مخيمات “أصوصا” الإثيوبية: لاجئون سودانيون في مواجهة الجوع الأوبئة

عاين- 12 مايو 2026 

يواجه آلاف اللاجئين السودانيين في مخيمات إقليم “بني شنقول” الإثيوبي أوضاعاً إنسانية وصحية وُصفت بـ “الكارثية”. ومع التفاقم الحاد في نقص الغذاء والدواء، تتصاعد التحذيرات من انزلاق الوضع إلى مأساة وجودية كبرى ما لم يتدخل المجتمع الدولي لانتشال الفارين من الحرب من دوامة الموت البطيء.

كشفت دراسة حديثة للمركز الإقليمي للتدريب وتنمية المجتمع المدني عن انهيار شبه كامل للمنظومة الخدمية في مخيمات الاجئين السودانيين أصوصا في إثيوبيا (شيركولي، تسوري، بمباسي)، التي تستضيف مع منطقة المتمة قرابة 68 ألف لاجئ سوداني . وتعيش هذه المخيمات حالة من “الانتظار المفتوح”؛ حيث يقبع بعض اللاجئين هناك منذ عام 1998 وسط انسداد كامل لآفاق إعادة التوطين.

ورصدت الدراسة نقصاً حاداً في الكوادر الطبية وفجوات غذائية تمتد لستة أشهر بين كل توزيع وآخر، مما فجّر احتجاجات وإضرابات عن الطعام. وبالتوازي مع التدهور المعيشي، تبرز المخاطر الأمنية كتهديد يومي، مع تصاعد جرائم الاختطاف لطلب الفدية والاعتداءات الجسدية من عصابات “الشفتة”، ما أدى إلى تفاقم الأزمات النفسية وحالات الانتحار، لا سيما بين الشباب والخريجين.

وفي حديثه لـ (عاين)، يوضح الناشط الاجتماعي في مخيمات “أصوصا”، يوسف أبوه، أبعاد هذه المعاناة قائلاً: “يُلاحظ في الفترة الأخيرة تفاقم تعقيدات الوضع الإنساني في المعسكرات، خاصة بعد التصعيد العسكري الذي شهدته المنطقة جراء الاقتتال المسلح في السودان. و

غابة من التهديدات

لا تتوقف المعاناة عند حدود الجوع، بل تمتد لتشمل غياب الأمان الشخصي؛ حيث يشير عثمان الحسين (اسم مستعار)، أحد اللاجئين السودانيين، إلى أن المخيم يواجه اختراقات أمنية من قبل عصابات إجرامية تحاول استغلال التجمعات في المعسكر كغطاء لأنشطة غير قانونية، مثل محاولة بيع مواشي مسروقة، مستغلين الطبيعة الجغرافية المفتوحة المحيطة بالمنطقة.

سودانيون لاجئون عالقون في منطقة نائية وغابية في بإثيوبيا- أرشيف
سودانيون لاجئون عالقون في منطقة نائية وغابية بإثيوبيا- أرشيف

ويكشف الحسين في مقابلة مع (عاين) عن تضاعف المخاطر الأمنية لتشمل استهداف اللاجئين خارج حدود المخيم، وتحديداً النساء أثناء خروجهن لجمع الحطب، حيث تعرضت ثلاث لاجئات سودانيات (حسنة موسى بابكر، سميرة فضل أتيم، وأمونة عبد الرحمن) للاختطاف والاعتداء الجسدي المبرح والضرب من قبل هذه المجموعات الفارة. كما أفاد بسماع دوي إطلاق نار كثيف في محيط المخيم صبيحة يوم 4 مايو، أعقب عملية إطلاق سراح المختطفات، مما أثار حالة من الذعر والهلع بين سكان المعسكر.

وصف الحسين الحالة العامة بأنها تفتقر للأمان، مشيراً إلى أن المجرمين يتحركون بحرية في المناطق الخلوية المتاخمة للمخيم، مما يجعل ممارسة أبسط الأنشطة المعيشية – مثل توفير الوقود الحيوي (الحطب) – محفوفة بمخاطر القتل أو الاختطاف، مشدداً على أن الوضع يتطلب تدخلاً عاجلاً لضبط الأمن في محيط  المعسكر، وتوفير حماية قانونية وجسدية للاجئين للحيلولة دون تكرار حوادث الاعتداء والترهيب المسلح.

حصار الجوع وإغلاق المعابر

يعود الناشط يوسف أبوه ليربط التدهور الأمني بالواقع الجيوسياسي، قائلاً: “بعد اندلاع المواجهات بين قوات الدعم السريع وقوات الحركة الشعبية من جهة، والجيش السوداني من جهة أخرى في إقليم النيل الأزرق، ازداد الوضع تعقيداً؛ حيث أُغلق معبر (الكرمك) الحدودي، مما فاقم الأزمة بشكل حاد وسط نقص كبير في الاحتياجات الأساسية، سواء في المواد الغذائية أو الأدوية المنقذة للحياة، فضلاً عن تراجع فرص التعليم. وقد عكس هذا الوضع فجوة متزايدة بين الأعداد المهولة للاجئين وبين الخدمات المتاحة التي باتت لا تغطي سوى 30% إلى 40% من الاحتياجات الفعلية”.

ويعزو يوسف ذلك إلى تقليص الحصص الغذائية في المعسكرات منذ ستة أشهر بسبب نقص التمويل؛ مما أدى إلى عجز غذائي واضح. كما أثرت الحرب الأخيرة في المناطق المجاورة بشكل كبير، مما أدى إلى زيادة تدفق اللاجئين، وبحسب قوله، فإن المساعدات المقدمة حالياً لا تتماشى مع هذا الحجم، ولا تسهم في سد الفجوة الغذائية والصحية المتزايدة، مما يجعل التدخل الإنساني حاجة ملحة وعاجلة.

وفي سياق متصل، تصف سوسن محمد (اسم مستعار)، وهي ناشطة في غرف الطوارئ الصحية، الوضع الصحي بأنه “متدهور للغاية منذ أكثر من عام، ويزداد سوءاً يوماً بعد يوم”. وأوضحت في حديثها لـ “عاين” أن المستشفيات الموجودة في المنطقة تواجه نقصاً حاداً في الإمكانات الأساسية، وتفتقر إلى الأجهزة والمعدات اللازمة لإجراء الفحوصات الطبية الضرورية.

وعن الأمراض المنتشرة، أشارت سوسن إلى تفشي الملاريا والالتهابات، محذرة من ظهور مرض يُعرف محلياً بـ “الموجرة”، وقالت: “هذا المرض فتاك للغاية؛ إذ يبدأ تأثيره على الأطراف، وقد يصل إلى مراحل متأخرة تتطلب البتر إذا وصلت العدوى إلى العظام. وللأسف، لا يشعر المريض بألم في بداية الإصابة، مما يؤخر طلب العلاج”. وأضافت أن هذا الداء معروف لدى سكان المنطقة في إثيوبيا، ويتطلب وعياً وحذراً شديدين؛ فإذا لم يُعالج الجزء المصاب فوراً، فإنه يتسبب في تآكل العظام، مما يجعله المهدد الأكبر لحياة وصحة اللاجئين حالياً.

كما أوضحت أن قدرة المنظمات الصحية التشغيلية انخفضت ملحوظاً نتيجة تداعيات تقليص التمويل العالمي، بالتزامن مع تزايد أعداد الفارين من إقليم النيل الأزرق، مما أدى إلى انحدار الأوضاع الصحية نحو الأسوأ. أما فيما يخص المناخ، فتشير سوسن إلى تحديات كبيرة في توفر المياه؛ إذ تعاني المصادر المتاحة من ارتفاع شديد في نسبة “الكلور” أو الملوحة، مما جعلها غير صالحة للشرب المباشر، وتضيف: “توقفتُ شخصياً عن شرب مياه المعسكر واضطررت لشراء المياه المعبأة، حيث يبلغ سعر العبوة الواحدة حوالي 100 بير إثيوبي (ما يعادل 2000 إلى 3000 جنيه سوداني تقريباً)”، وهو عبء اقتصادي يصعب على اللاجئ تحمله.

ويُؤكد هذا الوضع وجود نقص حاد في مياه الشرب النظيفة وانعدام لخدمات الصرف الصحي، وهو أمر يزداد سوءاً بفعل التضاريس الوعرة للمنطقة. ومع اقتراب فصل الخريف الذي يشهد أمطاراً غزيرة، فإن انعدام البنية التحتية والخيام الملائمة سيفاقم المعاناة بشكل كبير.

ضياع المستقبل 

وعلى صعيد التحديات الاجتماعية، يرى الباحث الاجتماعي مهند علي أن اللاجئين يواجهون أزمات اقتصادية متفاقمة؛ حيث ارتفعت تكاليف المواصلات بشكل قياسي، إذ بلغت تكلفة الرحلة من مدينة “أصوصا” إلى المعسكر نحو 2000 بير، وهو مبلغ باهظ يفوق القدرة الشرائية للاجئين.

ويشير مهند إلى أن الفئات الأكثر تضرراً هي كبار السن والنساء والأطفال، الذين يفتقرون للرعاية، وسط غياب تام لبرامج الدعم النفسي. وفيما يخص التعليم، لفت إلى وجود فجوة كبيرة؛ حيث يُضطر الطلاب لدراسة لغات محلية، بينما يتقاضى المعلمون المتطوعون السودانيون مبالغ رمزية لا تتجاوز 1000 بير شهرياً، وهو مبلغ لا يكفي لسد الرمق، محذراً من أن هذا الوضع أدى إلى “ضياع المستقبل التعليمي للأطفال”.

ويرى مهند أن الأوضاع في معسكرات “أصوصا” تضع المجتمع الدولي أمام تحدٍ قيمي وأخلاقي كبير، وحذر من أنه “إذا لم يتم تدارك هذا الوضع فوراً، ستتحول الأزمة إلى كارثة إنسانية كبرى تشكل عبئاً على اللاجئين والدولة المستضيفة معاً”. واختتم إفادته بمناشدة المجتمع الدولي، ومفوضية اللاجئين، والمنظمات الحقوقية، ضرورة التدخل الفوري عبر حلول ناجعة تهدف إلى تخفيف الضغط عن اللاجئين والمجتمع المضيف، قبل أن تفرز الأزمة احتكاكات اجتماعية بسبب التنافس على الموارد المحدودة.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *