كيف دفعت الحرب أهم محصول نقدي في السودان نحو الانقراض؟

عاين- 1 يوليو 2026

قبل بدء التحضير للموسم الزراعي الحالي، كان “مصري الريح” حزم أمتعته، وغادر بلدته في غرب كردفان إلى أم درمان، محاولاً العثور على مصدر دخل جديد. فالرجل الذي كان يُعد من كبار منتجي الفول السوداني في منطقته، ويزرع سنوياً نحو ألف فدان، وجد نفسه عاجزاً عن مواصلة نشاطه؛ بسبب ما خلفته الحرب من تكلفة عالية وتدنٍ في الأسعار وغياب الأسواق.

كان الريح واحداً من عشرات المزارعين المنتجين للفول السوداني في كردفان ودارفور، الذين تخلوا عن الزراعة، أو قلصوا المساحات المزروعة، وفقاً لمؤشرات التحضير للموسم الجديد هذا العام، وذلك بعد تدني أسعار المحصول النقدي نتيجة حظر قوات الدعم السريع خروج المحاصيل الزراعية من دارفور وكردفان إلى الأسواق الواقعة في مناطق سيطرة الجيش السوداني، وفشلها في إيجاد أسواق بديلة، مما يهدد بانقراض المحصول في واحدة من أكثر المناطق إنتاجاً له.

ويعتبر إقليما كردفان ودارفور من أكثر المناطق إنتاجاً للفول السوداني، حيث ينتجان نحو مليون وخمسمائة ألف طن سنوياً، بحسب تقديرات تستند إلى بيانات وزارة الزراعة السودانية، ومنظمة الأغذية والزراعة، ووزارة الزراعة الأمريكية. وكان هذا الإنتاج يُتداول في أسواق النهود والأبيض وأم درمان، قبل أن يُصدَّر لاحقاً عبر ميناء بورتسودان في شرق السودان، لكن اليوم يتعذر وصول الفول السوداني المنتج في كردفان ودارفور إلى الميناء؛ بسبب ما أفرزته الحرب من واقع.

وتحدثت (عاين) مع ستة مزارعين في كردفان ودارفور، أكد معظمهم أنهم تخلوا عن الزراعة التجارية بالكامل، أو قلصوا المساحات المزروعة إلى الحد الأدنى اللازم لإنتاج الزيت الذي تستهلكه أسرهم، وقد صرف المزارعون النظر تماماً عن كونه محصولاً نقدياً كانوا يعتمدون عليه سابقاً في شراء مستلزمات حياتهم المعيشية وغيرها من الاحتياجات.

تراجع الإنتاج

يقول مصري الريح، وهو مزارع من منطقة “أبو رأي” في ولاية غرب كردفان، إنه كان حتى لحظة اندلاع الحرب يزرع ما لا يقل عن 200 “مخمس” من الفول السوداني، أي ما يعادل 1000 فدان. والمخمس هو وحدة قياس محلية تُستخدم في كردفان ودارفور، وتساوي 5 أفدنة.

مزارعات في إقليم دارفور- ارشيف

تخلى مصري الريح اليوم عن الزراعة، وانتقل من بلدته إلى مدينة أم درمان، حيث يحاول التأقلم مع ممارسة مهنة جديدة بعد أن فقد كثيراً من أمواله بسبب الخسائر التي تكبدها جراء تدهور أسعار الفول السوداني وغياب الأسواق خلال الفترة الماضية.

وأضاف الريح لـ(عاين): “في الفترة الأخيرة أصبحت التكلفة عالية والأسعار متدنية، حيث بلغت تكلفة المخمس الواحد في الموسم الماضي 300 ألف جنيه (نحو مائة دولار بسعر الموسم الماضي)، بينما ينتج ما بين 10 إلى 15 قنطاراً، تم بيعه بأسعار متدنية في حدود 10 آلاف إلى 15 ألف جنيه، أي بخسارة تقدر بـ150 ألف جنيه للمخمس الواحد”.

بسبب ما خلفته الحرب من ارتفاع تكاليف زراعة الفول السوداني فإن التحضيرات للموسم الحالي لا تزيد عن 10% مما كانت عليه في السابق

مزارع

ومن أسباب تدني أسعار الفول السوداني في الأسواق المحلية بكردفان ودارفور غياب منافذ التصدير، بعد منع قوات الدعم السريع في أغسطس 2024 خروج المحاصيل الزراعية إلى مناطق سيطرة الجيش التي يوجد بها الميناء الرئيسي للبلاد، إضافة إلى التكلفة العالية للشحن والترحيل من مناطق الإنتاج إلى الأسواق البديلة في “أديكونق” قرب معبر أدري على الحدود مع دولة تشاد، وسوق النعام التابع لمنطقة أبيي على الحدود مع جنوب السودان.

يقول مصري الريح: إن “تكلفة ترحيل طن الفول من سوق مدينة غبيش بولاية غرب كردفان إلى معبر أدري تبلغ 800 ألف جنيه سوداني، وهي أعلى من سعر طن الخام نفسه، حيث يباع الطن في المنطقة بـ600 ألف جنيه، بينما يبلغ سعر الترحيل إلى سوق “النعام” مليون جنيه. وتعود أسباب ارتفاع تكاليف الترحيل إلى بُعد المسافة ووعورة الطرق، إضافة إلى كثرة الجبايات في النقاط العسكرية على الطريق”.

ويتابع: “لذلك كله تراجعت زراعتي إلى 20 مخمساً، وبدأت التحضير لزراعتها في الموسم المقبل. الآن تكلفة زراعة 20 مخمساً تساوي 6 ملايين جنيه، وقد كان هذا المبلغ قبل الحرب يكفيني لزراعة أكثر من مائة مخمس”

ويشير مصري، إلى “توقف التجار تماماً عن الزراعة، لا توجد زراعة تجارية في غرب كردفان، فقط تبقت الزراعة التقليدية للسكان المتواجدين هناك، كل يزرع على قدر استطاعته من أجل الاكتفاء الذاتي من زيت الطعام. والتحضيرات للموسم الحالي لا تزيد عن 10% مما كانت عليه في السابق”.

ويبلغ سعر طن الفول اليوم في سوق محاصيل الأبيض ستة ملايين ومئتي ألف جنيه، وفي أم درمان ستة ملايين وستمائة ألف جنيه، بينما في غبيش والنهود بغرب كردفان يبلغ مليوناً ونصف المليون، وفقاً لتجار ومزارعين تحدثوا لـ(عاين).

محصول فقد قيمته النقدية

وفي مفارقة تكشف تدهور قيمة واحد من أهم المحاصيل النقدية في كردفان ودارفور، أصبحت قيمة عشرة قناطير من الفول السوداني تساوي قيمة جوال سكر واحد زنة 50 كيلوغراماً، وفقاً لإفادات سكان في محليتي “غبيش والضعين” في غرب كردفان وشرق دارفور، تحدثوا لـ(عاين). مؤكدين أن سعر طن الفول السوداني البالغ مليوناً ونصف المليون جنيه يساوي فقط قيمة أربعة جوالات سكر.

وبالإضافة إلى تدني أسعار الفول السوداني في كردفان ودارفور، فقد تضاعفت تكلفة إنتاج المحصول بصورة غير مسبوقة، حيث بلغ برميل وقود الجازولين ثلاثة ملايين جنيه، بينما كان قبل الحرب نحو 250 ألف جنيه، بحسب تاجر وقود تحدث لـ(عاين)، مما انعكس مباشرة على ارتفاع تكاليف حرث الأرض بالجرارات ونقل المحصول إلى الأسواق وغيرها.

الزراعة من أجل البقاء

يقول يوسف شريف، وهو مزارع في منطقة “جاد السيد” بولاية شرق دارفور، وهي من المناطق ذات الإنتاجية العالية، لـ(عاين): إن” البذور الموجودة غير محسنة، ومع ذلك يباع جوالها الآن بـ220 ألف جنيه، بسبب غياب الإرشاد الزراعي والمؤسسات الحكومية التي كانت توفير التقاوي”. موضحاً أن عشرات المزارعين في منطقته أحجموا عن زراعة الفول بالكميات الكبيرة التي درجوا على زراعتها في السابق، وبدأوا التحضير للموسم الجديد بزراعة ما يكفيهم ذاتياً من زيت الطعام.

ويضيف شريف: “الآن أكبر مساحة مجهزة للزراعة لا تتجاوز 50 مخمساً، والأسعار طوال الفترة الماضية كانت تتراوح بين 400 إلى 600 ألف جنيه للطن، أما الآن وبعد أن خرج المحصول من يد المزارعين، وأصبح فقط عند التجار وصل السعر إلى مليون وثلاثمائة ألف جنيه”.

ومن بين أسباب تقليص المساحات المزروعة غياب الأيدي العاملة، بعدما انخرط العديد من الشباب في صفوف أطراف الحرب، بينما توجه آخرون إلى مناطق التعدين الأهلي عن الذهب، حسب شريف.

عملية تفريغ محصولات زراعية من شاحنة بإقليم دارفور

وشكا شريف، من ارتفاع الضرائب المفروضة على محصول الفول، وهو ما انعكس على تدني الأسعار، قائلاً إن شحنة الفول البالغة 30 طناً تُفرض عليها السلطات المحلية رسوماً تبلغ سبعة ملايين ونصف المليون جنيه، عبارة عن ضرائب وزكاة، وهو ما يدفع التجار إلى شراء المحصول من المنتج بأسعار متدنية لتغطية هذه الجبايات.

وحسب تقديرات تستند إلى بيانات وزارة الزراعة السودانية، ومنظمة الأغذية والزراعة، وتقارير منظمات دولية، فإن إجمالي إنتاج السودان من الفول لموسم 2022 / 2023 تراوح بين 2.5 و3 ملايين طن، فيما يتراوح إنتاج كردفان ودارفور بين 1.3 و1.7 مليون طن، أي نحو 55 – 65% من الإنتاج القومي.

وبينما لا توجد تقارير رسمية حديثة توضح حجم الإنتاج ما بعد الحرب، إلا أن الاستطلاع الذي أجرته (عاين) مع عدد من المزارعين والتجار في كردفان ودارفور يشير إلى تراجع الإنتاج بشكل كبير؛ بسبب الظروف التي أفرزتها الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، حيث أُجبر الكثير من المزارعين على النزوح بحثاً عن الأمن والخدمات، بجانب صعوبة الحصول على التقاوي والتمويل، وصعوبة نقل المحاصيل إلى الأسواق.

وكانت مدينتا النهود والأبيض تمثلان المركز التجاري الرئيس لمحصول الفول السوداني في غرب السودان، حيث كانت تتجمع فيهما محاصيل مناطق كردفان ودارفور، كما كانتا تضمان عدداً كبيراً من مصانع تقشير الفول السوداني ومخازن التجار وشركات التصدير.

نقطة تحول

ومثلت سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة النهود في الأول من مايو 2025 نقطة تحول رئيسية أدت إلى تعطيل الحلقة التجارية والتمويلية لزراعة الفول في غرب كردفان، كما تعطلت بورصة المحاصيل، وجرى نهب المخازن، وفقد التجار أموالهم، وانهار التمويل الزراعي. وقد أدت هذه التطورات بدورها إلى انخفاض الإنتاج في كردفان ودارفور، وفقاً لعضو المكتب التنفيذي لاتحاد أصحاب العمل شمال كردفان الصادق جبريل.

ويقول جبريل، وهو أيضاً عضو شعبة تجار المحاصيل بسوق الأبيض، إن سوقي المحاصيل في النهود والأبيض كانا يتداولان سنوياً نحو مليون طن من الفول المنتج في كردفان وأجزاء من دارفور، حيث كانت سلاسل الإمداد مفتوحة بين الأبيض وبورتسودان، وكانت الأسعار مستقرة والحركة التجارية عالية.

ويضيف لـ(عاين): “بعد الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، حدث انهيار شبه كامل في التداول، حيث انخفض الإنتاج بسبب القتال ونزوح المزارعين وانقطاع طرق الترحيل بين مناطق الإنتاج والتصدير”. وتابع: “أغلب التجار أوقفوا الشراء بكميات كبيرة بسبب غياب الترحيل الآمن إلى الميناء”.

تراجع حجم التداول للفول السوداني في سوق الأبيض إلى أقل من 20% – 30% من طاقته، بينما أُغلق سوق النهود نهائياً

عضو اتحاد أصحاب العمل بشمال كردفان

وذكر جبريل، أن التقديرات الميدانية تشير إلى تراجع حجم التداول للفول السوداني في سوق الأبيض إلى أقل من 20% – 30% من طاقته، بينما أُغلق سوق النهود نهائياً. وأضاف: “سوق الأبيض الآن يعمل بالقطاعي أكثر من الجملة، والأسعار تتغير يومياً حسب الوضع الأمني، والآن البورصة أصبحت أقرب إلى سوق طوارئ أكثر من كونها بورصة صادر”.

وأكد أن ولايتي غرب كردفان وشمال كردفان تقعان ضمن ما يعرف بـ”حزام الفول السوداني”، حيث تنتجان مع دارفور نحو 70% من الإنتاج الكلي للسودان، مشيراً إلى أن المساحة التي كانت تزرع بالفول السوداني في كردفان قبل الحرب تزيد عن 2 مليون فدان، وفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة.

وأضاف جبريل أن الموسم الآن شبه متعطل كلياً في غرب كردفان، بعد النزوح الجماعي للمزارعين الكبار إلى مدينة الأبيض وتعذر عودتهم خوفاً من الانفلات الأمني، فضلاً عن النزوح الواسع لسكان النهود وبابنوسة ومناطق أخرى.

السودان يفقد أسواقه الخارجية

يؤكد المحلل الاقتصادي الدكتور هيثم محمد فتحي أن دراسات أجرتها بعض المنظمات العاملة في مجال الزراعة أظهرت تراجع إنتاج الفول السوداني في كردفان ودارفور بنسبة 90% بسبب الحرب، إضافة إلى نقص الموارد المالية وارتفاع تكاليف الإنتاج.

وقال فتحي لـ(عاين) إن هناك تحديات كبيرة فرضتها الحرب على مختلف مراحل الدورة الزراعية، بما في ذلك الزراعة والحصاد والتخزين والبيع والاستهلاك، مع انهيار تام في سلسلة الإنتاج بدءاً من البذور والأسمدة والوقود والآليات، وانتهاءً بالقدرة على الوصول إلى الأراضي نتيجة لانعدام الأمن.

السودان فقد أسواقه الخارجية التي بعد منع الدعم السريع خروج سلع الصادر من مناطق سيطرتها ومن بينها الفول السوداني

محلل اقتصادي

وأضاف أن “السودان كان يحتل موقعاً متقدماً في صادرات الفول السوداني إلى الصين، التي استوردت في عام 2024 نحو 347 ألف طن من السودان، ثم السنغال 306 آلاف طن، أي أن البلدين وحدهما استحوذا على نحو 98.9% من واردات الصين، قبل أن يتغير ذلك في العام 2025 عندما أعلنت قوات الدعم السريع منع خروج سلع الصادر من مناطق كردفان ودارفور، ما تسبب في فقدان البلاد لأسواقها الخارجية”.

وذكر فتحي، أن ارتفاع أسعار الفول انعكس مباشرة على معاصر الزيوت في أم درمان والدامر بولاية نهر النيل، حيث ارتفعت أسعار زيت الفول إلى مستويات جعلته غير قادر على المنافسة في الأسواق الخارجية.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *