محول المعاملات المصرفية.. كيف بدأت القصة، وكيف انتهت؟
عاين- 5 يوليو 2026
بعد ثلاثة أيام فقط من احتفال شركة “العسجد” للحلول الرقمية والذكية المحدودة بحصولها على ترخيص تشغيل مشروع “محول المعاملات المصرفية”، تراجع بنك السودان المركزي عن قراره، وأعلن إلغاء التصديق، قائلاً إن الخطوة جاءت بعد “مراجعة شاملة لأوضاع الشركة وفق المعايير الفنية والمالية والرقابية المعلنة المنظمة لهذا القطاع”.
وكان إعلان الشركة قد جاء خلال فعالية رسمية برعاية عضو مجلس السيادة الفريق إبراهيم جابر، وبحضور قائد القوات البحرية الفريق بحري محجوب بشرى، وممثل لبنك السودان المركزي وعدد من مديري المصارف السودانية، الأمر الذي منح المشروع طابعاً رسمياً، قبل أن يقلب قرار البنك المركزي المشهد رأساً على عقب بعد أيام قليلة.
ورغم أن البنك أوضح سبب سحب الترخيص، إلا أنه لم يقدم إجابات عن أسئلة تتعلق بكيفية وصول الشركة أصلاً إلى هذه المرحلة، وما إذا كانت قد حصلت على المشروع عبر منافسة مفتوحة.
في هذا التقرير تقدم (عاين) إجابات على العديد من الأسئلة التي طُرحت بخصوص الموضوع، وذلك بعد أن راجعت عدة وثائق وبيانات رسمية، وإعلان مناقصة نشرها بنك السودان المركزي، وبيانات الشركات، إلى جانب مقابلات مع خبراء اقتصاديين ومصرفيين.
محول المعاملات المصرفية يمثل البنية التقنية التي تمكن البنوك والمحافظ الإلكترونية من تبادل أوامر الدفع والتحويل في زمن واحد
خبير اقتصادي
“محول المعاملات المصرفية” هو النظام الذي يربط البنوك وشركات الدفع والمحافظ الإلكترونية في منصة مركزية واحدة، ويتيح تنفيذ التحويلات بين مختلف المؤسسات المالية بصورة لحظية، ما يجعل المشروع أكبر من تطبيق مصرفي أو خدمة إلكترونية عادية.
يقول الخبير الاقتصادي، هيثم محمد فتحي، لـ(عاين): إن “هذا النظام يمثل البنية التقنية التي تمكن البنوك والمحافظ الإلكترونية من تبادل أوامر الدفع والتحويل في زمن واحد، كما يربط شركات الاتصالات، وأجهزة الصراف الآلي، ونقاط البيع، وبوابات الدفع الإلكتروني، ويوفر للبنك المركزي رؤية شاملة لحركة المدفوعات، بما يساعده على رقابة النظام المالي، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ويضيف: أن “أهمية المشروع لا تنبع فقط من دوره في تسريع التحويلات، وإنما لأنه يعد جزءاً من البنية التحتية المالية الحرجة في أي دولة، إذ إن تعطل هذا النظام قد يؤدي إلى توقف جزء كبير من النشاط الاقتصادي الرقمي، بما يشمل التحويلات بين البنوك والمدفوعات الحكومية والتجارية، ولذلك تخضع هذه الأنظمة عادة لمتطلبات صارمة تتعلق بالأمن السيبراني، والحوكمة، والتعافي من الكوارث، واستمرارية الأعمال.
من هي شركة العسجد؟
حتى وقت قريب، لم يكن اسم شركة العسجد للحلول الرقمية والذكية متداولاً على نطاق واسع في القطاع المصرفي السوداني. وتشير المواد المنشورة على صفحات الشركة إلى أنها بدأت نشاطها خلال عام 2025 كشركة متخصصة في الحلول الرقمية والتحول التقني، بينما كان أول ظهور علني لمديرتها، الدكتورة عسجد يحيى الكاظم، في منتدى اقتصادي نظمه مركز شموس ميديا بالعاصمة المصرية القاهرة في 20 يناير 2025.
في ذلك المنتدى، قدمت الكاظم ورقة بعنوان “توحيد منصة الدفع الإلكتروني للبنوك خطوة نحو التحول الرقمي والشمول المالي”، تناولت فيها التحديات التي تواجه القطاع المصرفي السوداني بعد الحرب، وفي مقدمتها تضرر البنية التحتية، وضعف خدمات الاتصالات، وتراجع الخدمات الإلكترونية، قبل أن تعرض رؤية تقوم على إنشاء منصة موحدة تربط جميع البنوك السودانية عبر نظام مركزي بإشراف بنك السودان المركزي.
وبعد أقل من شهرين، عادت الكاظم لطرح الورقة نفسها في ورشة عمل نظمتها وكالة السودان للأنباء بالشراكة مع مركز شموس ميديا بمدينة بورتسودان في السادس من مارس 2025، بحضور عضو مجلس السيادة الفريق إبراهيم جابر، وعدد من المسؤولين الحكوميين والمصرفيين.
ويطرح هذا التسلسل الزمني التساؤل حول ما إذا كانت تلك الفعاليات مجرد منصات أكاديمية لمناقشة فكرة تطوير المدفوعات الإلكترونية، أم أنها مثلت بداية الترويج لمشروع كان قد دخل بالفعل مرحلة الإعداد والتنفيذ.
شراكة معلنة مع شركة مصرية
وبالتزامن مع مناقشة فكرة المنصة الموحدة للمدفوعات، في المنتديات الاقتصادية، أعلنت شركة العسجد للحلول الرقمية والذكية في 15 فبراير 2026، توقيع اتفاقية شراكة استراتيجية مع شركة “بنك إن بوكس” المصرية، وهي شركة متخصصة في تطوير أنظمة المدفوعات والخدمات المصرفية الرقمية.

وبحسب البيان المشترك الصادر عقب التوقيع، تهدف الاتفاقية إلى بناء وتشغيل منصة موحدة تربط البنوك السودانية عبر محول معاملات مركزي مرخص من بنك السودان المركزي، إلى جانب تطوير بنية تحتية للمدفوعات الفورية تتوافق مع أحدث المعايير التقنية العالمية.
وأشار البيان إلى أن شركة “بنك إن بوكس” ستكون الشريك التقني المسؤول عن تطوير المنصة، بينما تتولى شركة العسجد قيادة المشروع داخل السودان، مستفيدة من علاقاتها مع البنوك السودانية، ومن التقدم الذي أحرزته في الحصول على ترخيص المحول المركزي، حسب البيان.
يشار إلى أن الاتفاقية بين العسجد وبنك إن بوكس، قد وقعت قبل نحو شهرين من إعلان بنك السودان المركزي طرح مناقصة مشروع نظام المدفوعات الفورية القومي. ورغم أنه لا توجد وثائق منشورة تثبت أن المنافسة قد رست على الشركتين، إلا أنه يوضح أن الطرفين كانا يعلنان بالفعل عزمهما على تنفيذ منصة المدفوعات الوطنية قبل فتح باب المنافسة رسمياً.
من هي شركة بنك إن بوكس؟
تصف شركة بنك إن بوكس نفسها بأنها شركة مصرية متخصصة في حلول التكنولوجيا المالية، وتشير على موقعها الإلكتروني إلى أنها تقدم أنظمة للتحويل بين البنوك، والمدفوعات الرقمية، والخدمات المصرفية الأساسية، وحلول المحافظ الإلكترونية.
وتذكر الشركة أنها نفذت مشاريع لصالح مؤسسات مالية في عدد من الدول، لكنها لا تنشر قائمة تفصيلية بأسماء عملائها أو المشروعات التي نفذتها، كما لا تعرض وثائق توضح تنفيذها سابقاً مشروعاً لمحول مدفوعات وطني لصالح بنك مركزي.
ويلاحظ أيضاً أن الشركة، شأنها شأن شركة العسجد، تعد حديثة نسبياً؛ إذ تشير بياناتها التعريفية إلى أنها تأسست عام 2022، بينما تبرز البيانات الصحفية اسم المهندس باسم محمود بصفته الرئيس التنفيذي، في حالة تشابه وضع شركة “العسجد” ومديرتها عسجد الكاظم.
مناقصة بعد إعلان الشراكة
في السابع من أبريل 2026، أعلن بنك السودان المركزي عن طرح مناقصة عامة لتنفيذ مشروع “نظام المدفوعات الفورية القومي” وفتح الباب أمام الشركات المحلية والأجنبية المتخصصة للتنافس على المشروع.
وتضمنت وثائق المناقصة شروطاً فنية ومالية واضحة، من بينها تقديم ضمان ابتدائي بنسبة 2%، والالتزام بالمواصفات الفنية، مع تأكيد البنك أنه غير ملزم بقبول أقل أو أي عطاء. واقتصرت الوثائق المتاحة على إعلان المناقصة ووثيقة طلب العروض، بينما لم تُنشر لاحقاً أي وثائق تتعلق بنتائج المنافسة، حتى اليوم.
وفي بيان إلغاء الترخيص الممنوح لشركة العسجد، قال بنك السودان المركزي إن “اللجنة تواصل أعمالها في فحص الطلبات والعروض المقدمة من المؤسسات الراغبة في تقديم خدمات نظم الدفع الإلكتروني، ويجدد البنك ترحيبه بشراكة القطاع الخاص وفق اللوائح والمعايير المعلنة التي تُطبق على الجميع دون استثناء أو تمييز”.
البنية الرقمية
إذا كان الجدل الذي أثاره مشروع محول المعاملات المصرفية قد انصب في بدايته على إجراءات الترخيص، فإن خبراء مصرفيين يرون أن القضية تتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بمن يسيطر فعلياً على البنية التحتية الرقمية للنظام المالي السوداني. فالمحول الوطني للمدفوعات يشكل أحد أهم مكونات البنية التحتية المالية في أي دولة.
هنالك معلومات أساسية غائبة، من بينها مكان استضافة بيانات النظام، وما إذا كانت ستخزن داخل السودان، أو خارج البلاد، أو على بنية حوسبة سحابية.
خبير مصرفي
يرى خبير مصرفي تحدث لـ(عاين) طلب حجب اسمه، أن هنالك معلومات أساسية غائبة عن الرأي العام، من بينها مكان استضافة بيانات النظام، وما إذا كانت ستخزن داخل مراكز بيانات في السودان، أو في مراكز بيانات خارج البلاد، أو على بنية حوسبة سحابية، قائلاً إنها “تفاصيل ذات أهمية بالغة بالنسبة لأي نظام يدير البنية التحتية للمدفوعات الوطنية”.
ولفت إلى أن من بين الأسئلة التي ما تزال بلا إجابة أيضاً، كيفية ضمان استمرارية الخدمة إذا تعرضت الشركة لأي تعثر مالي أو توقفت عن العمل، ومن سيتولى تشغيل المنصة في تلك الحالة، وكيف سيضمن البنك المركزي استعادة البيانات واستمرار تقديم الخدمات دون انقطاع.
ويمتد الغموض، بحسب الخبير، إلى الجوانب المتعلقة بالأمن السيبراني، إذ لم توضح أي من البيانات الرسمية ما إذا كانت البنية التحتية للمشروع خضعت لاختبارات أمنية مستقلة، أو كيف ستدار مفاتيح التشفير، أو ما إذا كانت بيانات العملاء والمعاملات ستكون مشفرة بالكامل، أو الآليات التي ستتبع للتعامل مع الهجمات الإلكترونية في حال تعرضت لها المنصة.
لماذا لم تُكلف (EBS)؟
أثار المشروع أيضاً تساؤلات بشأن مستقبل شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية المعروفة اختصاراً بـ(EBS)، التي ظلت لسنوات تشكل إحدى الركائز الأساسية للبنية التحتية للمدفوعات الإلكترونية في السودان. وهي شركة مملوكة للبنوك العاملة في البلاد تأسست بمبادرة من بنك السودان المركزي، وكانت تتولى تشغيل عدد من الخدمات المشتركة، بينها الربط بين أجهزة الصراف الآلي، ونقاط البيع، وبعض خدمات الدفع الإلكتروني.
ويرى الخبير الاقتصادي، هيثم محمد فتحي، أن شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية السودانية، قد أُقصيت أو استُبدلت في مشروع محول المعاملات المصرفية.

وأضاف لـ(عاين): “في تقديري يمكن لبنك السودان المركزي تطوير كل الخدمات المالية والمصرفية اللازمة عبر شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية، بما يسهم في توحيد أنظمة الدفع بين المصارف، مستفيداً من قدراتها في إدارة المقاصة الإلكترونية وعمليات الخصم والإضافة بين البنوك، الأمر الذي كان سيعزز التكامل، ويقوي التطبيقات المصرفية من خلال قناة موحدة”.
وذكر فتحي، أن السؤال الأهم هو كيف حصلت شركة من القطاع الخاص، حديثة التكوين، على رخصة تتيح لها الاطلاع على المعاملات المصرفية البينية، مؤكداً أن هناك ضرورة لأن يظل هذا النظام حكراً على الشركات الحكومية، خاصة في الوقت الحالي الذي يعاني منه السودان من عدم الاستقرار الاقتصادي والأمني والسياسي، وفق قوله.
ويرى فتحي، ضرورة أن يكون هنالك تشريع يتيح لرواد الأعمال والشركات التقنية تطبيق حلولهم ومنتجاتهم المالية في بيئة واقعية خاضعة للرقابة، مشيراً إلى أن ذلك من شأنه أن يسرّع دورة الابتكار، ويقلل من حواجز الدخول إلى السوق.
رد بنك السودان المركزي
في معرض رده على الجدل الذي أعقب منح الترخيص ثم سحبه، قال بنك السودان المركزي إن جميع الجهات المرخص لها تخضع لمعايير رقابية وفنية صارمة تشمل “الحوكمة المؤسسية، وإدارة المخاطر، واستمرارية الأعمال، والأمن السيبراني، وحماية البيانات، إلى جانب الرقابة والإشراف المستمرين طوال فترة الترخيص”.
غير أن البنك لم ينشر نتائج التقييم الفني أو المالي الذي استند إليه في منح الترخيص ابتداءً، كما لم يوضح بالتفصيل أسباب اعتباره لاحقاً أن الشركة لم تعد مستوفية للمعايير المطلوبة.
ماذا قالت شركة العسجد؟
من جانبها، قالت شركة العسجد، في بيان أصدرته قبل قرار الإلغاء، إنها استوفت جميع الاشتراطات المطلوبة، وإنها حصلت على الترخيص بعد استكمال الإجراءات الفنية والإدارية التي طلبها البنك المركزي.
وذكرت أن بنك السودان المركزي منح تراخيص لاحقة لشركات خاصة أخرى ما يؤكد أن الرخصة ليست حكراً على أي جهة، وإنما تُمنح لكل من يستوفي المتطلبات والضوابط المعتمدة، بما يسهم في بناء سوق تنافسية قوية تخدم الاقتصاد الوطني.






















