الأعيان المدنية هدفاً لمسيرات طرفي حرب السودان

عاين 6 أبريل 2026

صباح الخميس الماضي، استيقظ سكان مدينة الجبلين في ولاية النيل الأبيض بالسودان على دوي انفجارات هزت أركان المنطقة الهادئة، وقبل أن يستفيق المواطنون من هول الصدمة، كانت طائرة مسيّرة قد حصدت أرواح 10 أشخاص، ودمرت مستشفى المنطقة الواقعة على الحدود مع جنوب السودان.

كان من بين الضحايا أم ومولود حديث جاء إلى الدنيا، ورحل قبل أن تكتمل حكاية ميلاده. كما قُتل خلال القصف كوادر طبية كانوا قبل لحظات يقاتلون لإنقاذ المرضى.

وقال مسؤول بمدينة الجبلين طلب حجب اسمه، لـ(عاين)، إن جميع الكوادر الطبية الفاعلة في المستشفى أصبحت بين قتيل وجريح. وقد وجدت الحادثة إدانات واسعة من أطباء وقوى سياسية وحقوقية.

مثلت هذه الحادثة أحدث نموذج لقصف الأعيان المدنية في السودان بواسطة الطائرات المسيّرة التابعة لطرفي الحرب المستمرة لنحو 3 سنوات.

وتصاعدت الاعتداءات على الأعيان المدنية في السودان خلال الآونة الأخيرة عبر الطائرات المسيّرة، مما أدى إلى مقتل مئات المدنيين وتدمير مستشفيات وأسواق، وفق ما رصدته (عاين)، حيث وقعت أكثر الهجمات دموية خلال مارس الماضي وأبريل الجاري، وقُتل خلالها مئات المدنيين في كردفان ودارفور والنيل الأبيض.

وكانت الأمم المتحدة قد حذرت من تصاعد خطير في استخدام الطائرات المسيّرة في السودان، مشيرة إلى مقتل أكثر من 500 مدني جراء غارات جوية خلال أقل من ثلاثة أشهر، معظمهم في كردفان.

ووثّق مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مقتل أكثر من 277 مدنيًا خلال الأسبوعين الأولين من مارس الماضي، غالبيتهم في إقليم كردفان.

قصف الضعين

ويأتي الهجوم بطائرة مسيّرة على مستشفى الضعين في 20 مارس الماضي ضمن قائمة الهجمات الأكثر عنفًا على الأعيان المدنية، وفق منظمة الصحة العالمية، حيث سقط خلاله 71 قتيلًا، بينهم كوادر طبية، إضافة إلى تدمير كامل لقسم الحوادث بالمستشفى، وفق مدير عام وزارة الصحة بولاية شرق دارفور الخاضعة ليسطرة قوات الدعم السريع، الأزرق حسن حميدة، وقال حميدة، في إحصائية أرسلها لـ(عاين)، إن من بين القتلى 13 طفلًا و7 نساء، إضافة إلى 88 من المصابين.

وأشار كذلك إلى مقتل 24 مدنيًا وإصابة اثنين خلال قصف طائرة مسيّرة لعربة تقل مسافرين بين مدينة الضعين ومحلية عديلة، وذلك في اليوم التالي لحادثة قصف المستشفى.

قصف الأعيان المدنية في ولاية شرق دارفور طال مباني وزارة الصحة وبنك السودان المركزي، وأمانة الحكومة، ورئاسة التأمين الصحي، ووزارة التخطيط العمراني، ومدرسة الخنساء الابتدائية بنات، ومدرسة الأم الثانوية، ومركز تعليم أطفال

مدير عام وزارة الصحة شرق دارفور، الأزرق حسن حميدة

وشملت الإحصائية التي أصدرها مدير عام وزارة الصحة بولاية شرق دارفور حصرًا دقيقًا لجميع المرافق الخدمية في الولاية التي تعرضت للقصف الجوي خلال فترة هذه الحرب.

وخلال الفترة من يناير 2024 إلى العام الحالي، قُتل 160 مدنيًا، بينهم 32 طفلًا و13 امرأة، بجانب 150 إصابة وسط المواطنين، وذلك في حوادث قصف متفرقة على الولاية شملت أعيانًا مدنية مثل “أحياء سكنية وأسواق ومبانٍ حكومية”، إضافة إلى مستشفى الضعين الذي تعرض للقصف مرتين في هذه المدة.

كما طال القصف وزارة الصحة بولاية شرق دارفور، ومباني بنك السودان المركزي بالضعين، وأمانة الحكومة، ورئاسة التأمين الصحي، ووزارة التخطيط العمراني، ومدرسة الخنساء الابتدائية بنات، ومدرسة الأم الثانوية، ومركز تعليم أطفال.

ويرى الناشط الحقوقي المعز حضرة: أن “قصف مستشفى الجبلين بواسطة قوات الدعم السريع جاء كرد فعل مباشر لقصف الجيش لمستشفى الضعين، وهي أفعال متعمدة وليست أخطاء”، وفق قوله لـ(عاين). وعزا حضرة، تصاعد الهجمات الأخيرة على الأعيان المدنية إلى غياب المواجهات العسكرية المباشرة بين طرفي الحرب، مما دفعهما إلى استخدام الطائرات المسيّرة لقصف المرافق الخدمية في مناطق كل منهما.

كردفان تحت القصف

وتعرضت عدد من الأعيان المدنية في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان الخاضعة لسيطرة الجيش خلال مارس الماضي لقصف جوي خلف أضرار مادية في الأماكن المستهدفة، منها جامعة كردفان التي دُمرت إحدى قاعاتها بشكل كامل، بجانب قصف المستشفى البريطاني، ما أسفر عن إصابة 12 شخصًا، بينهم كوادر طبية. كذلك طال القصف محطة الكهرباء، وتسبب في إظلام المدينة لعدة أيام.

كما تعرضت مدينتا الدلنج وكادوقلي في جنوب كردفان لسلسلة هجمات جوية طالت الأسواق والمرافق الصحية ومبانٍ حكومية. وقد نُسبت الاتهامات في جميع الغارات الجوية التي تعرضت لها مدن الأبيض والدلنج وكادوقلي إلى قوات الدعم السريع.

كذلك تعرضت مواقع مدنية مختلفة في ولاية غرب كردفان لسلسلة غارات جوية بواسطة طائرات مسيّرة خلفت عشرات القتلى والجرحى وسط المواطنين. أبرزها استهداف مورد مياه “دونكي” في قرية تُسمى “أم رسوم” بمحلية السنوط بواسطة طائرة مسيّرة في 18 فبراير الماضي، تسبب في مقتل وإصابة أكثر من 40 شخصًا، بينهم نساء وأطفال، كما أدى القصف إلى تعطيل محطة المياه التي كانت تخدم نحو 17 قرية مجاورة في المنطقة.

وفي 23 مارس الماضي، أفادت قوى حقوقية وسياسية بمقتل نحو 40 مدنيًا حينما استهدفت طائرة مسيّرة عربة نقل “دفار” بالقرب من مدينة أبوزبد بولاية غرب كردفان، حينما كان الضحايا في طريقهم إلى مناسبة عزاء.

وفي الأسبوع الأخير من مارس الماضي، قُتل 28 شخصًا إثر قصف بطائرة مسيّرة استهدف عددًا من المركبات التي تُعرف بـ”التكتك” في منطقة “الشقة العمدة”، كانت تقل مسافرين في طريقهم إلى مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان، وفق شهود عيان تحدثوا لـ(عاين).

وفي 4 مارس الماضي، تعرضت مدينة المجلد بغرب كردفان لهجمات جوية متتالية شملت المستشفى والسوق وأماكن أخرى، مما أسفر عن قتلى وجرحى، وفق تقارير محلية.

وفي 23 مارس، قُتل ما لا يقل عن 15 شخصًا من المدنيين إثر قصف نفذته طائرة مسيّرة على سوق منطقة لقاوة بولاية غرب كردفان.

وقد نُسبت جميع الهجمات التي تعرضت لها الأعيان المدنية في ولاية غرب كردفان الواقعة تحت سيطرة قوات الدعم السريع إلى الجيش السوداني.

وفي النيل الأزرق، تعرض سوق مدينة يابوس الواقعة تحت سيطرة الحركة الشعبية، في 29 مارس المنصرم، إلى غارة جوية نفذتها طائرة مسيّرة، تسببت في حريق واسع بالسوق. وقد نُسبت الحادثة إلى الجيش السوداني.

أسواق معطلة

وفي إقليم دارفور غرب السودان، وقعت سلسلة من الهجمات بطائرات مسيّرة خلال فبراير ومارس الماضيين، طالت عددًا من الأسواق الأسبوعية، منها أسواق “كبكابية، الكومة، موقف الجنينة بمدينة نيالا، ومليط، وكتم”.

أسواق أسبوعية معروفة في دارفور وغرب كردفان، خرجت عن الخدمة نتيجة تخوف التجار والمواطنين من القصف الجوي، ولجأ السكان إلى ابتكار أسواق بديلة تستمر ساعات محدودة يتم فيها تبادل المنافع على وجه السرعة وذهاب الكل إلى وجهته

مصادر محلية

وتظل حادثة قصف “سوق طرة” بشمال دارفور في مارس العام الماضي أحد أكبر الكوارث التي نتجت عن القصف الجوي، حيث قُتل ما لا يقل عن 400 شخص، إضافة إلى حرق السوق بأكمله، وفقًا لأجسام حقوقية ومنسقية النازحين بدارفور.

وحسب مصادر محلية في دارفور وغرب كردفان تحدثت لـ(عاين)، فإن عددًا من الأسواق الأسبوعية المعروفة خرجت عن الخدمة نتيجة تخوف التجار والمواطنين من القصف الجوي، ولجأ السكان إلى ابتكار أسواق بديلة تستمر ساعات محدودة يتم فيها تبادل المنافع على وجه السرعة وذهاب الكل إلى وجهته.

جرائم حرب

وتشير المدافعة الحقوقية نفيسة حجر لـ(عاين) إلى أن قصف الأعيان المدنية والمرافق الطبية يمثل انتهاكًا صارخًا لمبدأ “التمييز”، الذي يعد حجر الزاوية في القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف الأربعة.

قصف الأعيان المدنية تُصنف كجرائم حرب، حيث لا يمكن التذرع بالضرورة العسكرية عند استهداف منشآت محمية بموجب القانون الدولي، خاصة أن التقنيات المستخدمة في الطيران المسيّر تتيح دقة عالية في تحديد الأهداف، مما يرجح فرضية التعمد أو الإهمال الجسيم في مراعاة مبدأ التناسب

الناشطة الحقوقية، نفيسة حجر

“هذه الأفعال تُصنف كجرائم حرب، حيث لا يمكن التذرع بالضرورة العسكرية عند استهداف منشآت محمية بموجب القانون الدولي، خاصة أن التقنيات المستخدمة في الطيران المسيّر تتيح دقة عالية في تحديد الأهداف، مما يرجح فرضية التعمد أو الإهمال الجسيم في مراعاة مبدأ التناسب”، تقول حجر.

وشددت حجر على أن حماية المدنيين ليست خيارًا، بل التزام قانوني يقع على عاتق طرفي النزاع، ما يستدعي ضرورة تفعيل آليات الرصد والتوثيق الدولية والمحلية لضمان عدم إفلات المسؤولين عن إعطاء الأوامر أو تنفيذ الهجمات من العقاب.

وأضافت: “ملفات هذه الانتهاكات يجب أن تُرفع إلى المحكمة الجنائية الدولية والآليات القضائية ذات الصلة كجزء من جهود تحقيق العدالة الانتقالية في السودان”.

ولوقف هذه الهجمات التي تتعرض لها الأعيان المدنية في السودان، ترى المدافعة الحقوقية ضرورة التحرك الدولي والإقليمي وفرض رقابة صارمة على تدفق تكنولوجيا الطيران المسيّر وقطع غيارها إلى أطراف النزاع، وتوسيع نطاق حظر الأسلحة ليشمل كافة الأراضي السودانية.

وعلى المستوى الداخلي، دعت إلى ضرورة تحييد المنشآت الحيوية عن الصراع المسلح، وتوفير ممرات آمنة وتدابير حماية تقنية للمستشفيات والأسواق لضمان استمرار الحياة للمدنيين.

“استهداف المدنيين وتدمير البنى التحتية لا يمثل خسارة عسكرية لطرفي الحرب، لكنه تدمير لمستقبل الدولة السودانية وتماسكها الاجتماعي، مما يستدعي وقفة وطنية ودولية حازمة لوقف هذه الهجمات فورًا”، تقول حجر.

تطور خطير

ووصف الناشط الحقوقي المعز حضرة اتجاه طرفي الحرب لقصف الأعيان المدنية بـ”التطور الخطير”، معتبرًا الأفعال جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تُحاكم عليها المواد 186 إلى 193 في القانون الجنائي السوداني، كما تعاقب عليها المحكمة الجنائية الدولية.

ودعا حضرة كذلك إلى توسيع اختصاص المحكمة الجنائية ليشمل كل جرائم السودان عوضًا عن دارفور وحدها، حتى تتمكن من ملاحقة مرتكبي كل الجرائم في البلاد.

“يلاحظ أن الجيش السوداني حينما قصف مستشفى الضعين في شرق دارفور، ردت قوات الدعم السريع بقصف مستشفى الجبلين في النيل الأبيض، ما يعني أن الأفعال متعمدة وليست أخطاء، وهي تُصنف جريمة حرب”، يقول حضرة. ويؤكد أن حماية الأعيان المدنية ملزمة لطرفي الحرب بالسودان، وفقًا لنص القانون الدولي.

وكانت هيئة “محامو الطوارئ” الحقوقية قد حذرت من تصاعد الهجمات المتكررة خلال مارس الماضي ضد المرافق الخدمية في ولايات جنوب كردفان والنيل الأزرق وشرق ووسط وجنوب دارفور.

وقالت إن “النمط المتكرر من استهداف المرافق الصحية والعاملين في القطاع الطبي يمثل انتهاكًا جسيمًا لا يمكن تبريره تحت أي ظرف، ويقوض بشكل مباشر حق المدنيين في الحصول على الرعاية الصحية، خاصة في ظل الأزمة الإنسانية المتفاقمة، كما يعكس تصاعدًا مستمرًا في الاعتداءات التي تهدد ما تبقى من النظام الصحي في السودان”.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *