من يُعيق سلاسل إمداد الدواء في السودان؟
عاين- 15 يونيو 2026
داخل مستودع دواء بإحدى المدن السودانية، وتحت سقف معدني تتجاوز حرارته 40 درجة مئوية، تقبع كراتين ضخمة تحتوي على محاليل وريدية وأدوية منقذة للحياة تحمل شعارات منظمات دولية بارزة. هذه الصناديق التي كان من المفترض أن تسابق الزمن لإنقاذ المرضى تظل رهن الاحتجاز الإداري لأسابيع طويلة بسبب البيروقراطية الحكومية، والصراعات اللوجستية، واقتصاد الحرب الذي يتربح من سموم الأدوية المغشوشة والمهربة عبر الحدود.
ووفقا لشهادات جمعتها (عاين) من قطاع الإمداد الطبي، وإفادات أطباء وصيادلة ميدانيين، ووثائق رسمية ومراسلات خاصة، تكشف هذه الشهادات عن تعطل متعمد لسلسلة الإمداد الدوائي في السودان منذ اندلاع حرب منتصف أبريل 2023. إلى جانب التناقض الصارخ بين الروايات الحكومية التي تتحدث عن وفرة واحتواء الأوبئة، وبين واقع طبي يقتل فيه الدواء الفاسد من نجا من جحيم المقذوفات العشوائية.
الإمداد الدوائي
وبينما يعزو الخطاب الرسمي لوزارة الصحة الاتحادية في الحكومة الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني، شلل النظام الصحي إلى استهداف المنشآت الطبية من قبل قوات الدعم السريع ونهب المخازن المركزية في الخرطوم والجزيرة. لكن “أحمد” (اسم مستعار)، وهو موظف سابق عمل لسنوات في قطاع الإمداد الدوائي والصندوق القومي للإمدادات الطبية، يزيح الستار عن واقع إداري مغيب داخل مستودعات الدواء.
ويقول لـ(عاين):”إن تعطل رحلة الدواء يحدث في كثير من الأحيان داخل المخازن الحكومية نفسها قبل أن يخرج إلى الطرقات الوعرة. الأزمة تجمع بين شح الإمدادات في بعض الأحيان، وضعف التوزيع الشديد في أحيان أخرى. ضعف الإدارة، ونقص الكوادر المؤهلة، وتعيين أشخاص غير مختصين في المواقع المفصلية، ساهم بشكل مباشر في إبطاء حركة توزيع الإمدادات الطبية الحيوية”.
ويضيف أحمد: أن “بعض الأدوية النوعية تصل بالفعل إلى المستودعات المؤقتة في الميناء الرئيسي، لكنها تظل مكدسة لفترات طويلة بسبب البيروقراطية وغياب الرقابة الفنية، بينما تفتقر تلك المخازن إلى الأيدي العاملة المدربة ووسائل النقل المبردة وصعوبة الحصول على الوقود اللازم لتشغيل المولدات البديلة”.
ووفقا لـ أحمد، فإن “هذا التباطؤ الإداري الداخلي يكشف زيف التقارير الإحصائية الرسمية التي تصدرها وزارة الصحة والمنظمات الشريكة”. ويقول: “التقارير الرسمية تستند دائماً إلى كميات الإمدادات الطبية الواردة من الخارج وحجم المخزون المتبقي في الدفاتر الإدارية، لكنها تتجنب الإفصاح عن حجم الكميات الفعلي التي وصلت في النهاية إلى أيدي المرضى والمرافق الصحية في الولايات النائية”.

تذهب أخصائية الصحة العامة منى محمد أحمد في ذات الاتجاه وتقول: إن “الأزمة الصحية في السودان لم تعد مرتبطة فقط بنقص الموارد، بل بفشل منظومة إيصالها إلى المحتاجين في الوقت المناسب”. وترى منى في مقابلة مع (عاين)، أن الحرب أدت إلى تفكيك أجزاء واسعة من نظام الاستجابة الصحية، بدءاً من الترصد الوبائي ووصولاً إلى سلاسل الإمداد الدوائي، ما جعل التدخلات الطبية تصل في كثير من الأحيان بعد انتشار المرض وارتفاع الوفيات.
وتشير إلى أن تفشي الكوليرا في غرب كردفان يعكس هذه المشكلة بوضوح، موضحة أن علاج المرض يعتمد أساساً على توفر المحاليل الوريدية وأملاح الإرواء والمضادات الحيوية، وهي مستلزمات يمكن أن تمنع معظم الوفيات إذا وصلت إلى المرافق الصحية في الوقت المناسب.
وتضيف أن بعض الأدوية والمساعدات الطبية تصل بالفعل إلى البلاد عبر شحنات إنسانية، لكن المشكلة تكمن في تعثر نقلها وتوزيعها على المناطق المتأثرة بالحرب والأوبئة، ما يخلق فجوة بين ما هو متوفر في المخازن والسجلات الرسمية وما هو متاح فعلياً للمرضى.
رغم وجود حكومتين تتنافسان على إدارة الشأن العام، فإن أياً منهما لم ينجح في بناء مسارات فعالة تضمن وصول الأدوية والمساعدات الطبية إلى المحتاجين
أخصائية صحة عامة
تنتقد منى، أداء السلطات في مناطق سيطرة طرفي الحرب، قائلة إن وجود حكومتين وسلطتين متنافستين لم ينعكس في تحسين وصول الخدمات الصحية أو حماية المرضى، رغم استمرار تدفق جزء من المساعدات الإنسانية والإمدادات الطبية إلى البلاد.
وتؤكد أن المؤشر الأكثر دلالة على عمق الأزمة ليس عدد الإصابات المعلنة، بل معدلات الوفيات، خاصة وسط الأطفال دون سن الخامسة في مناطق النزوح والحرب، باعتبارها تعكس بصورة مباشرة إثر تعطل الخدمات الصحية وتأخر وصول الأدوية والعلاج.
فوضى الدواء: سموم تباع في أسواق الظل
وفي ظل هذا التعثر في توصيل الإمداد الدوائي عبر القنوات الرسمية في مناطق سيطرة الطرفين لجأ المتعاملون في سوق الدواء إلى خلق بدائل عبر التهريب. ويقول الصيدلي عمار آدم، العامل بمدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، إن “سوق الدواء في المدينة أصبح يعتمد بصورة كبيرة على الأدوية القادمة عبر قنوات غير رسمية منذ اندلاع الحرب”.
الدواء المُهرَّب أصبح يشكل المصدر الرئيسي لتغطية احتياجات السوق المحلية بمدينة نيالا في ظل تعطل سلاسل الإمداد الرسمية
صيدلي بمدينة نيالا
“الأدوية المتداولة والمتاحة للمرضى في نيالا تأتي في معظمها من مصادر تجارية خارج منظومة الإمداد الحكومية المعتادة، والدواء المُهرَّب أصبح يشكل المصدر الرئيسي لتغطية احتياجات السوق المحلية في ظل تعطل سلاسل الإمداد الرسمية”. يقول عمار في مقابلة مع (عاين)، ويشير إلى أنه ومنذ بداية الحرب في أبريل 2023، لم يشاهد وصول أدوية مقدمة عبر المنظمات الإنسانية إلى المنطقة التي يعمل بها، الأمر الذي جعل المواطنين ومقدمي الخدمات الصحية يعتمدون على ما يتوفر في الأسواق التجارية لتلبية الاحتياجات العلاجية.
ويرى عمار، أن استمرار هذا الوضع يعكس حجم التحديات التي تواجه وصول الإمدادات الدوائية إلى مناطق النزاع، ويثير تساؤلات حول قدرة سلاسل الإمداد الإنسانية والرسمية على تغطية الاحتياجات الصحية المتزايدة للسكان في الولايات المتأثرة بالحرب.
وقد مَثّل تفشي الكوليرا في ولاية غرب كردفان خلال مايو 2026 نموذجاً عملياً لنتائج تعطل سلسلة الإمداد الطبي. فبينما كانت الجهات الصحية تعلن نجاحها في احتواء الوباء قبل أسابيع قليلة، كانت مناطق معزولة في محلية النهود تواجه نقصاً حاداً في المحاليل الوريدية وأملاح الإرواء والمستهلكات الطبية الأساسية اللازمة لعلاج المصابين.
وبحسب معطيات ميدانية حصلت عليها (عاين)، بدأت الإصابات في منطقة “فوغا” قبل أن تمتد إلى مناطق التعدين الأهلي “منجم الرقيق”.والقرى المجاورة، في وقت اشتكى فيه العاملون بالميدان من صعوبة وصول الإمدادات الطبية والكوادر المتخصصة إلى بؤر التفشي.

ورغم إعلان وزارة الصحة تسجيل 308 إصابات و77 وفاة في غرب كردفان حتى مطلع يونيو، تشير إفادات متطوعين محليين إلى أن منطقة “فوغا” وحدها سجلت مئات الإصابات وعشرات الوفيات خلال فترة قصيرة، وسط نقص حاد في وسائل العلاج الأساسية.
ولا تكمن دلالة هذه الأرقام في حجم التفشي فقط، بل في ما تكشفه عن الفجوة بين توفر الإمدادات على مستوى النظام الصحي وبين وصولها الفعلي إلى المناطق المتأثرة. ففي مرض مثل الكوليرا، الذي يمكن خفض وفياته إلى مستويات متدنية عند توفير العلاج في الوقت المناسب – حسب أخصائية الصحة العامة، منى محمد أحمد- والتي تشير أيضا إلى أن غياب المحاليل الوريدية وأملاح الإرواء يصبح مؤشراً على تعطل حلقة حاسمة في سلسلة الإمداد، لا على نقص الدواء في البلاد بالضرورة.
خطوط التهريب
وفي ظل الشلل التام لعمل المصانع المحلية الـ 27 التي كانت تغطي 30% من الاحتياجات قبل الحرب، تلاشت الرقابة الدوائية الرسمية بالكامل. ووفقاً للبيانات الميدانية، فقد غمرت السوق السودانية أصنافاً دوائية مجهولة المصدر والتركيب.
وتقول الصيدلانية “هيام” (اسم مستعار)، العاملة في مدينة عطبرة بولاية نهر النيل لـ(عاين):”مع توقف كبار المستوردين المرخصين، نشأت شبكة تهريب منظمة وشرسة عبر الحدود المصرية والجنوب سودانية والتشادية باتت هي الممول الفعلي للدواء في السودان.. الرقابة غائبة تماماً، والصيادلة تحولوا إلى ضحايا للمهربين، حيث يضطرون لبيع أدوية مجهولة المكونات لغياب البديل الرسمي”.

وتشير الصيدلانية إلى أن الخطورة الفاتكة لهذه العقاقير المهربة عبر الحدود لا تقتصر على جهالة مصدرها، بل في ظروف نقلها وتخزينها الكارثية؛ إذ تُنقل في شاحنات غير مبردة وحاويات حديدية تحت أشعة شمس الصحراء التي تتجاوز 45. وتؤكد الصيدلانية أن هذه الحرارة كفيلة بإحداث تحلل كيميائي كامل للمواد الفعالة في الأدوية الحيوية كالمضادات الحيوية الوريدية والإنسولين وهرمونات الغدة الدرقية، مما يحولها إلى مواد ميتة أو سموم فتاكة تتسبب في فشل كبدي وكلوي وتسمم دموي حاد للمرضى. وتضيف: “أخشى أن ينطبق هذا حتى على الأدوية المسجلة التي تستوردها الإمدادات الطبية الآن”
المشكلة الكبرى لا تكمن فقط في حجم تلف الأدوية المهربة أو منتهية الصلاحية الموجودة في الأسواق، بل في استحالة إثبات هذا التلف وصعوبة اكتشافه في ظل غياب كامل للمختبرات والمعامل الجنائية والتحليلية المتخصصة في الولايات
موظف سابق بالإمدادات الطبية
ويعزز الموظف السابق بالإمداد الدوائي “أحمد” هذه المخاوف بالإشارة إلى فجوة تقنية ويقول لـ(عاين):”المشكلة الكبرى لا تكمن فقط في حجم تلف الأدوية المهربة أو منتهية الصلاحية الموجودة في الأسواق، بل في استحالة إثبات هذا التلف وصعوبة اكتشافه في ظل غياب كامل للمختبرات والمعامل الجنائية والتحليلية المتخصصة في الولايات، مما يحرم الكوادر الطبية من القدرة على التحقق من سلامة الأدوية قبل صرفها للمواطنين”.
بيروقراطية تخنق ما تبقى من حياة
رغم إعلان الصندوق القومي للإمدادات الطبية توفير أغلب أدوية غسيل الكلى والسرطان، تكشف رسائل جمركية وإدارية حصلت عليها (عاين) عن اختناقات لوجستية متعمدة يفرضها الجانب الحكومي في ميناء بورتسودان.
ففي نوفمبر 2025، أصدرت مصلحة الجمارك السودانية قراراً إلزامياً بتطبيق نظام الإقرار الجمركي المسبق للشحنات (ACD) ليدخل حيز التنفيذ الفعلي في 1 يناير 2026. وبموجب هذا النظام البيروقراطي المعقد، باتت منظمات الإغاثة الدولية والوكالات التجارية ملزمة بتحميل كافة وثائق الشحنات الطبية وفواتيرها وقوائم التعبئة التفصيلية وتواريخ صلاحيتها على منصة إلكترونية قبل تحرك السفن من موانئ المنشأ.
ويتسبب هذا النظام في تأخير تخليص الشحنات الطبية بالميناء لفترات تتراوح بين 10 إلى 15 يوماً، نظراً للاشتراطات الفحصية الفيزيائية المعقدة التي تفرضها الهيئة العامة للمواصفات والمقاييس والمجلس القومي للأدوية والسموم. وخلال فترة الانتظار الطويلة هذه في الميناء الساحلي المفتقر للمستودعات المبردة الكافية، تتعرض سلاسل اللقاحات والأدوية الحساسة للتلف التدريجي بفعل الرطوبة العالية والحرارة.
ولاستيضاح حقيقة هذه التعطيلات، حاولت (عاين) التواصل مع رئيس المجلس القومي للأدوية والسموم عبر البريد الإلكتروني الرسمي، مستفسرة عن المسؤولية المباشرة للمجلس في تأخير شحنات الإغاثة من خلال البيروقراطية الجمركية وتسهيل انتشار الأدوية التالفة. غير أن المجلس التزم بالصمت التام، ولم يرسل أي تعقيب.
جدار الصمت حول الكارثة
تواصلت (عاين) مع رئيس وحدة الصندوق العالمي بوزارة الصحة الاتحادية، د. أسامة محمد الحسن، لاستفساره حول تهم الفساد وتسرب أدوية الصندوق العالمي والفوضى الإدارية التي تعوق توزيع الأدوية داخل المستودعات. لكنه اختار الصمت المطبق وعدم الإجابة على أي من الأسئلة الموجهة إليه.
يضع هذا التهرب الجماعي من الرد -من قِبل المنظمين والمسؤولين والشركات- علامة استفهام كبرى حول شبكة المصالح الاقتصادية غير المشروعة التي نشأت وترعرعت على أنقاض المنظومة الدوائية الرسمية.




















