرجات الحرارة، حيث لوحظ تناقص أعداد بعض الطيور النادرة ونفوق أعداد من الحيوانات.
























