موسى هلال .. جنرال الحرب الذي هُزِم بسلاحه
عاين–25 فبراير 2025
الحرب في إقليم دارفور غربي السودان، شكلت أهم المحطات في مسيرة الزعيم الأهلي، موسى هلال بعدما برز لأول مرة كقائد لمليشيات الجنجويد المتهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية في الإقليم، وهو ما جعله محط الأنظار والجدل في المشهد السوداني والعالمي، لما يزيد عن عقدين من الزمان.
العنف والمواجهة كانتا القاسم المشترك في مسيرة موسى هلال، فقد صعد إلى قمة مجده بعدما حشد أبناء عشيرته لمساندة الجيش في حربه ضد الحركات المسلحة في دارفور، لكن سرعان ما سقطت نجوميته بالسلاح نفسه، وهو ما جسده اجتياح قوات الدعم السريع مؤخراً دامرة مستريحة في ولاية شمال دارفور المعقل التاريخي لهلال.
ويأتي اجتياح قوات الدعم السريع إلى مستريحة؛ بعد صراع طويل بين قائدها وموسى هلال في سياق التنافس السياسي على الزعامة في إقليم دارفور، وهو الهجوم الثاني من نوعه، فقد كان الأول في العام 2017، والذي انتهى باعتقال موسى هلال وسجنه 4 سنوات على الأقل في الخرطوم؛ قبل أن يتم إطلاق سراحه بعد نجاح ثورة ديسمبر في إسقاط الرئيس السابق عمر البشير.
زعامة أهلية
وتروي مسيرة موسى هلال أنه مواليد دامرة الشيخ مستريحة الواقعة قرب كتم في العام 1961م؛ وتزوج 3 نساء وله نحو 13 ولداً، وقد تولى زعامة أهلية المحاميد العربية في ولاية شمال دارفور؛ كما عرف عنه انتمائه إلى حزب الأمة السوداني.
ورغم زعامته الأهلية؛ إلا أنه لم يكن بارزا في المشهد الدارفوري، إلا بعد اندلاع الحرب بين الحكومة والحركات المسلحة في العام 2003؛ فقد ظهر كقائد لمليشيات الجنجويد المساندة للجيش في القتال مع التمرد. ففي فترة كان موسى هلال مسجونا في بورتسودان بتهمة قتل جنود سودانيين؛ وقد تم إطلاق سراحه مقابل تجنيد أبناء عشيرته للقتال مع القوات المسلحة؛ فأسس قوات حرس الحدود بإشراف من وزير الدفاع السابق عوض بن عوف، للقتال في ولاية شمال دارفور التي كان حاكماً عليها إبراهيم سليمان.
يقول الصحفي المتخصص في شأن دارفور علاء الدين بابكر، إن موسى هلال زعيم قبلي، وفي نفس الوقت قائد عسكري، فقد كان من أبرز قادة حرس الحدود عن تشكيله في بدايات الألفية الثالثة، إذ كان حرس الحدود مختلفاً كليا عن قوات الدعم السريع في تكوينه وتنظيمه، فلم يكن له قيادة مركزية في دارفور، وأي متحرك كان له قيادة منفصلة، على أن تخضع جميع القوات إلى إشراف إدارة يرأسها وزير الدفاع السابق عوض بن عوف، فهو الذي أسس هذا التشكيل المسلح.

كان موسى هلال قائداً لمتحرك حرس الحدود في ولاية شمال دارفور واسمه “الخفيف المخيف”، لكنه اشتهر بأنه القائد الأول لحرس الحدود؛ مما أحدث تداخلا بين حرس الحدود والجنجويد وجميعها مقصود بها مجتمعات محددة في الإقليم، ومنذ حينها جرى تلقيبه بـ”الابن الروحي للجنجويد”، ففي ذلك الوقت انطلق التمرد في شمال دارفور وهو المكان الذي كان يقيم فيه شيخ موسى، فقاتل الحركات بشراسة – وفق بابكر الذي تحدث مع (عاين).
بعد تأسيس قوات الدعم السريع في العام 2013 بدأ بريق موسى هلال في التراجع لصالح محمد حمدان حميدتي حليف حكومة البشير الصاعد وقتها بدارفور، لكن هلال حافظ على مكانته كرجل إدارة أهلية فهو شيخ لمجموعة من أهلية المحاميد وليس كلها؛ فقد تمت بعض المعالجة بعد اتفاقيات السلام الشامل 2005 بتعيينه مستشارا بديوان الحكم الاتحاد وإعطاء مكونه الاجتماعي أكبر تمثيل في السلطة؛ بحسب علاء الدين.
كان تعيين هلال مستشاراً بديوان الحكم الاتحادي بمثابة محاولة من نظام البشير لاحتواء غضبه بعد صعود حميدتي؛ وذلك خشية أن يذهب إلى المحكمة الجنائية الدولية، ويكون شاهد ملك ضدهم، وفق ما ذكرته تقارير في ذلك الحين، لكن هلال لم يكن راضيا بهذه الوضعية، وتحدث أكثر مرة عن تهميشه، وعن رفض نافع علي نافع تسليمه أي ملف خلال فترة عمله، مما دفعه إلى مغادرة الخرطوم إلى دارفور التي مكث فيها مغاضباً ومتمرداً؛ وبدأ في مهاجمة رموز نظام البشير وقائد قوات الدعم السريع.
وفي العام 2017 سعى نظام البشير إلى دمج قوات مجلس الصحوة الثوري التي أسسها ويقودها؛ وجمع سلاحها في عملية كبرى لجمع السلاح؛ كان يشرف عليها نائب الرئيس في ذلك الوقت حسبو محمد عبد الرحمن؛ وقد عُقد معه لقاءين مع البشير وإبراهيم غندور في أم جرس التشادية؛ لكنه رفض جمع السلاح، فاجتاحت قوات الدعم السريع معقله “مستريحة” في عملية انتهت باعتقاله وسجنه.
وجرى إطلاق سراحه بعد الثورة الشعبية وعقد مصالحه مع حميدتي، وانخرط في تنظيم مظاهرات الزحف الأخضر؛ ضمن ما يعرف بالتيار الإسلامي العريض، التي كانت تهدف إلى إسقاط الحكومة الانتقالية برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، وظل متحالفا مع المكون العسكري إلى أن اندلعت الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في منتصف أبريل 2023.
وبحسب مصدر مقرب من هلال تحدث مع (عاين) فإن قوات الدعم السريع هي من أجلت موسى هلال من منزله في حي المجاهدين في الخرطوم إلى دارفور في الأيام الأولى من اندلاع الحرب بعدما أبلغته بوجود جهات تخطط لاغتياله. وظل هلال صامتاً، دون أن يُظهر أي تحيز، لكنه بدأ في مهاجمة قوات الدعم السريع عقب محاصرتها إلى مدينة الفاشر، وأعلن ساعتها مساندته للجيش في القتال الحالي.
وتصاعدت الخلافات عقب مقتل مستشار قائد قوات الدعم السريع، حامد علي، في منطقة الفردوس بولاية وسط دارفور قبل نحو شهرين بطائرة مسيرة، حيث جرى اتهام فتحي نجل موسى هلال، بإرسال الإحداثيات إلى الجيش لتنفيذ القصف، الأمر الذي نفاه بشدة.
مواجهة مستمرة
وقبل أسبوعين، خرج موسى هلال في مقطع مصور يخاطب فيه أنصاره في مستريحة، هاجم خلاله قوات الدعم السريع وقائدها محمد حمدان حميدتي، وقال إنها تريد أن تُخضع الناس بالقوة لتأييدها، مؤكداً ولاءه المبدئي للجيش، لكن في نفس الوقت لا يمنع أحد من تأييد الدعم السريع، وهو ما قاد إلى المواجهة.
ويشير الصحفي المختص في شأن دارفور علاء الدين بابكر أن حكومة الإنقاذ عمقت الفتنة العنصرية في دارفور، وعززت لما يسمى “زرقة وعرب”، فموسى هلال نفسه كان مظلوما من قبلها، وقد سُجِن منذ منتصف التسعينيات في بورتسودان، وأطلق سراحه مع بداية اندلاع الحرب في إقليم دارفور.
يقول “من 1989 وحتى منتصف التسعينات عملت الإنقاذ على تمكين ودعم المجموعات غير العربية في دارفور، وبعد اندلاع التمرد دعمت العربية، موسى هلال كان أحد المستفيدين من التحول الجديد، فقد تم سجنه في بورتسودان بسبب ملاسنة مع نائب الرئيس وقتها الزبير محمد صالح خلال زيارته لدارفور، وأطلق سراحه في 2003، وأصبح صديقا للزبير.
وبحسب علاء الدين أن اجتياح قوات الدعم السريع لبلدة موسى هلال سيكون له تأثير ولكن محدوداً، نتيجة لخطاب الكراهية الذي ظلت تصدره الحكومة في بورتسودان، والذي تسبب في توحيد هذه المجتمعات، وأزال بعض التناقضات التي كانت بينها، فقد أصبح هناك مزاج عام للحرب؛ بسبب الضرر الذي لحق بهذه المكونات؛ فليس هناك بيت من المكونات العربية بدارفور لم يقتل منه أحد.
سجل إجرامي
وبالنسبة إلى المحامي عبد الباسط الحاج، فإن موسى هلال عمل على تجنيد أبناء المكونات العربية من مختلف أنحاء إقليم دارفور للقتال في صفوف مليشيات الجنجويد التي كان يقودها، ويقود الهجمات بنفسه، مما خلف سجل إجرامي ملئ بالانتهاكات، وهو مشابه لما قام به قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان حميدتي، والذي كان بمثابة خليفة لموسى هلال.
ويقول الحاج وهو محام يتابع ملف دارفور في المحكمة الجنائية الدولية لـ(عاين): “هناك إفادات من شهود وناجين من شمال غرب دارفور من مناطق كبكابية وسرف عمره، تؤكد أن موسى هلال قاد هجمات في تلك المناطق والسيطرة وحرق القرى وغيرها من العمليات في السجلات الإجرامية، ومع ذلك فهو ليس من ضمن قائمة المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، لأسباب تراها المحكمة”.
ويضيف “في مرحلة ما شعر الجيش السوداني بأن موسى هلال استنفذ أغراضه، ولم يعد الشخص المناسب للمرحلة ما بعد 2008، فبرز حميدتي بطموحات وأطماع أكبر من هلال”.
وفي سياق تنافسه مع هلال، نجح حميدتي في إقناع مركز السلطة في الخرطوم بأن يتم الاستعانة به، فقد تخلت السلطة عن هلال، واستعانت به لأنه كان ينفذ بأقل التكاليف، فتم سجن موسى هلال في السجن الحربي في الخرطوم باعتباره جنديا يحمل نمرة عسكرية من خلال حرس الحدود، فأطلق سراحه بعد ثورة ديسمبر- وفق عبد الباسط.
ويشير إلى أنه بعد ذلك، تدهورت علاقات موسى هلال مع صعود حميدتي الذي تمكن في الآخر من التغلب عليه مبكرا والانفراد بالساحة، والقضاء عليه تماما بعد دخول قوات الدعم السريع هذا الأسبوع إلى منطقة مستريحة معقل موسى هلال.
ويعتقد المحلل السياسي محمود تورشين، أن الهجوم على مستريحة ربما أتى في إطار تصفية الحسابات، فمن المعلوم أن حميدتي على خلاف طويل مع موسى هلال، لكن من المتوقع أن تنخرط قوات مجلس الصحوة الثوري في القتال ضد قوات الدعم السريع، مما يكون نتيجته كسب الجيش شريك مهماً في سياق بناء قدراته الميدانية والأمنية، كما ستعمق الشرخ بين المكونات الاجتماعية في المنطقة. ويشير إلى عملية مستريحة قد تحمل رسائل إلى الفصائل العسكرية التي رفضت أن تكون جزءا من قوات الدعم السريع، وعلى وجه التحديد حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور التي ستكون المواجهة معها حتمية في سياق سعي الدعم السريع إلى فرض واقع جديد في إقليم دارفور، مما يشعل الأوضاع في الإقليم خلال المرحلة المقبلة.





















