بين (بورتسودان ونيالا).. مساعدات إنسانية عالقة وسط صراع الشرعية
عاين- 11 مايو 2026
تشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 33 مليون سوداني، بينهم ملايين الأشخاص في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، يحتاجون إلى مساعدات إنسانية عاجلة، ومع ذلك أصبحت هذه المساعدات اليوم على المحك بعدما تحول الملف الإنساني إلى ساحة صراع سياسي بين أطراف الحرب المتنافسة على شرعية منح تصاريح عمل المنظمات.
ويأتي ذلك بعد أن اشترطت حكومة تحالف “تأسيس” على المنظمات الإنسانية الدولية التسجيل لديها وافتتاح مقراتها من داخل مدينة نيالا للعمل في مناطق سيطرتها، وهو الأمر الذي رفضته الحكومة التابعة للجيش، والتي سارعت بدورها إلى استدعاء ممثلي المنظمات ومنسق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة، لتحذيرهم من مغبة التعامل مع كيانات موازية في السودان.
وقد وضعت هذه الخلافات العمل الإنساني ضمن أجندة الصراع السياسي والعسكري، وسط مخاوف من اتخاذ قرارات فعلية تقود إلى طرد المنظمات وحرمان ملايين السودانيين الذين يعتمدون عليها في الغذاء والدواء، وفق متطوعين تحدثوا لـ(عاين).
يقول الخبير في العمل الإنساني والأمين العام لمنتدى المنظمات السودانية، إسماعيل هجانة: إن “العمل الإنساني في جوهره يقوم على مبادئ الإنسانية والحياد وعدم التحيز والاستقلالية”. ويضيف لـ(عاين): أنه “من الناحية الإنسانية والمؤسسية، فإن أي قرار يؤدي إلى تقييد قدرة المنظمات على الوصول إلى المدنيين أو يفرض اصطفافاً سياسياً على العمل الإنساني، يخلق مخاطر كبيرة على ملايين المستفيدين، خاصة في بلد يعيش واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم”.
وبعد ثلاث سنوات من الصراع، يعيش آلاف المدنيين في مخيمات النزوح وداخل المدن بدارفور وكردفان بدون مصادر دخل، ويعتمدون فقط على المساعدات التي تقدمها بعض المنظمات الإنسانية، ومع ذلك أصبح عمل هذه المنظمات مهدداً بسبب الصراع على “السيادة والشرعية”، بعدما شكّل كل طرف سلطة مستقلة عن الآخر مدعياً تمثيله للسودان.
وخلال الأيام الماضية، أكمل تحالف “تأسيس”، الذي يضم قوات الدعم السريع والحركة الشعبية شمال وقوى عسكرية وسياسية أخرى، هياكل سلطته الموازية لحكومة الجيش، من خلال اختيار رئيس القضاء وتشكيل مجلس الأقاليم، وهو بمثابة جسم رقابي، إضافة إلى تعيين وزراء جدد.
وبالتزامن مع ذلك، أصدرت هيئة الوصول الإنساني التابعة لحكومة “تأسيس” قراراً بإعادة تنظيم عمل المنظمات الأجنبية والوطنية العاملة في مناطق سيطرتها، مع إلزامها بالانخراط في إجراءات تسجيل واعتماد قانونية خلال فترة لا تتجاوز 30 يوماً من تاريخ صدور القرار، وأن أي منظمة لا تُكمل إجراءاتها خلال المهلة المحددة لن يُسمح لها بممارسة أي نشاط داخل البلاد، وفق القرار.
عمل غير قانوني
انتقد وزير الخارجية السوداني السابق، علي يوسف الشريف، قرار حكومة “تأسيس”، واعتبره عملاً قهرياً وغير قانوني لأنه صادر عن سلطة غير معترف بها، وفق قوله لـ(عاين).
قرار الحكومة التابعة للجيش باستدعاء المنظمات وتحذيرها من التعامل مع تأسيس، قرار سيادي، انبنى على شرعية مؤسسات الدولة واعتراف أغلب دول العالم بها.
وزير الخارجية السوداني السابق
وفي المقابل، قال الشريف إن “قرار وزارة الخارجية التابعة لحكومة الجيش باستدعاء المنظمات وتحذيرها من التعامل مع نيالا، قرار سيادي، انبنى على شرعية مؤسسات الدولة واعتراف أغلب دول العالم بها، في الوقت الذي لم تعترف فيه دولة واحدة بحكومة تأسيس أو مؤسساتها”، على حد قوله.
وأضاف: “وعليه فإن إلزام ما يسمى بحكومة تأسيس لمنظمات العمل الإنساني بالتسجيل وفتح مكاتب لها في مناطق سيطرتها، عمل قهري وغير قانوني”.
ومع ذلك، أشار وزير الخارجية السابق إلى أن المنظمات الإنسانية قد تقبل بإجراءات حكومة “تأسيس” لمصلحة المواطنين المدنيين الأبرياء الذين يقتلهم الجوع والمرض، على حد قوله.

وتابع: “تقديري أنه لا ينبغي توقيع أي عقوبات على هذه المنظمات باعتبار أن الهدف إنساني، وأن العمل أو فتح المكاتب ليس له أي انعكاسات على مبدأ السيادة ووحدة أراضي السودان، طالما ظلت رئاسة تلك المنظمات في الخرطوم وتواصل نشاطها في بقية أجزاء السودان”.
وكانت وزارة الخارجية قد أبلغت، يوم الخميس الماضي، المنظمات بأن “التسجيل لدى حكومة تأسيس أو توقيع أو إبرام أي اتفاقية أو مذكرة تفاهم أو أي نوع من أنواع التعامل المؤسسي معها، يُعتبر تصرفاً داعماً لكيانات موازية لمؤسسات الدولة الشرعية، ويعد انتهاكاً لسيادة السودان ووحدة أراضيه ومؤسساته القومية”.
تسييس العمل الإنساني
يرى مهندس النظم الإنسانية، إسماعيل هجانة، أن قرار حكومة الجيش يعكس بصورة واضحة تسييس العمل الإنساني وتحويله إلى جزء من الصراع السياسي والأمني في بلد يعيش انقساماً وطنياً حاداً وسلطات متعددة على أرض الواقع. محذراً من أن الخطر الحقيقي سيكون في التأثير المباشر للقرار على وصول المساعدات وحماية المدنيين واستمرارية الخدمات الإنسانية في مناطق الحرب.
وقال هجانة لـ(عاين): “عندما تُدار البيئة الإنسانية بعقلية أمنية أكثر من إدارتها بمبادئ الحياد والاستقلالية والوصول الإنساني، فإن النتيجة الطبيعية هي تآكل ثقة المانحين والمنظمات الدولية، وتعقيد عمليات الإغاثة، ودفع ملايين المدنيين نحو مزيد من العزلة والمعاناة”.
ولم يستبعد هجانة أن تستجيب بعض المنظمات للضغوط، خاصة في ظل استخدام ملفات التأشيرات والتصاريح والتمويل كأدوات ضغط مباشرة على المنظمات والموظفين الدوليين، إلا أنه يعتقد أن المجتمع الدولي يدرك خطورة انهيار البيئة الإنسانية في السودان، ما يدفعه لإيجاد مسارات بديلة ومرنة للحفاظ على الوصول الإنساني.
الخلاف بين “بورتسودان ونيالا” حول العمل الإنساني لم يعد إدارياً فقط، بل يعكس رؤيتين مختلفتين؛ رؤية تتحدث عن توسيع الوصول الإنساني وحوكمته، وأخرى ما تزال تتعامل معه كجزء من أدوات الصراع والضغط والحرب.
إسماعيل هجانة، خبير في العمل الإنساني
وظلت المنظمات الأممية تشكو بشكل متواتر من قيود بيروقراطية تتعلق بتأخير منح التأشيرات لممثليها الراغبين في الدخول إلى السودان، مما يعرقل عملها الإنساني، خصوصاً في دارفور وكردفان.
ومؤخرًا، شكا برنامج الغذاء العالمي، في تقرير حديث، من “عقبات بيروقراطية” عرقلت العمل الإنساني في السودان، موضحاً أن “التحدي الذي واجه حياد الأمم المتحدة بعد اعترافها بمجلس السيادة الانتقالي بقيادة قائد القوات المسلحة السودانية باعتباره السلطة السيادية في السودان، أعاق قدرة البرنامج على التفاوض بشأن الوصول إلى المناطق غير الخاضعة لسيطرة الجيش”.
اختلاف رؤى
يقول إسماعيل هجانة إن الخلاف بين “بورتسودان ونيالا” حول العمل الإنساني لم يعد إدارياً فقط، بل يعكس رؤيتين مختلفتين؛ رؤية تتحدث عن توسيع الوصول الإنساني وحوكمته، وأخرى ما تزال تتعامل معه كجزء من أدوات الصراع والضغط والحرب، وفق قوله.
وأشار إلى أن الوضع الإنساني في دارفور وكردفان أكبر من أن يُدار بمنطق الإغلاق الكامل أو القطيعة مع المنظمات الدولية. ومع ذلك، فمن الصعب أن تقبل حكومة “تأسيس” بعمل منظمات داخل مناطق نفوذها دون أي شكل من أشكال التنسيق أو التنظيم، حسب قوله.
وتوقع هجانة أن تشهد الفترة القادمة “ترتيبات مرنة” أو صيغ تشغيل مؤقتة تحاول من خلالها المنظمات الحفاظ على الوصول الإنساني دون الدخول في مواجهة مباشرة مع أي من الطرفين.
وبحسب بيانات الأمم المتحدة وخطط الاستجابة الإنسانية، فإن السودان دخل عام 2026 كأكبر أزمة إنسانية من حيث عدد المحتاجين للمساعدات، حيث تشير تقديرات “أوتشا” إلى أن أكثر من 33 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية وحماية، بينهم ملايين في دارفور وكردفان والنيل الأزرق.
وقال هجانة: “المشكلة اليوم ليست فقط في حجم الاحتياجات، بل في أن دارفور وكردفان أصبحتا تمثلان قلب الأزمة الإنسانية نفسها، حيث تعتمد قطاعات واسعة من السكان بصورة شبه كاملة على المساعدات الإنسانية المتعلقة بالغذاء والصحة والتغذية والمياه والحماية. وبالتالي فإن أي تعطيل واسع لعمل المنظمات أو تقييد لحركتها سيخلق فجوة لا توجد حالياً أي جهة قادرة على سدها، خاصة مع انهيار البنية الخدمية المحلية وضعف قدرة المؤسسات الرسمية على الاستجابة”.
وحذر هجانة من أن أي انهيار إضافي في منظومة الوصول الإنساني قد يقود إلى توسع المجاعة وارتفاع معدلات الوفيات وانهيار الخدمات الأساسية في مناطق واسعة من السودان.
صراع الشرعية
من جهته حذر أحمد محمود، وهو أحد الفاعلين في المجال الإنساني بالسودان، من تعقيدات قانونية وإدارية قد تواجه المنظمات الإنسانية بسبب قرارات حكومتي “بورتسودان ونيالا”، مما قد يعيق الوصول إلى المدنيين المتأثرين بالنزاع ويعمق معاناتهم.
القرارات قد تتسبب في تعميق حالة الانقسام بالبلاد والتوجه نحو صناعة مراكز عمليات إنسانية متعددة ومتنافرة، تؤثر على كفاءة العمل الإنساني، بالتزامن مع حالة نقص التمويل.
أحمد محمود، فاعل في المجال الإنساني
وقال لـ(عاين) إن القرارات تأتي كامتداد للصراع بين الطرفين حول شرعية الحكم واستحقاق السيادة. متوقعاً أن تكون للقرارات -حال تطبيقها- آثار سالبة على المنظمات الإنسانية، من خلال نشوء تعقيدات قانونية وإدارية وارتفاع تكلفة العمل الإنساني.
وتخوف محمود من أن تتسبب القرارات في تعميق حالة الانقسام بالبلاد والتوجه نحو صناعة مراكز عمليات إنسانية متعددة ومتنافرة، تقلل من فرص التنسيق والتكامل وتؤثر على كفاءة العمل الإنساني، بالتزامن مع حالة نقص التمويل.
وتوقع أن تمارس أطراف النزاع ضغوطاً مختلفة على المنظمات الإنسانية والفاعلين المحليين بما يعزز سلطات “الحكومتين” وزيادة التحكم والسيطرة على المجال الإنساني والموارد الإنسانية.
وأضاف أن شريحة واسعة من المتأثرين بالنزاع تعتمد على تدخلات المنظمات الإنسانية في مجالات الغذاء والصحة ومياه الشرب والحماية والدعم النفسي، مبيناً أن عرقلة الوصول الإنساني ستخلف فجوات غذائية، وستدفع المتأثرين بالنزاع للاعتماد على أطراف النزاع وأصحاب النفوذ والمتحكمين في الموارد المحلية، وفق قوله.
وبينما تتزايد المطالب بإخراج العمل الإنساني من أجندة أطراف الصراع في السودان، يرى محمود أنه من المستبعد حدوث ذلك، مبيناً أن الطريق الأقصر هو وقف الحرب في البلاد.
مخالفة القانون الدولي الإنساني
ووجدت قرارات أطراف الصراع في السودان بشأن العمل الإنساني انتقادات واسعة، حيث أعربت مجموعة “محامو الطوارئ” الحقوقية عن بالغ القلق إزاء ما وصفته بـ”استخدام القضايا الإنسانية والمساعدات الإغاثية ضمن صراع الشرعية والسيطرة السياسية والعسكرية في السودان”.
وقالت المجموعة، في بيان، إن “تحويل العمل الإنساني إلى ساحة للتجاذبات السياسية والإدارية يهدد بصورة خطيرة المبادئ الأساسية للعمل الإنساني المتمثلة في الحياد وعدم التحيز والاستقلالية، ويقوض قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى المدنيين المتضررين”.

ويلزم القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان جميع أطراف النزاع بضمان وحماية عمل المنظمات الإنسانية والعاملين فيها، وعدم عرقلة عمليات الإغاثة أو استخدام الاحتياجات الإنسانية كأداة ضغط أو مساومة سياسية أو عسكرية.
واعتبرت المجموعة الحقوقية أن “أي قيود تعسفية على تسجيل أو اعتماد المنظمات الإنسانية، أو فرض ترتيبات سياسية أو إدارية تعيق وصول المساعدات، أو إرغام المنظمات على الانخراط في ترتيبات تمس استقلاليتها وحيادها، تمثل انتهاكاً خطيراً للمبادئ الإنسانية الدولية، وتهدد بتوسيع نطاق المعاناة الإنسانية في البلاد”.
يقول متطوع بغرف طوارئ الخرطوم، طلب حجب اسمه، إن قطاعات الصحة والمياه والغذاء والمساعدات المالية المباشرة التي كانت مدعومة من المنظمات الإنسانية أصبحت اليوم مهددة بالتوقف حال عرقلة عمل المنظمات الأممية بسبب خلافات أطراف الصراع.
ويضيف المتطوع لـ(عاين): “إن ما تقدمه المنظمات لغرف الطوارئ لخدمة مئات المتأثرين بالحرب أقل من حجم الاحتياجات الفعلية، فما بالك إذا توقف حتى هذا أو تم طردها”.
ويشير إلى أن الشراكة بين المنظمات الإنسانية وغرف الطوارئ السودانية كانت جيدة قبل أن تظهر مؤخراً بعض التعقيدات، مثل إلزام الغرف بالتسجيل لدى مفوضية العون الإنساني الحكومية، وهو ما تسبب في تراجع الدعم المقدم للغرف.



















