على حدود الذهب والنار.. ماذا حدث في مناجم شمال الوادي؟

عاين- 21 يونيو 2026

مع بزوغ الفجر في أقصى شمال السودان يوم الثلاثاء 16 يونيو 2026، لم يكن آلاف المعدنين الأهليين المنتشرين بين الآبار الصخرية في منطقة شمال الوادي يتوقعون أن تتحول رحلة البحث عن الذهب إلى رحلة نجاة. ففي ذلك اليوم، تعرضت مواقع تعدين حدودية لقصف جوي عبر الطيران خلف قتلى وعشرات الجرحى والمفقودين، بينما بقيت أسئلة جوهرية بلا إجابة، في ظل غياب رواية رسمية مكتملة من “الخرطوم” أو “القاهرة“.

بحسب شهادات حصلت عليها (عاين)، بدأ الهجوم في ساعات الصباح الباكر، واستهدف مواقع تعدين معروفة بين المعدنين باسم “جبل العقيدات” و”الجبل الأحمر” و”الجبل الأبيض” في منطقة شمال الوادي.

وتقع منطقة شمال الوادي في نطاق صحراوي غني بالذهب، قريب من الحدود السودانية المصرية. ووفق الخرائط الإدارية التي يعتمدها السودان، تقع مواقع التعدين داخل الأراضي السودانية، بينما تستند مصر إلى تفسير مختلف للحدود في أجزاء من المنطقة المتاخمة للنزاع التاريخي حول حلايب وشلاتين.

وتحولت هذه المنطقة منذ اندلاع الحرب في السودان إلى مقصد لآلاف الشباب الذين فقدوا مصادر رزقهم، وأصبح التعدين الأهلي بالنسبة لكثيرين وسيلة للبقاء.

ويروي عبدالله لـ(عاين)، وهو أحد الناجين، أن الطائرات قصفت منجم “إيقاد” الواقع شمال منطقة العلاقي، قبل أن تتوسع العمليات لاحقاً. ويقول إن المنطقة تضم عشرات المناجم التي يعمل فيها آلاف المعدنين السودانيين، وإن كثيرين فروا إلى الجبال والكهوف بعد الضربات الأولى.

ويضيف أن القوات المصرية كانت تنفذ، بحسب روايته، حملات متكررة في المنطقة خلال الأشهر الماضية لإبعاد المعدنين، قبل أن تتجدد العمليات صباح السبت 20 يونيو 2026 بهجوم جوي وآخر بري، تخلله إطلاق نار مباشر، بينما ظلت حصيلة الضحايا والمفقودين غير معروفة حتى ذلك الوقت.

إنقاذ تحت النار

بعد انحسار القصف، بدأت مجموعات أهلية من منطقتي الأنصاري والمطار في تنظيم عمليات إجلاء للمصابين والعالقين.

ويقول عبدالله إن الجثامين والجرحى نُقلوا إلى هاتين المنطقتين، بينما ظل آخرون مفقودين في المناجم المجاورة، خاصة قرب الجبلين الأبيض والأحمر، في حين بقي بعض المعدنين في مواقع آمنة انتظاراً لوصول مركبات تنقلهم مع خام الذهب الذي استخرجوه.

وبسبب الطبيعة الجبلية الوعرة، وبعد المنطقة عن المراكز الطبية، واجهت عمليات الإنقاذ صعوبات كبيرة، الأمر الذي أسهم في تضارب حول أعداد القتلى والمفقودين.

رواية أخرى من داخل المنطقة

يروي “محمد علي” (اسم مستعار)، وهو أحد الأشخاص الموجودين في منطقة التعدين بشمال الوادي، أن ما جرى لم يكن، بحسب وصفه، غارة جوية واحدة، بل سلسلة من الغارات استهدفت عدة مواقع. وقال إن ثلاث غارات وقعت داخل مواقع للتعدين في الجانب المصري، فيما استهدفت غارة أخرى منطقة شمال الوادي داخل الأراضي السودانية، مدعياً أن الضحايا لم يقتصروا على السودانيين، وإنما شملوا أيضاً عدداً كبيراً من المصريين بين قتيل وجريح.

ويرى محمد علي، أن الصمت الرسمي السوداني تجاه ما يصفه بقصف الطيران المصري لأراضٍ سودانية يثير تساؤلات حول أهداف تلك العمليات والجهات المستفيدة منها. ويطرح فرضية تربط بين الضربات العسكرية الأخيرة وبين توسع أنشطة شركة التعدين المصرية “ديب ميتالز”، التي يقول إنها حصلت حديثاً على امتيازات للتعدين في أربع مناطق، ثلاث منها داخل مصر ومنطقة رابعة في شمال الوادي بالسودان.

تقطير الذهب من التربة في عملية “المخلفات” أو “الكرتة” في ولاية نهر النيل (عاين)

ويؤكد محمد علي في مقابلة مع (عاين)، فإن العمليات العسكرية تهدف إلى إخلاء مناطق التعدين الأهلي من المعدنين التقليديين تمهيداً لتسليمها إلى شركات استثمار كبرى، وعلى رأسها شركة “ديب ميتالز”. ويضيف: أن “هذه الفرضية تستند، من وجهة نظره، إلى حصول الشركة على امتيازات واسعة للتنقيب، وإلى ما يصفه بتداخل المصالح بين المستثمرين والجهات الرسمية”.

كما يدعي أن الشركة تمتلك حقوق استكشاف وإنتاج في أربع مناطق، تشمل مناجم السكري وعتود والبرامية داخل مصر، إضافة إلى منطقة شمال الوادي داخل السودان، ويقول محمد علي: إن “بعض هذه المواقع تعرض أيضاً لغارات جوية، وإن السلطات المصرية فرضت إجراءات أمنية مشددة حولها، مع استمرار وجود أعداد من المعدنين السودانيين والمصريين داخل تلك المناطق”.

يشير محمد علي، إلى أنه لا يزال عالقاً داخل إحدى مناطق التعدين مع آلاف المعدنين المصريين والسودانيين، وأن القوات المصرية المنتشرة في المنطقة أغلقت الطرق الرئيسية باستخدام مدرعات ومركبات عسكرية، وأقامت نقاط تمركز وخياماً أمنية. وقال: إن “بعض المسارات الترابية البعيدة عن الطريق الإسفلتي ما زالت تستخدم للوصول إلى مناطق مثل الضيقة وأم رشيد ووادي الجنيه”، مضيفاً أن “مركبات محملة بالمياه تمكنت من الوصول إلى بعض المعدنين المحاصرين”.

كما أفاد بأن شقيقه وبعض أصدقائه تم اعتُقالهم خلال الأحداث، وأنهم محتجزون حالياً في سجن مرسى علم، وفقاً لروايته.

محاولات سيطرة مصرية

فيما يشير الباحث والمهتم بشؤون التعدين في السودان محمد صلاح، إلى محاولات مستمرة من السلطات المصرية للسيطرة على المناطق الحدودية الغنية بالذهب، وكان في السابق يتم عبر الاستيلاء على الذهب المهرب من السودان وضخه في الاقتصاد المصري، ومؤخرا أعادت السلطات المصرية لتوزيع المناجم من شركات مملوكة للجيش إلى شركات جديدة من بينها شركة “شلاتين”.

ويقول صلاح في مقابلة مع (عاين)، “منذ وقت طويل تحاول هذه الشركات الجديدة العمل في مناطق التعدين، لكنها واجهت عائق المعدنيين التقليديين المنتشرين في هذه المناجم بعد فشل محاولات عديدة لطردهم من قبل.

ويشير صلاح، إلى الطيران قصف مواقع تعدين رئيسي داخل الحدود المصرية والسودانية، واستهدف الطيران مناطق العقيدات والأخضر ومنجم قرب شلاتين داخل الأراضي السودانية، و”منجم صلاح” بالقرب من منطقة مرسى علم داخل الحدود المصرية ويؤكد محمد صلاح أن الطيران بدأ التحليق وعمليات المسح الجوي منذ يوم 15 بالتزامن مع انسحاب بالكامل للجيش السوداني والقوات المشتركة قبل أن تبدأ عمليات القصف على يومين متتالين صباح 16 يونيو الجاري.

وفي سياق متصل نقل عن مسؤول حكومي لـ(عاين) أن منطقة العقيدات داخل الحدود السوداني والتي شهدت قصفا للطيران تعد مربعاً تعدينياً تابعاً لشركة ذات شراكة بين رجل أعمال مصري وسوداني مع الإشارة إلى أن نشاطاً تعدينياً قانونياً كان قائماً في الموقع.

عمليات تعدين الذهب في شمال السودان

يرى الخبير الاقتصادي أحمد عبيد في مقابلة مع (عاين)، أن مناطق التعدين في أقصى شمال السودان اكتسبت أهمية استثنائية خلال سنوات الحرب، بعدما تحولت إلى أحد أبرز مصادر الدخل لعشرات الآلاف من الأسر السودانية. ويقول: إن “الذهب لم يعد مجرد مورد اقتصادي، بل أصبح بالنسبة لكثير من السودانيين اقتصاد بقاء في ظل انهيار قطاعات الإنتاج التقليدية وتعطل الأنشطة الزراعية والصناعية والخدمية”.

ويشير عبيد، إلى أن الحرب دفعت أعداداً كبيرة من الشباب إلى التوجه نحو التعدين الأهلي، باعتباره النشاط الذي لا يتطلب رأس مال كبيراً مقارنة بغيره من القطاعات، الأمر الذي جعله الملاذ الأخير لكثير من الأسر التي فقدت مصادر دخلها.

وبشأن الأهمية الاقتصادية للمنطقة، يوضح أن أي جهة تفرض سيطرتها على مناطق إنتاج الذهب تتحكم عملياً في جزء مهم من سلسلة القيمة، بدءاً من استخراج الخام مروراً بنقله ووصولاً إلى بيعه، وهو ما يمنح هذه المناطق أهمية استراتيجية للدولة، وللشركات صاحبة الامتيازات، وكذلك لشبكات التهريب العابرة للحدود.

ويلفت عبيد إلى أن التنافس بين التعدين الأهلي والشركات الحاصلة على امتيازات رسمية ليس ظاهرة سودانية فحسب، وإنما يتكرر في عدد من الدول الأفريقية، حيث يعمل الطرفان أحياناً داخل الرقعة الجغرافية نفسها، ما يخلق احتكاكات وصراعات متكررة حول حق الاستغلال.

وفيما يتعلق بالفرضيات التي تربط الأحداث الأخيرة بمصالح استثمارية، يؤكد عبيد أنه لا يمكن الجزم بوجود علاقة مباشرة في الوقت الراهن، مشدداً على أن وجود شركات تعدين أو امتيازات استثمارية في المنطقة لا يكفي وحده لإثبات أن العمليات العسكرية نُفذت لخدمة تلك المصالح. ويرى أن إثبات مثل هذه الفرضية يتطلب أدلة ووثائق رسمية، تشمل عقود الامتياز، وخرائط المربعات التعدينية، وتسلسلاً زمنياً يربط بين القرارات الاستثمارية والعمليات العسكرية.

وينصح الخبير الاقتصادي الصحفيين والباحثين بالتركيز على جمع الوثائق الأساسية، مثل خرائط الامتيازات التعدينية، وسجلات الشركات المالكة، والعقود الموقعة، وبيانات الإنتاج، وصور الأقمار الصناعية قبل الحادثة وبعدها، إضافة إلى أي قرارات حكومية صدرت بشأن المنطقة خلال الأشهر الأخيرة، معتبراً أن هذه الوثائق هي التي يمكن أن تنقل التحقيق من مستوى الفرضيات إلى مستوى الأدلة القابلة للتحقق.

ماذا يقول القانون؟

ترى المحامية المتخصصة في القانون الدولي، د. سارة عبد الرحمن، في حديثها لـ(عاين) أن التكييف القانوني للحادثة يتوقف أولاً على تحديد موقع القصف بصورة قاطعة. وتوضح أنه إذا ثبت أن الضربات وقعت داخل الأراضي السودانية، ولم تكن هناك موافقة معلنة أو قانونية من الحكومة السودانية، فإن ذلك “قد يشكل انتهاكاً لمبدأ سيادة الدول” المنصوص عليه في المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة.

وتؤكد سارة، أن الوصول إلى هذا الاستنتاج لا يمكن أن يستند إلى شهادات الناجين وحدها، على أهميتها، وإنما يتطلب حزمة متكاملة من الأدلة، تشمل تحديداً جغرافياً دقيقاً لمواقع القصف باستخدام صور الأقمار الصناعية، وتحليل بقايا الذخائر والمقذوفات، وسجلات الرادار أو حركة الطيران إن توفرت، إلى جانب شهادات متقاطعة من ناجين وفرق الإنقاذ ووثائق رسمية.

وتشير إلى أن المعدنين الأهليين، إذا ثبت أنهم مدنيون غير مشاركين في أعمال قتالية، يتمتعون بالحماية بموجب القانون الدولي الإنساني، موضحة أن استهدافهم بصورة مباشرة أو عشوائية قد يثير مسؤولية قانونية دولية، وفق ما تسفر عنه التحقيقات والأدلة.

وتضيف أن القانون الدولي يتيح المطالبة بفتح تحقيق مستقل إذا توافرت مؤشرات جدية على وقوع انتهاكات، لكنها تلفت إلى أن مباشرة مثل هذه التحقيقات لا تخضع للاعتبارات القانونية وحدها، بل تتأثر أيضاً بالإرادة السياسية للدول والآليات الدولية المتاحة.

وفي ما يتعلق بالحديث عن احتمال وجود تنسيق أمني بين الخرطوم والقاهرة، تقول سارة إن ثبوت مثل هذا التنسيق قد يغيّر التكييف القانوني لمسألة انتهاك السيادة، لأن موافقة الدولة المضيفة تؤثر في تقييم مشروعية استخدام القوة بين الدول. لكنها تؤكد أن ذلك “لا يعفي أي طرف من التزامه بحماية المدنيين”، ولا يحول دون مساءلته إذا أثبتت التحقيقات وقوع انتهاكات للقانون الدولي الإنساني أثناء تنفيذ العملية.

صمت رسمي وأسئلة معلقة

حتى الآن، لم تصدر السلطات المصرية بياناً يوضح ما إذا كانت قد نفذت عمليات عسكرية في المنطقة، بينما لم تصدر الحكومة السودانية رواية تفصيلية تفسر ما جرى أو تحدد المسؤولية بصورة رسمية.

بينما لا يزال الذهب يجذب الباحثين عن النجاة، في الصحراء الممتدة على تخوم السودان ومصر، لكنه بات يجذب أيضاً أسئلة أكبر من المعدن نفسه: من يملك الأرض؟ ومن يملك الذهب؟ ومن يدفع الثمن عندما يتحول النزاع على الثروة إلى مواجهة مفتوحة؟

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *