“غرباء على أبواب منازلهم”.. نزاعات السكن في (خرطوم) ما بعد الحرب
عاين- 4 أبريل 2026
عاد إلى منزله بعد ثلاث سنوات من الغياب، لكن المفتاح لم يعد كافيًا. في حي الدوحة بأم درمان، وقف أحمد عبد الله — اسم مستعار — أمام باب منزله الذي غادره مع أسرته مع اندلاع الحرب في أبريل 2023. حينها، كان الخروج قرار نجاة. أما العودة، فلم تكن كما تخيل، داخل المنزل، كانت هناك أسرة أخرى.
وعقب استعادة الجيش للعاصمة الخرطوم بدأت أعداد كبيرة من المواطنين الذي غادروا المدينة مع اشتداد المعارك العسكرية في العودة إلى المدينة، لكن العديد منهم واجه صعوبات في العودة إلى منازلهم لجهة أن سكاناً جدد أقاموا به.
وكان عبد الله قد غادر مع أسرته في أبريل 2023، تحت ضغط الاشتباكات واتساع رقعة الخطر داخل الخرطوم، تاركًا خلفه بيتًا لم يكن يعرف ما الذي سيؤول إليه.
يقول أحمد في حديثه لـ(عاين): إن “قرار المغادرة لم يكن خيارًا بقدر ما كان استجابة اضطرارية لواقع أمني متدهور. وعندما عدت بعد نحو ثلاث سنوات، ووجدت منزلي مشغولًا بأسرة أخرى”.
رغم ذلك، لم يكن المشهد عند العودة كارثيًا كما توقع. المنزل، بحسب وصفه، ظل في حالة جيدة نسبيًا، مع بعض الأضرار الطفيفة الناتجة عن آثار الحرب. لكن التحدي الحقيقي لم يكن في الجدران، بل في من يسكنها.
يحمل أحمد شهادة البحث التي تثبت ملكيته للعقار، ويقول إنه حاول في البداية التعامل مع الوضع بشكل ودي. تواصل مع الأسرة التي تقيم في منزله، والتي أوضحت له أنها نزحت من حي آخر في ام درمان، قبل أن يتم توجيهها إلى حي الدوحة مع تقدم الجيش. طلبوا منه مهلة زمنية لترتيب أوضاعهم.
لكن بالنسبة له، لم يكن الوقت في صالحه.
تطورت المسألة سريعًا إلى مسار قانوني. بعد فتح بلاغ، تحركت السلطات، ورافقت قوة من الشرطة أحمد إلى منزله، حيث تم إخلاء الأسرة التي كانت تقيم فيه. اللافت، بحسب روايته، أن العملية تمت دون أي مقاومة تُذكر من الطرف الآخر.
ورغم تمسكه بحقه القانوني، لا ينفي أحمد تعقيد الوضع الإنساني. فهو لا يرى الساكنين الحاليين كمعتدين بقدر ما يعتبرهم ضحايا لظروف الحرب، لكنه في الوقت ذاته يرفض تحمّل كلفة تلك الظروف وحده.
تجربة أخرى
لكن بين تجربة أحمد، التي حُسمت سريعًا عبر المسار القانوني، وقصة حسنة التي انتهت بتسوية ودية، تتضح ملامح مسارين مختلفين لإدارة نفس الأزمة.
تقول حسنة في مقابلة مع (عاين) إن أسرتها الكبيرة، التي تضم زوجها ووالديها وأشقاءها وزوجاتهم، كانت تقيم في منزلها بحي الثورة، الحارة 21، عند اندلاع الحرب في أبريل 2023. ومع حلول عيد الأضحى من العام نفسه، قررت الأسرة مغادرة الخرطوم مؤقتًا إلى مدينة شندي، في محاولة لتفادي المخاطر الأمنية وقضاء فترة العيد وسط الأقارب.

قبل مغادرتهم، سلّمت الأسرة مفتاح المنزل لأحد أبناء الجيران على سبيل الأمانة، بغرض تفقده خلال فترة الغياب. لكن عند عودتهم بعد نحو ثلاثة أشهر، واجهوا واقعًا غير متوقع. تروي حسنه: “غِبنا عن البيت حوالي ثلاثة شهور، وعندما عدنا وجدنا أسرة كبيرة تعيش في البيت”.
وتتابع: لم تكن الأسرة المقيمة في المنزل مستعدة للمغادرة فورًا، مبررة ذلك بعدم توفر بديل مناسب. وتضيف حسنه أن “الأمر وصل إلى حد اقتراح أن تبحث أسرتها، بصفتها المالكة، عن مسكن آخر، وتترك لهم المنزل نظرًا لكبر حجمه”.
وأشارت إلى أسرتها فضلت عدم اللجوء إلى الشرطة أو المسار القانوني، واتجهت إلى الحلول الاجتماعية. تدخل عدد من أعيان الحي ومعارف مشتركين، وشمل الضغط أيضًا الشاب الذي تسلّم المفتاح، والذي أقر بخطئه في تسليم المنزل دون الرجوع لأصحابه.
وتوضح حسنه مسار التسوية قائلة: “بعد تدخل أبناء الحي، اتفقنا علي مهلة لترتيب أوضاعهم، وبقينا نحن في منزل جيراننا حوالي 15 يوما، وبعد خروجهم عدنا إلى منزلنا”.
تدخل مجتمعي
انتهت الواقعة باستعادة الأسرة لمنزلها بعد نحو أسبوعين من الانتظار، عبر تسوية ودية قادها المجتمع المحلي، في نموذج يعكس اعتماد السكان على آليات التضامن الأهلي و”الأجاويد” لإدارة نزاعات السكن.
تعكس تجربة خنساء ما يشير إليه أحد شباب حي الثورة، الذي يؤكد أن التدخلات المجتمعية أصبحت خط الدفاع الأول في مثل هذه النزاعات.
يقول شاب من سكان حي الثورة بأم درمان — فضّل حجب اسمه — في إفادة لـ(عاين) إن لجان الأحياء والمبادرات المحلية أدت دورًا محوريًا في احتواء عدد كبير من نزاعات السكن التي برزت خلال فترة الحرب وما بعدها. وبحسب إفادته، فإن التدخلات المجتمعية كانت الخيار الأول في معظم الحالات، قبل اللجوء إلى الجهات الرسمية.
“تدخلنا في نزاعات كثيرة، وفي أغلب الأحيان تقتنع سكان المنازل بالخروج، لكن هناك حالات لا تحل إلا بالقانون”، يقول. ويشير إلى أن الحلول الودية نجحت في نسبة كبيرة من الحالات، خاصة عندما يتم إشراك أعيان الحي أو معارف مشتركين بين الأطراف، وهو ما ساعد على تقليل الاحتكاكات المباشرة بين السكان.
ورغم ذلك، لم تخلُ الأوضاع من توترات. وينوه إلى أن تصاعد النزاع كان يُقابل عادة بمحاولات مكثفة للوساطة قبل الوصول إلى مراحل أكثر تعقيدًا.
وفي الحالات التي تفشل فيها الجهود المحلية، يصبح اللجوء إلى الشرطة أمرًا حتميًا.
تعكس هذه الشهادة اعتمادًا متزايدًا على آليات الوساطة المجتمعية في إدارة نزاعات السكن، في ظل محدودية فعالية المؤسسات الرسمية خلال فترات الأزمة، مع بقاء الخيار القانوني كحل أخير عندما تستنفد الحلول الودية.
لكن هذا النمط من الحلول الودية، الذي يصفه سكان الحي كخيار أول، يكشف في الوقت نفسه عن الفجوة التي أشار إليها المحامي عبدالرحيم محمد بين النص القانوني والواقع العملي. فبينما يفترض القانون مسارًا واضحًا لحماية الملكية وحسم النزاع، تُظهر هذه الحالات أن غياب إطار منظم لظروف الحرب يدفع المجتمعات المحلية لابتكار حلول مؤقتة خارج النص.
قضاء إسعافي
يقول المحامي عبدالرحيم محمد في مقابلة مع (عاين) إن القانون السوداني لا يتضمن نصوصًا صريحة تنظم مسألة إشغال المنازل في سياق الحرب، مشيرًا إلى أن التعامل مع هذه الحالات يتم عبر تطبيق نصوص عامة وترك مساحة واسعة لاجتهاد القضاء. ويوضح أن المنظومة القانونية الحالية تتعامل مع هذه النزاعات عبر مسارين رئيسيين: جنائي ومدني.
“في المسار الجنائي، غالباً يتم تكييف الحالة كغصب عقار، أو تعد على الملكية، بمجرد وضع اليد بدون سند قانوني، حتى بدون استخدام العنف”، يقول عبد الرحيم. أما في الجانب المدني، فيلجأ المالكون إلى دعاوى استرداد الحيازة أو الإخلاء، إلى جانب المطالبة بتعويض عن الانتفاع غير المشروع.
ورغم ذلك، يشير عبدالرحيم إلى وجود ما يصفه بـ”المخرج النظري” في القانون، والمتمثل في حالة الضرورة، التي قد تنطبق على بعض حالات النزوح خلال الحرب.
“القانون قد يعترف بأن الشخص كان مضطراً لتفادي خطر جسيم، لكن الضرورة ترفع المسؤولية الجنائية مؤقتاً، ولا تمنح أي حق في الملكية أو الإقامة”، يضيف. ويؤكد أن التكييف القانوني لهذه الحالات ليس موحدًا، بل يختلف بحسب الظروف والنية. فبينما تُعتبر بعض الحالات تعديًا صريحًا، تقع حالات أخرى في “منطقة رمادية” إذا ارتبطت بالنزوح القسري، قبل أن تتحول إلى تعدٍ مشدد إذا ثبتت نية الاستمرار أو التملك.
“نحن لا نتعامل مع حالة واحدة، بل مع طيف من الحالات يتغير تكييفها حسب السياق”، يقول.
وبحسب عبدالرحيم، فإن غياب نصوص واضحة ينظم هذه المسألة يجعل النظام القانوني قائمًا على مزيج من القواعد العامة وتقدير القاضي، وهو ما ينعكس على طبيعة الأحكام. “القضاء يميل لحماية الملكية الخاصة، لكنه أحياناً يمنح مهلاً للإخلاء مراعاةً للظروف الإنسانية”، يوضح عبد الرحيم، ويشير، إلى أن المحاكم في هذا السياق لا تعمل فقط كمؤسسات لتطبيق القانون، بل تضطلع بدور أوسع في إدارة تداعيات الأزمة.
“القاضي في كثير من الحالات لا يكون مجرد مطبق للنص، بل يتحول إلى مدير أزمة”، بحسب تعبيره.
القانون اليوم يتعامل مع هذه القضايا كحوادث فردية، بينما هي ظاهرة اجتماعية واسعة، والقضاء يعمل حالياً كمسعف وليس كنظام متكامل لإدارة الأزمة
قانوني
في المقابل، يشير إلى تحديات كبيرة تواجه سير العدالة، من بينها بطء الإجراءات، وفقدان مستندات الملكية، وتعدد النزاعات على العقار الواحد، إلى جانب صعوبات تنفيذ الأحكام.
ويرى عبدالرحيم أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب إطار قانوني مخصص للتعامل مع هذا النوع من النزاعات. ويقول: “القوانين الحالية صممت لواقع مستقر، لكنها لا تستطيع إدارة ظواهر جماعية بحجم النزوح المرتبط بالحرب”. ويضيف: “النظام الحالي يعاني من فجوات متعددة، أبرزها غياب آلية لتنظيم الإشغال المؤقت، وضعف الربط بين المسارين الجنائي والمدني، إضافة إلى تعقيدات الإثبات في ظل ظروف النزاع.
“نحن أمام حالة انهيار في آليات الإثبات: من يثبت الملكية؟ ومن يثبت الضرورة؟ ومن يحدد توقيت الإشغال؟”، يتساءل المحامي عبد الرحيم. ويخلص إلى أن معالجة هذه الأزمة تتطلب تدخلًا تشريعيًا ومؤسسيًا يتجاوز الأدوات التقليدية، مشددًا على أن ما يحدث لا يمكن التعامل معه كحالات فردية معزولة.
“القانون اليوم يتعامل مع هذه القضايا كحوادث فردية، بينما هي في الواقع ظاهرة اجتماعية واسعة”، يقول عبد الرحيم. ويضيف: “القضاء يعمل حالياً كمسعف… وليس كنظام متكامل لإدارة الأزمة”.





















