الولايات المتحدة ترسم خطاً أحمر بشأن السودان
عاين- 28 سبتمبر 2026
تختتم الجمعية العامة للأمم المتحدة أعمالها هذا الأسبوع وسط غياب شخصية بارزة واحدة عن الحدث، وهو قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان. فقد رفضت الولايات المتحدة منح تأشيرة دخول لقائد القوات المسلحة السودانية، مما كشف عن تصاعد التوترات بين واشنطن والقيادة العسكرية السودانية والقوى الإقليمية التي تشكل مسار الحرب.
بدأت الأزمة في 21 سبتمبر بعد منشور على منصة “إكس” (تويتر سابقاً) كتبه المستشار الأمريكي الرفيع مسعد بولس، أشار فيه إلى وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم باعتباره “وزير الخارجية المعين من قِبل القوات المسلحة السودانية”. ويكمن الخلاف في عدم رغبة المسؤول الأمريكي في الاعتراف بمحيي الدين سالم ممثلاً رسمياً للحكومة في البلاد.
وأفاد دبلوماسيون إقليميون (عاين) بأن مصر رتبت اجتماعاً بين بولس ومحيي الدين لنزع فتيل التوتر بين القوات المسلحة السودانية وواشنطن. وخلال الاجتماع، شدد المسؤولون الأمريكيون على أهمية توقيع الاتفاق المقترح لوقف إطلاق نار لمدة 90 يوماً في جميع أنحاء السودان. ووفقاً للدبلوماسيين الإقليميين، أدرك وفد القوات المسلحة السودانية أيضاً أن قائد جيشهم لن يحصل على تأشيرة أمريكية لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وعقب الاجتماع، أرسل جانب القوات المسلحة السودانية طلباً رسمياً إلى الأمم المتحدة لضمان حصول البرهان على تأشيرته ولتأكيد أن جواز سفره لا يزال لدى السفارة الأمريكية في القاهرة. وقد أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن أسفه لعدم منح الولايات المتحدة تأشيرة دخول للبرهان لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وجاء هذا الاجتماع أعقاب سلسلة من التصريحات والرسائل من الجانب الأمريكي والتي جعلت موقف واشنطن صعب التفسير على أنه مجرد ضغط على القوات المسلحة السودانية لقبول وقف إطلاق النار.
لا الدعم السريع ولا الجيش
ذكرت وزارة الخارجية الأمريكية في 22 سبتمبر أن كلاً من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع لا يمثلان حكومة شرعية أو دستورية للس السودان. وأشر الموقف المنبثق عن واشنطن إلى أنها لا ترى مستقبلاً للسودان يكون فيه إما البرهان أو قائد قوات الدعم السريع شبه العسكرية محمد حمدان دقلو (المعروف بـ “حميدتي”) محورياً في مستقبل البلاد السياسي.
ويبدو أن هذا الموقف ينسجم مع الإطار الذي وضعته العام الماضي “الرباعية”، وهي تحالف وسائط دبلوماسي يضم الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر. ففي سبتمبر 2025، اقترحت الرباعية هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، ووقفاً فورياً ودائماً لإطلاق النار، وعملية سياسية يقودها مدنيون تستبعد الأطراف المتحاربة وتفرض عقوبات على الحركة الإسلامية في السودان.
واشنطن تعتمد على “الخماسية“
بالنسبة لدبلوماسي أوروبي رفيع تحدث إلى (عاين)، فإن الأحداث المحيطة بالجمعية العامة تشير إلى تحول أوسع بكثير في السياسة الأمريكية. وقال الدبلوماسي: “تفسيري، بناءً على ما راقبته في الجمعية العامة للأمم المتحدة، هو أن الولايات المتحدة تنسحب فعلياً من الملف السوداني”. ووفقاً له، وضعت واشنطن نفسها في مواجهة كل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع بينما تقدم نفسها كداعمة للمدنيين السودانيين، مضيفاً: “لقد نشروا تصريحات تفيد بأنهم ضد الجيش والدعم السريع وأنهم يقفون مع المدنيين”.

ويعتقد الدبلوماسي أن واشنطن قد فوّضت بشكل فعلي مسؤولية المرحلة المقبلة من العملية السياسية إلى تجمع دولي أوسع مُكلّف بجمع صفوف حكومة مدنية. وهو نهج يشرك “الخماسية” – وهي تحالف يضم خمس هيئات دولية وإقليمية (الاتحاد الأفريقي، جامعة الدول العربية، الاتحاد الأوروبي، الهيئة الحكومية للتنمية “إيغاد”، والأمم المتحدة).
كما يربط الدبلوماسي ردود فعل واشنطن بالتطورات الجارية في البحر الأحمر واليمن. وبحسب قوله، فإن دول الخليج – بما في ذلك السعودية والإمارات وقطر – باتت تؤمن بشكل متزايد بأن الولايات المتحدة لم تعد شريكاً أمنياً موثوقاً، ولذلك فهي تحاول تقليل اعتمادها على أمريكا بشكل عام. وقال لشبكة “عاين”: “تدرك دول الخليج، من الإمارات إلى قطر والسعودية، أن أمريكا لم تعد شريكاً موثوقاً”.
التراجع أم التقدم للأمام؟
بالنسبة للمحللة السياسية داليا عبد المنعم، فإن الخطوة الأمريكية قد تخلق أيضاً فرصة للجيش. وقالت: “يمكن لهذه الخطوة أن تفيد الجيش أيضاً في كيفية تعامله مع الأمر علناً”، إذ يمكن للقوات المسلحة السودانية تصوير النزاع على أنه محاولة من دولة أجنبية لفرض إرادتها السياسية على الممثل “الرسمي” لحكومة السودان.
لكن داليا حذرت أيضاً من أن الضغط قد يهدد في النهاية موقع البرهان داخل المؤسسة العسكرية نفسها. وقالت لـ(عاين): “إذا قررت واشنطن تضييق الخناق، فقد تتفكك الأمور بسرعة كبيرة حول البرهان إذا قرر الجيش، على سبيل المثال، أنه أصبح عائقاً لا رصيداً”.
وبالنسبة لداليا، يطرح هذا الصراع الدبلوماسي سؤالاً حاسماً: هل تحاول واشنطن إعادة صياغة المعادلة السياسية في السودان عبر دفع البرهان وحميدتي إلى خارج المشهد، أم أنها تتراجع تدريجياً وتترك للقوى الإقليمية تقرير ما سيأتي بعد ذلك؟






















