المنشقون من الدعم السريع.. مهام غامضة مع الجيش السوداني

عاين- 28 مايو 2026

بعد وصوله إلى مناطق سيطرة الجيش السوداني، بدأ القائد المنشق عن قوات الدعم السريع، النور أحمد آدم “القبة”، يتلمس خطاه في دروب العمل السياسي، بعد عقده سلسلة لقاءات مع قادة متحالفين مع الجيش، مرتدياً جلباباً مدنياً. بينما ردد المنشق الآخر، علي رزق الله المعروف بـ”السافنا”، في لقاءاته الصحفية المتعددة، دعوته إلى وقف الحرب التي ألحقت الخسائر بالجميع، على حد قوله.

يأتي ذلك في وقت تُطرح فيه الأسئلة حول مستقبل هؤلاء المنشقين من قوات الدعم السريع مع الجيش السوداني، والمهام التي تنتظرهم خلال المرحلة المقبلة، حيث يتوقع أن تنحصر المهام المحتملة للمنشقين حول أدوار عسكرية واستخباراتية وسياسية ونفسية، وفق إفادات مصادر متعددة لـ(عاين).

قوة عسكرية

توقع مقربون من القادة المنشقين من قوات الدعم السريع أن يؤسس هؤلاء قوة عسكرية منفصلة عن الجيش، على نسق إنشاء قوات الدعم السريع في وقت سابق، وذلك للقيام بمهام أكبر من الذهاب إلى مناطق العمليات العسكرية في كردفان ودارفور والنيل الأزرق، وفق إفادات لـ(عاين).

يقول مصدر قريب من السافنا إن الرجل، وقبله النور قبة، انشقا من قوات الدعم السريع وفق ترتيبات داخلية وخارجية، تسعى لتجهيز قوة عسكرية تابعة لقائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان، من بين أهدافها تحجيم نفوذ الإسلاميين وعزلهم، خصوصاً بعد تصنيفهم من قبل الولايات المتحدة الأمريكية “جماعة إرهابية”.

وحسب المصدر الذي تحدث لـ(عاين)، فإن الحركة الإسلامية استبقت التوجه الإقليمي والدولي ضدها بعقد اتفاق مع مجموعة القوة المشتركة، لمناهضة أي خطوات تقارب بين الجيش وقوات الدعم السريع، أو أي خطوات تهدف لإبعادهم من المشهد، بحسب قوله.

ومنذ سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر في أكتوبر 2025، صعّدت القوة المشتركة المتحالفة مع الجيش، خصوصاً حركة العدل والمساواة، لهجة الرفض للتفاوض بشأن وقف الحرب. ومنذ ذلك الوقت، ارتدى رئيس الحركة ووزير المالية جبريل إبراهيم الزي العسكري، ورفض خلعه حتى اليوم، حيث ظل يظهر به خلال الاجتماعات الرسمية للدولة والمناسبات المختلفة، في إشارة إلى استمرار الحرب.

وخلال الأيام الماضية، أعلنت فصائل عسكرية وسياسية، منها “جبهة نسور الشرق” بقيادة اللواء محمد طاهر أوقدف، التي تعمل تحت إشراف القيادي الأهلي محمد الأمين ترك، انضمامها لحركة العدل والمساواة. كما انضمت إليها أيضاً الحركة الشعبية – منصة التأسيس. كذلك أعلنت الحركة تخريج الدفعة الأولى من الكوادر النسائية “طبيبات وفنيات وإداريات ومختلف التخصصات” في مدينة حلفا الجديدة. وتلك أنشطة يراها المصدر تأتي ضمن “المصير المشترك” بين الحركة الإسلامية والقوة المشتركة.

وأضاف المصدر، أن قوى إقليمية تريد أن تشكل قوة عسكرية مشابهة لقوات الدعم السريع، ومن نفس المجموعات الاجتماعية، للقيام بأدوار مشابهة لما كانت تقوم به قوات الدعم السريع على عهد الرئيس السابق عمر البشير. وأشار إلى أن النور قبة والسافنا، وقبلهم أبو عاقلة كيكل، ليست لديهم ارتباطات أيديولوجية، ومن الممكن أن يدعموا التوجه الدولي لإبعاد الحركة الإسلامية من المشهد.

وأشار المصدر، إلى أن السافنا، بعد وصوله إلى مناطق الجيش، تحدث من خلال ظهوره الإعلامي بلغة تطغى عليها الندية أكثر من التبعية، ما قد يخلق له خلافات مع الجيش السوداني في المستقبل.

مقاتلون جدد

وحول قدرة السافنا على استقطاب مقاتلين من مجتمعه، استبعد المصدر ذلك، لجهة أن الرجل انشق وحده، ورفضت حتى مجموعته التي كان يقودها الذهاب معه، بسبب الموقف الذي أصبح مصيرياً لدى مجتمعات عديدة من الجيش السوداني، وفق قوله.

وكان السافنا قد جاء إلى الخرطوم قادماً من دولة الهند التي كان يتلقى فيها العلاج، حسب قوله. وقد خرج وحده من دارفور بعد أن ترك قواته في منطقة كردفان، ليتواصل مع قادتها لاحقاً طالباً منهم اللحاق به، إلا أنهم رفضوا ذلك، كما يقول المصدر.

وحسب ذات المصدر، فإن السافنا حاول استدراج قوته وتسليمها إلى الجيش من خلال إصدار تعليمات لها بالتقدم نحو الأبيض، بيد أن قوات الدعم السريع كشفت الخطة، وأخبرت مجموعته بالمخطط، الأمر الذي جعل قادتها يرفضون التحرك تجاه الأبيض.

كما يظهر ذلك من خلال محادثة بين السافنا وأحد قادة مجموعته يُدعى سليمان، تم نشرها خلال الأيام الماضية، حاول السافنا خلالها أن يُقنع الطرف الآخر بضرورة الالتحاق به، إلا أن الأخير رفض ذلك، وبدا له الأمر كأنه من العيوب الكبرى التي لا يمكن أن يُقدم عليها.

ونشرت (عاين) في وقت سابق أن قوات السافنا قد غادرت كردفان، وعادت إلى مدينة نيالا، بعد أن تكشف لها ذهاب قائدها إلى الجيش.

“الأمر نفسه ينطبق على النور قبة، فهو الآخر حظوظه ضعيفة في استقطاب مقاتلين جدد من مكونه الاجتماعي، رغم أنه كان قد ذهب برفقة بعض الجنود، لكن يمكنهما تجنيد أبناء المنطقة الذين يتواجدون في مناطق الجيش، وهم ليسوا قليلين”، يقول المصدر.

ذهاب المنشقين إلى جبهات القتال مع الجيش خلال الفترة المقبلة لا يبدو واضحاً، لأنهم لم يتحدثوا عن رغبتهم في ذلك، بل ذهبوا مباشرة إلى العمل المدني، وباتوا منشغلين بترتيب أوضاعهم الداخلية

محمد خليفة، محلل سياسي

يقلل المحلل السياسي محمد خليفة من حجم المهام التي يمكن أن يقوم بها المنشقون من قوات الدعم السريع خلال الفترة المقبلة. ويقول: “المنشقون خرجوا نتيجة مشاكل خاصة متعلقة بالتهميش وشعورهم بأنه لا مستقبل لهم في قوات الدعم السريع”. وأضاف خليفة لـ(عاين) أن “ذهاب المنشقين إلى جبهات القتال مع الجيش خلال الفترة المقبلة لا يبدو واضحاً، لأنهم لم يتحدثوا عن رغبتهم في ذلك، بل ذهبوا مباشرة إلى العمل المدني، وجلسوا في منازلهم، وباتوا منشغلين بترتيب أوضاعهم الداخلية”.

والأسبوع الماضي، تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي صورة يظهر فيها اللواء المنشق النور قبة برفقة آخرين، وهم يزورون ملعب المريخ بأم درمان. وحسب ما هو متداول، فإن القبة وقف خلال الزيارة على حجم الأضرار والنواقص المطلوبة لإعادة التأهيل، إضافة إلى خطة العمل المقترحة الخاصة بأعمال الصيانة وإعادة تأهيل الملعب الرئيسي والنادي والمنشآت الملحقة والملعب الرديف.

خطوة النور قبة أعادت للأذهان ما كان يقوم به قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو في العهد السابق قبل اندلاع الحرب.

وتوقع المحلل السياسي محمد خليفة أن يلجأ المنشقون من قوات الدعم السريع إلى العمل السياسي خلال الفترة المقبلة، مبيناً أنهم لن يكون لهم دور عسكري كبير إلا في جانب المعلومات. وأضاف: “إذا شكل المنشقون قوة مستقلة، يمكن أن يكونوا ترياقاً مضاداً للإسلاميين ونفوذهم، أما إذا ظلوا كما هم، فلن يكون لهم أثر”.

للمنشقين من قوات الدعم السريع حسابات خاصة، ولا يبدو الأمر بالبساطة التي تسمح بإمكانية انخراطهم مباشرة في العمليات العسكرية بكردفان أو دارفور.

رجاء شوكت، محللة سياسية

وقريباً من ذلك استبعدت المحللة السياسية رجاء شوكت، وهي باحثة سابقة في مركز الدراسات الأفريقية بجامعة إفريقيا العالمية، أن يضع المنشقون من قوات الدعم السريع قواتهم مباشرة تحت تصرف الجيش السوداني دون ترتيبات أمنية محكمة، وفق قولها.

“في تقديري أن للمنشقين من قوات الدعم السريع حسابات خاصة، ولا يبدو الأمر بالبساطة التي تسمح بإمكانية انخراطهم مباشرة في العمليات العسكرية بكردفان أو دارفور”، تقول شوكت لـ(عاين). وتضيف: “على الأرجح أن انشقاقهم جاء نتيجة جهود استخباراتية ممتدة، مقرونة بتقديرات تتصل بمستقبل جنودهم. لذلك، لا أرجح أن يكون من أهدافهم وضع قواتهم تحت تبعية مباشرة للجيش دون ترتيبات أو مصفوفات أمنية محكمة”.

واعتبرت أن الحديث عن استخدام المنشقين عن قوات الدعم السريع كقوة لقطع الطريق أمام عودة النظام السابق، ينطوي على قدر من المبالغة في تقدير دور هذه القوات وإمكاناتها على أرض الواقع.

تحت إمرة الجيش

من جهة أخرى، استبعد الخبير العسكري اللواء معاش معتصم عبدالقادر أن يعمل المنشقون من قوات الدعم السريع بصورة منفصلة عن الجيش، كما استبعد أن يتسببوا في إثارة أي خلافات وسط معسكر الجيش السوداني.

وقال عبدالقادر لـ(عاين): إن “المنشقين سيقاتلون بقواتهم مع الجيش، وسيكونون تحت إمرة هيئة الأركان مباشرة في مناطق العمليات العسكرية، مشيراً إلى أن تاريخ قتال القوات المساندة مع الجيش قديم، حيث تعمل جميع التشكيلات في مسارح العمليات تحت إمرة ضابط يتم تعيينه من قبل هيئة أركان الجيش. وأضاف: “لم يحدث أن قاتلت قوة مع الجيش بصورة منفصلة على مستوى الخطط والتحركات الميدانية، هذه محسومة، لا مجال لأي قوة أن تمارس مهامها خارج إمرة الجيش”.

قائد الجيش السوداني بقاعدة جبيت العسكرية قبل سقوط مسيرة في المكان- 31 يوليو 2024

“ما يراه الناس ظاهرياً من تعدد المليشيات المسلحة يبدو ذلك على المستوى الإعلامي فقط، لكن على المستوى الميداني، فإن هيئة أركان الجيش هي المسؤولة عن تحركات جميع هذه القوات”، يقول عبدالقادر.

واعتبر أن ما يحدث من تفلتات من بعض القوة العسكرية هي حوادث فردية ظلت موجودة داخل الأجهزة النظامية، ويتم ضبطها عبر محاكم خاصة، متهماً قوى سياسية بإثارة تفلتات الأفراد النظاميين للتأثير في الجيش السوداني.وذكر أن الانشقاقات من قوات الدعم السريع تأتي نتيجة عمل استخباراتي من الجيش، موضحاً أن المنشقين سيساعدون بالمعلومات في ضرب صفوف الدعم السريع وزيادة الانشقاقات.

حرب نفسية

في المقابل، يرى خبير عسكري رفض ذكر اسمه أن المهمة الرئيسية للمنشقين من قوات الدعم السريع هي الحرب النفسية التي يريد الجيش أن يمارسها ضد القوات التي تقاتله. وأشار إلى أن الظهور الإعلامي المكثف للمنشقين خلال الفترة الماضية يأتي ضمن هذه الحرب النفسية ومحاولة استقطاب آخرين، لجهة أنه “ميدانياً قواتهم ليست كبيرة ولا مؤثرة، وبالتحديد السافنا ليس له قوات من الأصل؛ لأنه انشق وحده”، حسب قوله.

وتوقع الخبير العسكري، في قوله لـ(عاين)، أن تنشأ أزمة ثقة بين المنشقين من والجيش، خصوصاً على مستوى القيادة الوسيطة والدنيا، مضيفاً أن “المنشقين غادروا صفوف الدعم السريع بسبب التهميش، فلن يقبلوا الوضع نفسه مع الجيش، وإنما يسعون لأن تكون لهم مكانة وقيادة”.

بدوره، يقول المحلل السياسي محمد الرضي إن المنشقين سيستمرون في مهمة تمليك الرأي العام الحقائق حول ما يدور داخل أروقة قوات الدعم السريع، قبل أن يقودوا المتحركات العسكرية لمواجهتها على الأرض، خصوصاً أنهم أدرى بعقلية الخصم والأعرف بطريقة تفكيره وعتاده العسكري وخططه الميدانية. وتوقع الرضي في مقابلة (عاين) أن يشكل المنشقون قوة منفصلة، لكنها تحت قيادة الجيش، في وقت استبعد فيه أن تعمل قوتهم ضد الإسلاميين، لأن ليست لهم تصنيفات أيديولوجية وفكرية، حسب قوله.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *