ثلاثة أعوام على حرب السودان المُهملة.. صراع السلطة واستنزاف الدولة
عاين- 16 أيريل 2026
في 15 أبريل 2023، اندلع القتال في العاصمة السودانية الخرطوم بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بعد أسابيع من التوتر حول ترتيبات الانتقال ودمج القوات. وخلال الساعات الأولى امتدت الاشتباكات إلى محيط القيادة العامة ومطار الخرطوم والقصر الجمهوري، لتدخل البلاد في صراع مفتوح سرعان ما تجاوز حدود العاصمة.
ومع حلول منتصف أبريل 2026، تكون الحرب قد أكملت ثلاثة أعوام لتدخل عامها الرابع دون حسم عسكري، وسط تدهور إنساني واسع النطاق وتفكك متزايد لمؤسسات الدولة واستنزاف ممتد لقدراتها.
خلال الأيام الأولى بعد 15 أبريل 2023، انهارت منظومة الأمن والخدمات في الخرطوم، وتحولت مناطق واسعة إلى ساحات قتال مفتوحة.
وفي أواخر أبريل 2023، بدأت عمليات إجلاء واسعة للرعايا الأجانب عبر مطار بورتسودان ومنافذ أخرى، بينما أُعلنت أولى الهدن القصيرة.
وفي 16 أبريل 2023، أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة تعليق عملياته مؤقتًا في السودان، بعد مقتل ثلاثة من موظفيه منذ بدء المعارك.
11 مايو 2023، وُقّع “إعلان جدة” بين الطرفين برعاية سعودية–أمريكية متضمنًا التزامات إنسانية، إلا أن وقف إطلاق النار لم يصمد واستمرت الاشتباكات في العاصمة ومحيطها.

وبالتوازي، تصاعدت أعمال العنف في إقليم دارفور، خاصة في الجنينة، حيث وثّقت منظمات حقوقية عمليات قتل واسعة وتهجيرًا قسريًا، في واحدة من أخطر محطات الحرب.
وفي 14 يونيو 2023، قُتل والي غرب دارفور خميس أبكر بعد احتجازه، في حادثة أدانتها جهات دولية.
وفي 26 أكتوبر 2023، توسعت رقعة القتال، وسيطرت قوات الدعم السريع على مدن رئيسية في دارفور من بينها نيالا، بينما تراجعت سلطة الدولة المركزية بشكل متسارع وارتفعت أعداد النازحين داخليًا وخارجيًا.
وفي 18 ديسمبر 2023، سيطرت قوات الدعم السريع على ود مدني بولاية الجزيرة، في تحول ميداني مهم نقل الحرب إلى وسط البلاد.
وبحلول أبريل 2024، تصاعد القتال حول الفاشر، آخر عواصم دارفور الخارجة عن سيطرة الدعم السريع، مع تحذيرات أممية من كارثة إنسانية وشيكة.
وبعد أكثر من ثلاثة أشهر على فقدانه منطقة جبل موية الاستراتيجية في ولاية سنار، أعلن الجيش السوداني مساء السبت 5 أكتوبر 2024 استعادته السيطرة على المنطقة من قوات الدعم السريع.
وضوح خريطة السيطرة
ومع نهاية عام 2024، لم يتحقق حسم ميداني، لكن خطوط السيطرة أصبحت أكثر وضوحًا، مع سيطرة الدعم السريع على معظم دارفور، مقابل سيطرة الجيش على الشمال والشرق وأجزاء من الوسط، واستمرار القتال في العاصمة.
وفي 20 يناير 2025، أعلن الجيش استعادة مدينة ود مدني بولاية الجزيرة بعد تقدمه في ولايتي سنار والنيل الأبيض، في تطور اعتُبر نقطة تحول لصالحه في وسط البلاد.
وخلال فبراير ومارس 2025، تقدم الجيش في شمال كردفان مستعيدًا مدينتي أم روابة والرهد، وفتح الطريق القومي الرابط بين كوستي والأبيض، ما ساهم في فك حصار مدينة الأبيض وإعادة ربط وسط البلاد بغربها.
وفي المقابل، تحولت كردفان إلى مركز ثقل جديد للحرب، إذ سيطرت قوات الدعم السريع في بداية مايو 2025 على مدينة النهود بولاية غرب كردفان.
وخلال الفترة من مارس إلى مايو 2025، تصاعدت المعارك في ولاية الخرطوم بوتيرة عالية، انتهت باستعادة الجيش السيطرة الكاملة على الولاية في مايو 2025، ما أدى إلى إغلاق جبهة الخرطوم وتحول مركز الثقل العسكري نحو الأطراف، خصوصًا كردفان ودارفور.

وفي 25 أكتوبر 2025، بسطت قوات الدعم السريع سيطرتها على مدينة الفاشر، قبل أن تُحكم قبضتها في الأول من ديسمبر 2025 على بابنوسة، وتسيطر في الثامن من ديسمبر على حقول هجليج النفطية، لتصبح مسيطرة فعليًا على كامل غرب كردفان وولايات دارفور الخمس، مع استمرار حصار الدلنج وكادوقلي في جنوب كردفان.
وفي 16 مارس 2026، أعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها على مدينة بارا الاستراتيجية بولاية شمال كردفان، بعد عشرة أيام من سيطرة الجيش على المدينة ذاتها.
وتزامن ذلك مع توسع غير مسبوق في استخدام الطائرات المسيّرة التي أصبحت أداة مركزية في الحرب، حيث امتدت الهجمات لتشمل بورتسودان بعد أن كانت محصورة في الخرطوم وولايات الوسط، كما استهدفت البنية التحتية الحيوية وعلى رأسها محطات الكهرباء، في تحول واضح نحو حرب بعيدة المدى تستهدف العمقين المدني والعسكري.
اقتصاد السودان والحرب
اقتصاديًا، تضاعفت معدلات الفقر في السودان منذ اندلاع الحرب، إذ ارتفعت من نحو 38 بالمئة قبل النزاع إلى قرابة 70 بالمئة من السكان، بحسب ما أفاد الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان لوكا ريندا لوكالة فرانس برس، في وقت تراجع فيه متوسط الدخل إلى مستويات لم تُسجّل منذ عام 1992.
كما اتسعت رقعة الفقر المدقع لتشمل واحدًا من كل أربعة سودانيين، مع تعطل أكثر من 80 بالمئة من المصانع وخسارة الاقتصاد مليارات الدولارات، وسط تحذيرات من انزلاق البلاد إلى مستويات اقتصادية تعود إلى ستينات القرن الماضي إذا استمر النزاع.

أما معدل التضخم السنوي، فوصل إلى 60.26% في يناير 2026، متراجعًا من 68% في ديسمبر و74.02% في نوفمبر 2025، في اتجاه هبوطي مستمر منذ بلوغه ذروته التاريخية في يوليو 2021، رغم استمرار تدهور العملة المحلية وارتفاع أسعار السلع.
وفي المقابل، برز قطاع الذهب كأحد مصادر التمويل الأساسية، إذ بلغ الإنتاج 70.15 طنًا في 2025، لكن الصادرات الرسمية لم تتجاوز 12.507 طنًا بقيمة 1.3 مليار دولار، مع استمرار الفجوة بين الإنتاج والتصدير بسبب التهريب وخروج جزء كبير من الذهب خارج الإطار الرسمي.
الوضع الإنساني
إنسانيًا، تسببت الحرب في واحدة من أسوأ أزمات النزوح في العالم، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى نزوح نحو 14 مليون شخص، بينهم 9 ملايين نازح داخليًا و4.4 مليون لاجئ في دول الجوار.
وفي 19 أغسطس 2025، أفادت منظمة أطباء بلا حدود بأن تفشيًا غير مسبوق للكوليرا في السودان أدى إلى وفاة 40 شخصًا خلال أسبوع واحد فقط، مع تسجيل أكثر من 99 ألف حالة مشتبه بها منذ بداية العام، في ظل تدهور حاد في خدمات المياه والرعاية الصحية وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية بسبب الحرب، مشيرة إلى أن المرض ينتشر بوتيرة متسارعة في دارفور ويصيب بشكل خاص الفئات الأكثر هشاشة من النساء والأطفال وكبار السن.
أوضاع النساء

وتواجه النساء والفتيات وضعًا بالغ القسوة، إذ سجلت تقارير منظمات حقوقية وصحية آلاف حالات العنف الجنسي.
ووثّقت منظمة أطباء بلا حدود 3396 ناجية تلقين العلاج بين عامي 2024 و2025، بينما وثّقت شبكة “صيحة” أكثر من 1290 حالة عنف جنسي، إلى جانب تقارير عن اعتقال مئات النساء بتهم التعاون، وارتفاع حالات الاستغلال والعنف المنهجي، في ظل انهيار منظومة الحماية القانونية والاجتماعية.
الوضع السياسي
سياسيًا ودبلوماسيًا، بدأت الحرب بمحادثات جدة في 11 مايو 2023، لكنها لم تحقق وقفًا دائمًا لإطلاق النار.
وتوالت المبادرات لإنهاء الأزمة، بما في ذلك جهود الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية، والتي تطرح خريطة طريق تبدأ بهدنة إنسانية فورية، يليها وقف دائم لإطلاق النار، وصولًا إلى عملية انتقال سياسي بقيادة مدنية.
وفي 19 مايو 2025، أصدر رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان مرسومًا دستوريًا بتكليف كامل الطيب إدريس رئيسًا لمجلس الوزراء.
وفي 31 مايو 2025، أدى كامل إدريس اليمين الدستورية رسميًا أمام رئيس مجلس السيادة.
وفي 19 يونيو 2025، أعلن رئيس الوزراء هيكل الحكومة المكون من 22 وزارة، وبدأت التعيينات الوزارية تدريجيًا في الأسابيع التالية، ضمن ما عُرف بـ“حكومة الأمل”.
وفي 27 يوليو 2025، أعلن تحالف السودان التأسيسي “تأسيس” بقيادة قوات الدعم السريع تشكيل حكومة موازية تحت اسم “حكومة السلام والوحدة”.
تحولات داخلية
وشهد المشهد السياسي تحولات داخلية، إذ تم في 11 يناير 2026 عودة الحكومة إلى الخرطوم، وفي فبراير 2026 هبطت أول طائرة أممية في المدينة، كما عاد مكتب برنامج الأغذية العالمي إلى الخرطوم في 9 أبريل 2026، في مؤشرات محدودة على عودة بعض مؤسسات الدولة رغم استمرار الحرب.
وفي 2 أبريل 2026، تم تعيين ياسر العطا رئيسًا لأركان القوات المسلحة السودانية.
وفي 12 أبريل 2026، انشق النور قبة، وهو ضابط بارز من قوات الدعم السريع، وأعلن انضمامه إلى الجيش.
مؤتمر برلين والمسار الدولي
بالتزامن مع الذكرى السنوية لاندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، تستضيف العاصمة الألمانية برلين مؤتمرا دوليا حول السودان، في إطار تحرك دولي واسع لإعادة تنشيط المسارات الإنسانية والسياسية المرتبطة بالأزمة.
وينعقد مؤتمر برلين بدعوة من الآلية الخماسية التي تضم الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) وجامعة الدول العربية، وبمشاركة الآلية الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والإمارات والسعودية ومصر، إضافة إلى نحو 25 وزير خارجية من دول معنية، و41 شخصية سودانية من قوى سياسية ومدنية، إلى جانب منظمات دولية وأممية عاملة في المجال الإنساني.

وجاء تصميم المؤتمر وفق ثلاث مسارات متوازية، شملت مسارا وزاريا سياسيا، ومسارا إنسانيا لحشد الدعم والإغاثة، ومسارا مدنيا خُصص للقوى السياسية والمدنية السودانية، في محاولة لدمج المستويات الدبلوماسية والإنسانية والمدنية في إطار واحد.
ويأتي مؤتمر برلين امتدادا لتحركات دولية سابقة شملت مؤتمري باريس 2024 ولندن 2025، ضمن مساعٍ لتوحيد الجهود الدولية بشأن السودان وتعزيز الاستجابة للأزمة المتفاقمة، وربط المسار الإنساني بالمسار السياسي الهادف إلى وقف إطلاق النار وفتح الطريق أمام عملية انتقالية بقيادة مدنية.
وتزامن انعقاد المؤتمر مع موقف دولي يعتبر أن السودان يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تشير تقديرات أممية إلى حاجة ما بين 25 و33 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية، ونزوح ما بين 12 و13.6 مليون شخص، إلى جانب معاناة عشرات الملايين من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في ظل تدهور واسع للخدمات الأساسية.
ولا يزال الطرفان، الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، يسعيان إلى توسيع نطاق سيطرتهما ميدانيًا، إذ يسيطر الجيش على تسع ولايات بالكامل وعلى نحو 90% من ولاية النيل الأزرق باستثناء مدينة الكرمك، بينما تسيطر قوات الدعم السريع على خمس ولايات إضافة إلى نحو 90% من ولاية شمال دارفور باستثناء مدينة الطينة.
وهكذا، ومع دخول الحرب عامها الرابع، لا تزال تدور في إطار استنزاف طويل دون حسم، مع انقسام جغرافي واضح، وتآكل مؤسسات الدولة، وانهيار اقتصادي متسارع، وأزمة إنسانية تُعد من الأكبر عالميًا، في ظل غياب أفق سياسي قادر على إنهاء النزاع أو إعادة بناء الدولة.





















