كيف ستؤثر حرب الشرق الأوسط على إمدادات السلاح في الحرب السودانية؟

عاين- 11 مارس 2026

مع بداية الحرب المدمرة في الشرق الأوسط بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برزت أزمة الحرب الدائرة في السودان منذ نحو ثلاث سنوات كواحدة من الأزمات التي سيتأثر طرفاها الجيش السوداني والدعم السريع، لا سيما فيما يتعلق بإمدادات الأسلحة لجهة أن إيران دولة حليفة للجيش السوداني ومصدره الرئيس للأسلحة، كما أن دولة الإمارات الداعم الرئيسي لقوات الدعم السريع. تحاول (عاين) في هذه المقابلة شرح المزيد حول الأمر مع الخبير في هذا الشأن والمدير التنفيذي لبرنامج تتبع الشفافية والسياسة في السودان، د. سليمان بلدو.    

________________________________  

  • برأيك ما هو التأثير المتوقع لحرب الشرق الأوسط على إمدادات الأسلحة للجيش السوداني خاصة وأن إيران التي تحدثت تقارير عديدة بأنها داعم رئيسي للجيش؟

إيران بالنسبة لحكومة الأمر الواقع في الخرطوم تُعد دولة حليفة، وهي مصدر رئيسي للسلاح، وكانت من أوائل الدول التي وقفت مع القوات المسلحة السودانية في حربها ضد قوات الدعم السريع، ووفرت لها بصورة خاصة الطائرات المسيّرة الاستراتيجية المتطورة، وأيضًا مختلف أنواع الأسلحة التي طلبتها بورتسودان في وقتها.

وهذه الحرب قد تحد من قدرة إيران على مواصلة تسليح القوات المسلحة السودانية. لكن إيران، في ردها على العدوان الأمريكي الإسرائيلي عليها، رأت أن تهاجم جيرانها من دول مجلس التعاون الخليجي، خاصة الإمارات وقطر والبحرين والسعودية وحتى عُمان، حيث وصلت الصواريخ الباليستية الإيرانية إلى تلك الدول في إطار الرد الإيراني على الهجمات الجوية الأمريكية والإسرائيلية.

وهذا الوضع يضع السودان في موقف صعب، لأنه لديه تحالفات استراتيجية مع المملكة العربية السعودية بصورة خاصة، ودول الخليج الأخرى مثل الكويت وقطر أيضًا. فأصبح من الصعب التوفيق بين مناصرة طرف ضد آخر، لكن الاختيار الاستراتيجي الذي رآه الفريق أول عبد الفتاح البرهان هو التعبير عن دعمه وتضامنه مع دول الخليج، لأن العلاقة معها تاريخية واستراتيجية وأطول.

  • معلوم أن قيادة الجيش في السودان ترعى كتائب الحركة الإسلامية، كيف ترى تحول قيادة الجيش الأخير وتضامنه مع دول الخليج، وتجاهله إيران التي تمده بالسلاح؟

هذه التوترات كانت موجودة قبل حرب إيران بين كتائب الحركة الإسلامية الجهادية مثل كتائب البراء بن مالك وغيرها، فهي ليست كتيبة واحدة بل عدة كتائب، وكانت هناك انتقادات متواصلة للبرهان، خاصة عندما كان يميل أحيانًا إلى الخوض في مفاوضات لوقف إطلاق النار، وهو ما لم يكونوا يقبلونه، فكانوا يهاجمونه باستمرار.

كيف ستؤثر حرب الشرق الأوسط على إمدادات السلاح في الحرب السودانية؟

حرب إيران وضعت البرهان، ووضعت القوات المسلحة السودانية في موقف حرج جدًا، إذ لا يمكنهم التضامن مع دولة حليفة في الحرب وفرت لهم السلاح والميزة الاستراتيجية للطائرات المسيّرة، وفي الوقت نفسه عليهم أن يتضامنوا مع الدول التي تقصف إيران، وهي دول الخليج العربي، وكما ذكرت في البداية فإن العلاقة معها أعمق تاريخيًا واستراتيجيًا.

ولذلك اختار البرهان أن يعبر عن تضامن السودان مع دول الخليج. غير أن الطريقة التي تم بها ذلك تضمنت قدرًا من الارتباك الدبلوماسي، إذ أدان البيان هجمات إيران على كل دول الخليج، واستثنى ذكر الإمارات في القائمة، رغم أن الإمارات أيضًا متضررة من القصف الإيراني. وهذا أمر غير مقبول دبلوماسيًا، لأن التعبير عن التضامن مع الإمارات كان يمكن أن يفتح بابًا لإزالة التوترات وبدء حوار محتمل لإنهاء أو تحييد الإمارات في دعمها لقوات الدعم السريع.

هذه التوترات مرتبطة أيضًا بوجود هذا الفصيل المسلح (كتائب الحركة الإسلامية)، فمشكلة البرهان أن لهذه الفصائل دورًا كبيرًا جدًا على الأرض في المعارك الميدانية، وهي تشارك فيها بشكل مؤثر، ولا يستطيع التخلص منها بين يوم وليلة. لذلك فإن هذا التوتر كان بالنسبة لي في جانب منه مجرد فرقعة إعلامية أكثر من كونه تحولًا حقيقيًا.

ومع استمرار العلاقة الاستراتيجية بين الجيش السوداني والفصائل الجهادية للحركة الإسلامية بقيادة كوادرها المختلفة، فإن هذا يعكس طبيعة تركيبة الحركة الإسلامية وتأثيرها الكبير داخل القوات المسلحة السودانية على مختلف المستويات، بما في ذلك المستوى القتالي.

  • دولة الإمارات واحدة من الدول المتأثرة بحرب الشرق الأوسط ومتهمة بتوفير الدعم العسكري غير المحدود لقوات الدعم السريع الطرف السوداني في حرب السودان، ما هي توقعاتك لتأثير ذلك على قوات الدعم السريع؟

الدعم الذي تقدمه دولة الإمارات العربية المتحدة لقوات الدعم السريع فهو دعم متصل منذ بداية الصراع، بل إن جذوره تعود إلى ما قبل الحرب، لأن قوات الدعم السريع كانت شريكة للقوات المسلحة السودانية، ولا تزال قوات من الطرفين موجودة في المملكة العربية السعودية حتى اليوم، وتشارك في حرب اليمن ضمن التحالف الدولي الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين.

ومن خلال ذلك المدخل أسهمت دولة الإمارات في بناء قدرات قوات الدعم السريع. وبعد الحرب أصبح دعمها لهذه القوات غير محدود، سواء بالأسلحة أو بالضغوط الدبلوماسية على جيران السودان في شرق أفريقيا. وقد وصل الأمر إلى استقبال ممثلي تحالف “تأسيس” وقيادات الدعم السريع مثل عبد الرحيم دقلو في زياراتهم المتواصلة إلى كينيا وأوغندا وتنزانيا وغيرها من دول شرق أفريقيا.

كيف ستؤثر حرب الشرق الأوسط على إمدادات السلاح في الحرب السودانية؟

تعامل هذه الدول مع هذه القيادات يعود في أحد أسبابه الرئيسية إلى الرافعة الدبلوماسية التي توفرها دولة الإمارات العربية المتحدة، من خلال استخدام نفوذها في هذه الدول لمنح نوع من الشرعية لتحالف “تأسيس”.

جانب آخر هو أن الأوضاع بين المملكة العربية السعودية والإمارات تدهورت فجأة في يناير من هذا العام، فيما يتعلق بالتنافس بينهما في دعم الكيانات والفصائل المختلفة في اليمن. وقد تصاعد هذا التوتر بشكل مفاجئ عندما قامت المملكة العربية السعودية بقصف سفينة كانت تحمل شحنات يُشتبه بأنها عسكرية لفصيل في اليمن.

بعد ذلك بذلت المملكة العربية السعودية جهودًا قوية لإبعاد النفوذ الإماراتي من مدخل البحر الأحمر في الصومال، كما مارست ضغوطًا تتعلق بدعم الإمارات لقوات الدعم السريع، مثل إغلاق المجال الجوي السعودي أمام الطيران الإماراتي المتجه إلى ليبيا لنقل شحنات أسلحة يُشتبه بأنها تمر عبر قوات خليفة حفتر لتصل إلى قوات الدعم السريع.

هذه التوترات وصلت إلى مراحل متقدمة، لكن نتيجة التطورات اللاحقة، وخاصة الحرب الأخيرة على إيران والرد الإيراني الذي استهدف عدة دول في المنطقة، حدث نوع من التقارب والتنسيق الدفاعي بين المملكة العربية السعودية وبقية الدول المتأثرة بالضربات، ومنها دولة الإمارات. وبدأ يحدث نوع من التطبيع وتجاوز التوترات التي نشأت سابقًا في العلاقة بين السعودية والإمارات بسبب الملف اليمني.

  • وفقا لما ذكرت هل ستتوقف الإمارات عن دعمها لقوات الدعم السريع؟

في تقديري، لا أرى ذلك. فالإمارات لديها أهداف استراتيجية في القرن الأفريقي وشرق أفريقيا والساحل الأفريقي وشمال أفريقيا، ولديها حلفاء في هذه المناطق، وهي في تحالفاتها تختار أحيانًا الاصطفاف إلى جانب قوى متمردة كما حدث مع خليفة حفتر في ليبيا أو مع قوات الدعم السريع في السودان.

لذلك فإن دعمها لقوات الدعم السريع جزء من استراتيجية أوسع تتعلق بنفوذها في القرن الأفريقي وسواحل البحر الأحمر، وكذلك بحكم الاستثمارات التي ترغب في تحقيقها في السودان. ومن هنا كان دعمها لهذه القوات، لأنها ترى أنه لا بد أن يكون لها حضور في المعادلة السودانية.

لذلك لا أتوقع أن الحرب الدائرة في منطقة الخليج ستؤثر سلبًا على هذا الدعم، بل ربما تدفع الإمارات إلى زيادة دعمها لقوات الدعم السريع في الفترة القادمة.

ولا أعتقد أيضًا أن هناك خطورة كبيرة على إمدادات السلاح للقوات المسلحة السودانية، خاصة بعد التقارب الذي حدث بين مصر وتركيا والسعودية في توجيه دعم لوجستي وتسليحي للجيش السوداني، وهو ما أدى إلى تغيير ملحوظ في الوضع الميداني على الأرض لصالح القوات المسلحة.

  • الواقع يقول إن هناك تأثيرات لوجستية نتيجة حرب الشرق الأوسط أبرزها الوقود كيف تنظر إلى تأثير ذلك؟

-صحيح، جميع الأطراف ستعاني أزمة الوقود التي بدأت بالفعل في أنحاء العالم نتيجة لحرب الخليج. وسوف تكون هناك معاناة كبيرة في الحصول على المشتقات البترولية، إذ ستكون متوفرة، ولكن بأسعار مضاعفة أو ثلاثة أضعاف الأسعار السابقة.

وشهدنا بالفعل ارتفاعًا كبيرًا في أسعار الوقود عالميًا نتيجة للحرب في الخليج، وهو ما سيؤثر في القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع على حد سواء، بسبب صعوبة الحصول على الوقود.

إمدادات الوقود كانت تصل إلى مناطق سيطرة قوات الدعم السريع لأغراض عسكرية وأيضًا لأغراض مدنية، مثل تشغيل المزارع والسيارات وشاحنات النقل. وكانت هذه المشتقات تصل من شرق أفريقيا عبر جنوب السودان ومنطقة أبيي، ثم إلى جنوب كردفان وجنوب دارفور ومناطق أخرى.

كيف ستؤثر حرب الشرق الأوسط على إمدادات السلاح في الحرب السودانية؟

لكن هذا الأمر سيصبح أكثر صعوبة بسبب ارتفاع الأسعار وتكاليف النقل. أما ليبيا فلن تتأثر كثيرًا لأنها دولة منتجة للنفط وقريبة من دارفور، ولذلك قد تحاول قوات الدعم السريع في الفترة القادمة الحصول على الإمدادات الاستراتيجية من الوقود عبر شرق ليبيا، وهي المناطق الواقعة تحت سيطرة اللواء خليفة حفتر، وكذلك عبر حلفائه في المنطقة مثل ميليشيا “سبل السلام” التي لها تاريخ طويل في تهريب الوقود إلى قوات الدعم السريع حتى قبل الحرب.

لكن المؤكد، من هذه الناحية سيكون هناك تضييق على الطرفين، وقد يؤدي ذلك إلى التأثير في وتيرة العمليات العسكرية؛ بسبب صعوبة الحصول على الوقود.

كذلك، حتى الآن لم نرَ ردود فعل مباشرة من الحوثيين فيما يتعلق بمهاجمة حركة الملاحة في البحر الأحمر، لكن هذا احتمال وارد. وإذا حدثت أي مضايقات لحركة الملاحة في باب المندب، إلى جانب التوترات في مضيق هرمز، فقد يؤدي ذلك إلى أزمة اقتصادية عالمية غير مسبوقة.

فحركة الملاحة العالمية بين آسيا وأوروبا تمر بنسبة كبيرة عبر البحر الأحمر، وإغلاق مضيق باب المندب أو مضيق هرمز سيؤدي إلى أزمة حادة في الاقتصاد العالمي.

الرئيس الأمريكي ترامب كان يعتقد أن النظام الإيراني سينهار وأن الحرب ستنتهي خلال أيام، لكن هذا لن يحدث. الحرب ستستمر، وقد تتصاعد أكثر مع مرور الوقت، وسيكون لها تأثيرات خطيرة على الاقتصاد العالمي.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *